الصحافة الإيرانية: دروس من الحرب في العلاقات الإيرانية الصينية

بالنسبة لبكين، تمثل إيران مصدرًا للطاقة بأسعار مخفضة، وسوقًا للسلع الصينية، ونقطة توازن في مواجهة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، لكن ليس إلى الحد الذي يدفع الصين إلى الدخول في مواجهة مباشرة مع قوى كبرى أخرى.

ميدل ايست نيوز:  أظهرت الحرب التي اندلعت في فبراير 2026، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات جوية على منشآت إيرانية، أن كثيرين كانوا يتوقعون موقفًا أكثر حزمًا من الصين بوصفها شريكًا استراتيجيًا لإيران. إلا أن ما برز عمليًا كان نموذجًا واضحًا للحسابات الواقعية التي تنتهجها بكين، والقائمة على تقديم دعم اقتصادي ملموس من دون الانخراط في التزامات أمنية مباشرة. وقد سلط هذا النهج الضوء على الطبيعة الحقيقية للشراكة الاستراتيجية الشاملة الموقعة بين البلدين عام 2021، وكشف الفارق بين البراغماتية والالتزام الملزم في دبلوماسية القوى الكبرى.

يقول رضا حاجي محمدي، الخبير في العلاقات الدولية، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إن الصين واصلت خلال فترة الحرب شراء النفط الإيراني، فيما استمر الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية بالتدفق إلى المصافي الصينية، وهو ما وفر لإيران شريانًا اقتصاديًا حيويًا في ظل الضغوط الدولية.

وفي الوقت نفسه، أدان المسؤولون الصينيون الهجمات، وطرحوا مبادرات للسلام، من بينها خطة مشتركة من خمس نقاط مع باكستان، في محاولة لإظهار الصين بوصفها طرفًا داعمًا للاستقرار الإقليمي.

ورغم ذلك، لم تقدم بكين أي دعم عسكري مباشر، ولم ترسل كميات كبيرة من الأسلحة يمكن أن تغير موازين الحرب، كما لم تصدر أي ضمانات أمنية رسمية لصالح إيران. أما التقارير المتفرقة التي تحدثت عن نقل بعض القطع والمواد الأولية، فقد بقيت في إطار التعاون المحدود والقائم مسبقًا بين الجانبين.

ويعود هذا السلوك إلى أولويات الصين الوطنية، إذ إن بكين، بوصفها أكبر مستهلك للطاقة في العالم، تعتبر أمن تدفق النفط من الخليج عنصرًا حيويًا لاستمرار نموها الاقتصادي. ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في مضيق هرمز كان سيُلحق ضررًا مباشرًا بمصالحها الاقتصادية، ما جعل تركيزها ينصب على الحفاظ على استقرار المنطقة واستمرار تدفق الطاقة، وليس على تقديم دعم عسكري شامل.

إضافة إلى ذلك، كانت الصين تدير في الوقت نفسه علاقاتها التجارية والتكنولوجية مع الإدارة الأمريكية، ولم تكن ترغب في اتخاذ مواقف أكثر تشددًا قد تقلص هامش المناورة لديها في التفاوض مع واشنطن.

ومن وجهة نظر إيران، يعكس هذا النهج حقيقة طبيعة العلاقات الثنائية، إذ إن الاتفاقية الممتدة لـ25 عامًا، رغم ما تتضمنه من وعود اقتصادية مهمة، لم تتحول إلى معاهدة دفاع مشترك.

وتتبع الصين تقليديًا سياسة عدم الدخول في التحالفات العسكرية، مفضلة الاحتفاظ بشركائها بوصفهم أدوات لتحقيق المصالح الاقتصادية وأوراق ضغط سياسية، بدلًا من تحويلهم إلى حلفاء يفرضون عليها أعباء أمنية كبيرة.

وبالنسبة لبكين، تمثل إيران مصدرًا للطاقة بأسعار مخفضة، وسوقًا للسلع الصينية، ونقطة توازن في مواجهة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، لكن ليس إلى الحد الذي يدفع الصين إلى الدخول في مواجهة مباشرة مع قوى كبرى أخرى.

وأظهرت حرب عام 2026 هذه المعادلة بوضوح أكبر، إذ اعتمدت الصين على أدوات غير مباشرة، مثل الدبلوماسية متعددة الأطراف ضمن منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة «بريكس»، والحفاظ على قنوات التجارة، وتقديم دعم تكنولوجي محدود، لكنها لم تتجاوز خطوطها الحمراء. كما أبرزت بعض الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها بكين لضمان عدم تعطل مسارات الطاقة أولوية مصالحها الوطنية.

ورغم هذه القيود، لا تزال العلاقات بين البلدين تحظى بأهمية بالنسبة للطرفين. فبالنسبة لإيران، تمثل الصين الشريك التجاري والدبلوماسي الأهم في المرحلة الراهنة، بينما ترى بكين في إيران فرصة لتنويع مصادر الطاقة وتوسيع نفوذها الإقليمي.

ويعتمد مستقبل هذه الشراكة على فهم أكثر دقة من الجانبين لتوقعات كل طرف وحدود التزاماته، إذ يتعين على إيران أن تتبنى مقاربة واقعية تقوم على تعزيز قدراتها الداخلية وتنويع شركائها الخارجيين، فيما تدرك الصين أن استقرار هذه العلاقة يتطلب أيضًا مراعاة هواجس الطرف الآخر.

في المحصلة، أظهرت حرب عام 2026 أن الشراكات الاستراتيجية في عالم اليوم تقوم على المصالح المتبادلة والحسابات العملية أكثر من اعتمادها على التزامات دفاعية واسعة. وتمثل الصين، بوصفها قوة كبرى، نموذجًا واضحًا لهذا النهج، ما يجعل فهم هذه المعادلة ضروريًا للسياسة الخارجية الإيرانية، ولغيرها من الدول الساعية إلى تحقيق توازن في علاقاتها الدولية. كما تؤكد هذه التجربة أن مثل هذه الشراكات يمكن أن توفر دعمًا اقتصاديًا مؤثرًا، لكنها تكشف في أوقات الأزمات أيضًا أهمية تعزيز بقية أدوات السياسة الخارجية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة − واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى