رغم التصعيد المتكرر.. لماذا لا ترغب واشنطن في العودة إلى حرب شاملة مع إيران؟

يرى كثير من المحللين أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يرغب، لأسباب متعددة، في العودة إلى حرب شاملة مع إيران.

ميدل ايست نيوز: منذ 8 أبريل/نيسان، حين دخل وقف إطلاق نار هش حيّز التنفيذ عقب العدوان العسكري الأمريكي والإسرائيلي على إيران، تشهد المنطقة انتهاكات متكررة لهذا الوقف، تتخللها موجات متقطعة من التصعيد العسكري. إلا أن هذه المواجهات كانت تنحسر في كل مرة بوساطة أطراف إقليمية.

وكان من المقرر أن يشكل إقرار مذكرة تفاهم إسلام آباد في 17 يونيو/حزيران، وتوقيعها من قبل رئيسي إيران والولايات المتحدة، نهاية للاشتباكات المتفرقة بين الجانبين. غير أن اختلاف التفسيرات بشأن بنود المذكرة أدى إلى استمرار التوترات.

وخلال الأسبوع الماضي بلغت المواجهات ذروتها، بعدما شنت الولايات المتحدة هجمات على عشرات الأهداف داخل الأراضي الإيرانية، رداً على ما وصفته بهجوم استهدف عدداً من السفن العابرة لمضيق هرمز، وهو ما قوبل برد إيراني حازم.

ومع ذلك، انتهت هذه الجولة من المواجهات بعد ليلتين فقط، ليعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن المفاوضات استؤنفت “بناءً على طلب إيران”. إلا أن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أكد أن طهران لم تتقدم بأي طلب للتفاوض مع الولايات المتحدة.

ويرى كثير من المحللين أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يرغب، لأسباب متعددة، في العودة إلى حرب شاملة مع إيران.

وفي هذا السياق، قال جوناثان بانيكوف، المسؤول السابق في الاستخبارات الوطنية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، إن نمط تجدد التوترات بصورة متقطعة مرشح للاستمرار خلال المستقبل المنظور.

وأضاف بانيكوف، في تصريح لوكالة رويترز: “لن تعود الأمور إلى حرب شاملة، لكن الوضع الحالي يمثل حالة من عدم الاستقرار المُدار، أي أعمال عنف متكررة من دون وجود مخرج دائم.”

وكانت صحيفة وول ستريت جورنال قد كتبت، في منتصف يونيو/حزيران وقبل توقيع مذكرة تفاهم إسلام آباد، أن “عدم رغبة الرئيس في إشعال الحرب مجدداً يشير إلى أنه قد يكون مستعداً لتحمل توترات محدودة لأسابيع، وربما لأشهر، من أجل تجنب اندلاع صراع أوسع في الشرق الأوسط.”

من جانبه، قال جون ألترمان، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، في تصريحات لرويترز، إن الإيرانيين توصلوا إلى قناعة بأن ترامب لا يريد أن يجد نفسه غارقاً في مستنقع حرب طويلة الأمد، كما أن دول الخليج العربي تسعى بقوة إلى عودة الأوضاع إلى طبيعتها.

وأضاف: “التقدير السائد هو أن ترامب سيخوض القتال لبضعة أيام فقط، ثم ستضغط عليه الدول العربية الخليجية مجدداً من أجل وقف الحرب.”

الاقتراب من الانتخابات

ويرى عدد من الخبراء أن اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي يمثل أحد الأسباب الرئيسية وراء فتور رغبة واشنطن في العودة إلى الحرب.

فقد أدى النزاع مع إيران إلى تراجع شعبية الرئيس دونالد ترامب داخل الولايات المتحدة إلى أدنى مستوياتها منذ توليه الرئاسة عام 2016، إذ أظهرت بعض استطلاعات الرأي انخفاض نسبة التأييد له إلى 34%، وهو ما يُعزى بدرجة كبيرة إلى عدم نجاحه في الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الوقود الناتج عنها.

وقالت لورا بلومنفيلد، الباحثة في شؤون الشرق الأوسط بجامعة جونز هوبكنز، إن ترامب يدرك ضرورة التركيز على الاقتصاد، مشيرة إلى تصريحاته التي حذر فيها من أن استمرار الحرب قد يجعله رئيساً شبيهاً بهربرت هوفر، الذي ارتبطت ولايته ببداية الكساد الكبير.

وأضافت في تصريح لرويترز: “ترامب، المتأثر بإرث الإدارة الاقتصادية الفاشلة لهوفر، يعلم أن عليه أن يركز على الاقتصاد.”

كما سبق لنائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن أكد في مقابلة صحفية أن دونالد ترامب لا يريد بأي حال أن يتحول إلى “هربرت هوفر آخر” في التاريخ الأمريكي.

بدوره، كتب جوناثان ليمير، الكاتب في مجلة ذي أتلانتيك، أن ترامب بات مرهقاً من الحرب، التي جاءت أكثر صعوبة مما توقع واستمرت لفترة أطول مما كان يتصور.

وأضاف: “حزبه ينظر بقلق إلى ارتفاع أسعار البنزين وتراجع نتائج استطلاعات الرأي. وهو لا يريد أن ينتهي به الأمر، مثل بعض أسلافه، غارقاً في مستنقع صراعات الشرق الأوسط.”

أصعب مما كان متوقعًا

يرى عدد من المحللين أن أحد الأسباب التي دفعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى دخول الحرب مع إيران هو اعتقاده بأنها ستكون حربًا قصيرة وسهلة.

وكان ترامب قد كرر في مناسبات عدة أن الحرب لن تستغرق وقتًا طويلًا، واصفًا إياها بأنها “رحلة قصيرة” أو “انحراف بسيط عن المسار” أو حتى “حرب مصغرة”.

وبحسب إحصاء أجرته شبكة CNN، أعلن ترامب، منذ بدء العدوان العسكري وحتى إقرار مذكرة تفاهم إسلام آباد، 38 مرة على الأقل أن الحرب أوشكت على الانتهاء، وهو ما يعكس حجم رغبته في إنهاء الصراع بأسرع وقت ممكن.

وكتبت مجلة ذي أتلانتيك أن ترامب “لم يتوقع إطلاقًا أن تسير الأمور بهذا الشكل”.

ونقلت المجلة عن مستشارين من خارج الإدارة الأمريكية قولهما إن الرئيس، بعد العملية العسكرية التي وصفاها بـ”الناجحة” لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من كاراكاس، وجّه أنظاره نحو إيران، وأبلغ المقربين منه بأن “الأمر سيكون شبيهًا بفنزويلا أخرى.”

من جانبه، كتب مايكل فرومان، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، في مقال، أن تنفيذ عملية “العزم المطلق” (Absolute Resolve) في فنزويلا واستعادة شخصية مثل نيكولاس مادورو يختلف تمامًا عن محاولة إعادة رسم موازين القوى في منطقة بأكملها.

وأوضح أن تلك العملية، رغم تعقيدها، كانت ذات أهداف محدودة، بينما تمثل محاولة إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية لمنطقة كاملة من مسافة بعيدة أمرًا مختلفًا تمامًا.

وأضاف أن نتائج هذه السياسة لا تكشف فقط حدود القوة العسكرية، بل تُظهر أيضًا حجم الفوضى التي يمكن أن تنشأ عندما تُهدم قواعد اللعبة القديمة، رغم كل ما كانت تشوبه من عيوب.

غياب هدف واضح

ويعد غياب هدف سياسي واضح أحد الأسباب الأخرى التي تقلل من رغبة الإدارة الأمريكية في العودة إلى حرب واسعة النطاق.

فإذا صحّ الافتراض القائل إن واشنطن كانت تعتقد أن الحرب ستكون سهلة، وستؤدي إلى تغيير النظام في إيران أو إجبار الحكومة الإيرانية على الاستسلام، فإن فشلها في تحقيق هذا الهدف جعلها تفتقر إلى أي هدف بديل يمكن البناء عليه.

وفي الواقع، أصبحت القضية الرئيسية محل الخلاف بين طهران وواشنطن في الوقت الراهن تتمثل في كيفية إدارة مضيق هرمز، وهي قضية لم تكن مطروحة أصلًا قبل بدء العدوان العسكري الأمريكي والإسرائيلي على إيران.

وكتبت مجلة ذي أتلانتيك أن “ترامب يريد أن تنتهي الحرب، ويريد التوصل إلى اتفاق. لكن الاتفاق يحتاج إلى طرفين، ولا توجد أي مؤشرات تدل على أن إيران مهتمة بإنقاذ ترامب من المأزق الذي صنعه بنفسه.”

من جانبه، كتب داني سيترينوفيتش، المسؤول السابق عن الملف الإيراني في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية والباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أن القضية في جوهرها استراتيجية أكثر منها عسكرية.

وأضاف أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك القدرة على توجيه أضرار جسيمة لإيران، إلا أن السؤال الأهم يتمثل في ما إذا كانت قد حددت هدفًا سياسيًا واضحًا وقابلًا للتحقيق يبرر كلفة ومخاطر استمرار الضغوط العسكرية.

وأوضح أنه من دون نقطة نهاية محددة بوضوح، فإن الضربات العقابية المحدودة قد تتحول إلى سياسة بلا أفق، تفرض تكاليف على إيران، لكنها لا تحقق أي مكاسب استراتيجية مستدامة.

وفي السياق ذاته، قالت سوزان مالوني، نائبة رئيس برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز، في تصريح لصحيفة وول ستريت جورنال، إن الحرب مع إيران تبدو أول مأزق حقيقي نتج عن ميل الإدارة الأمريكية المفرط إلى استخدام القوة الصلبة والمغامرات عالية المخاطر، وهي مغامرات لا يستطيع الرئيس تجاهلها، ولا يبدو قادرًا على إخراج الولايات المتحدة منها.

ما البدائل المتاحة؟

إذا كانت الولايات المتحدة لا ترغب في العودة إلى حرب شاملة، فما الخيارات المتاحة أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المرحلة المقبلة؟

يتمثل الخيار الأول في التوصل إلى اتفاق يرضي الطرفين بين طهران وواشنطن، بما يضع حدًا للحرب ويسهم في معالجة جزء من الخلافات الأساسية، وفي مقدمتها الملف النووي الإيراني.

وكانت مذكرة تفاهم إسلام آباد، التي أُنجزت في 17 يونيو/حزيران، تهدف تحديدًا إلى هذا المسار، إذ نصت على أن يجري الطرفان، خلال فترة تمتد 60 يومًا، مفاوضات لحل الخلافات الجوهرية وفق الإطار الذي حددته المذكرة.

إلا أن تطورات الأسابيع الأربعة الماضية أظهرت، بحسب التقرير، أن الطرفين لم يتمكنا حتى من تنفيذ الالتزامات المؤقتة والمحدودة الواردة في وثيقة لا تتجاوز صفحة ونصف الصفحة.

ويرى التقرير أن التوصل إلى اتفاق شامل بين طهران وواشنطن يتطلب إرادة سياسية قوية لدى الجانبين، واقتناعًا في كل من إيران والولايات المتحدة بأنه لا يمكن تحقيق أي مكاسب مفيدة عبر استمرار الحرب أو الضغوط العسكرية.

العودة إلى الضغوط الاقتصادية

الخيار الثاني أمام الإدارة الأمريكية يتمثل في استبدال الضغط العسكري بالضغط الاقتصادي عبر العقوبات.

فبعد إعلان دونالد ترامب فرض حصار بحري على الموانئ والسواحل الإيرانية، أكد في أكثر من مقابلة صحفية أن هذا الخيار أقل تكلفة من الحرب وأكثر فاعلية.

لكن التقرير يشير إلى أن العودة إلى الحصار البحري، وحتى البري، لن تمر من دون رد من جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ويعتبر أن أهم أدوات الرد الإيرانية تتمثل في السيطرة على حركة السفن في مضيق هرمز، وهو ما يمنح طهران ورقة ضغط قوية يمكنها، من خلالها، التأثير في اقتصادات دول المنطقة والاقتصاد العالمي، بما قد يدفع الولايات المتحدة إلى إبداء قدر أكبر من المرونة.

الانسحاب وترك الوضع القائم

أما الخيار الثالث، فهو الانسحاب من الحرب والإبقاء على الوضع الحالي من دون اتخاذ خطوات إضافية.

ويشير التقرير إلى أن ترامب سبق أن اتبع هذا النهج في أزمات أخرى، حيث اختار التراجع من دون تصعيد إضافي، وهو ما تكرر أكثر من مرة خلال فترة رئاسته.

وفي هذه الحالة، ستعود إيران، بحسب التقرير، إلى وضعها الذي كان قائمًا قبل الحرب، أي دولة تُعد تهديدًا بعيد المدى، لكنها تخضع للعقوبات والضغوط الاقتصادية، من دون وجود مواجهة عسكرية مباشرة.

ويرى التقرير أن هذا السيناريو سيكون مؤلمًا بالنسبة لإيران، إذ قد تضطر إلى الاستمرار لأكثر من عامين تحت وطأة الحصار الاقتصادي، على أمل أن تتمكن لاحقًا من التفاوض مع الإدارة الأمريكية المقبلة بشأن رفع العقوبات وتخفيف الضغوط الاقتصادية.

حسابات قابلة للتغير

ويختتم التقرير بالتأكيد على أنه لا توجد ضمانات بشأن مستقبل التوتر الحالي، إذ إن الحسابات السياسية والعسكرية قد تتغير في أي لحظة.

ويشير إلى أن العديد من الحروب الكبرى في العالم اندلعت نتيجة سوء التقدير أو أخطاء صغيرة، الأمر الذي يعني أنه لا يمكن استبعاد عودة إيران والولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية واسعة في المستقبل.

ومع ذلك، يخلص التقرير إلى أن المؤشرات الحالية توحي بأن الرغبة في خوض حرب شاملة داخل الولايات المتحدة قد تراجعت مقارنة بالفترة السابقة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

7 + خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى