القراءة الإيرانية لإحياء خط كركوك–بانياس: رهان أمريكي على بديل لمضيق هرمز

فإن العامل الزمني يمثل أبرز مؤشر على محدودية قدرة خط أنابيب كركوك – بانياس على التأثير في اقتصاد الطاقة العالمي خلال المرحلة الراهنة.

ميدل ايست نيوز: أثارت زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى الولايات المتحدة ولقاؤه مسؤولي البلدين، رغم أنها تُعد في الأعراف الدولية زيارة اعتيادية وأمرًا شائعًا في العلاقات الثنائية، اهتمامًا يتجاوز إطارها الدبلوماسي، نظرًا إلى القرارات والتفاهمات التي تم التوصل إليها خلالها، وما يمكن أن تتركه من تأثيرات على مسارات وتطورات الأحداث الجارية في المنطقة، بما يجعل من الصعب تجاوز دلالات الزيارة وما حملته من رسائل مباشرة وغير مباشرة.

وحسب تقرير للوكالة الإيرانية الرسمية (إرنا) اختار رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي واشنطن كأول محطة خارجية له منذ توليه منصبه، معلنًا أن هدف زيارته إلى البيت الأبيض يتمثل في فتح أبواب الاقتصاد العراقي أمام التجارة والاستثمار. وبين جميع الاتفاقيات والعقود التي وُقعت لتحقيق هذا الهدف، برز اتفاق إعادة إحياء خط أنابيب نقل النفط من كركوك العراقية إلى ميناء بانياس السوري بوصفه أبرز تفاهم جرى توقيعه بين بغداد ودمشق بدعم وإصرار من الولايات المتحدة. ويملك هذا الخط قدرة على نقل مليوني برميل من النفط، لكنه خرج من منظومة نقل الطاقة منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

ويكتسب إحياء هذا الخط أهمية خاصة في ظل الحرب الدائرة ضد إيران، والتي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم ممرات نقل الطاقة في العالم، وهو ما يعكس، وفق الرؤية الأمريكية، تصورًا لمستقبل التطورات الإقليمية. وقد عبّر توم باراك، ممثل الرئيس الأمريكي في العراق، عن هذه الرؤية بقوله: “إن اتفاقيات خطوط أنابيب النفط العراقية الجديدة ستقود إلى برنامج يجعل مضيق هرمز قضية هامشية، كما أن الموقع الجغرافي للعراق يمثل فرصة استراتيجية للحد من النفوذ الإيراني على إمدادات الطاقة العالمية”.

كركوك – بانياس.. إحياء خط أنابيب قديم لبناء ممر جديد

ينطلق خط أنابيب كركوك – بانياس، الذي وُقع اتفاق إحيائه خلال زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة، من حقول كركوك النفطية شمال العراق وصولًا إلى ميناء بانياس على الساحل السوري المطل على البحر المتوسط. ويبلغ طول خط نقل النفط الخام 890 كيلومترًا، ودخل الخدمة عام 1952، وكان حينها أحد أكبر مشاريع نقل النفط في الشرق الأوسط.

ويأتي العمل على إعادة تشغيل هذا الخط في الظروف الحالية بإصرار أمريكي وتنسيق بين العراق وسوريا، لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية، هي: ربط العراق بالبحر المتوسط، وتقليل اعتماده على الخليج، وأخيرًا تنفيذ ما وصفه باراك بخفض النفوذ الإيراني على صادرات الطاقة في المنطقة.

وتشير قراءة دوافع الولايات المتحدة لمحاولة تقليص أهمية مضيق هرمز إلى أن عجز إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إعادة فتح المضيق دفع البيت الأبيض إلى البحث عن مسارات بديلة له. ويبدو أن واشنطن، إلى جانب محاولاتها العسكرية لفتح المضيق خلال الحرب مع إيران، أطلقت أيضًا جهودًا سياسية واقتصادية واسعة لإيجاد بدائل لهذا الممر المائي الدولي، وهو ما يعكس في الوقت ذاته الأهمية الاستثنائية التي لا يزال يتمتع بها مضيق هرمز.

وأدت الطبيعة الخاصة للعلاقات بين طهران وبغداد إلى تفهم إيران لمحاولات العراق تحقيق توازن إقليمي يحفظ مصالحه، وفي المقابل تتوقع من بغداد مراعاة حساسياتها الأمنية والاستراتيجية.

معوقات إعادة التموضع الأمريكي.. الأمن ورأس المال والزمن في مواجهة واشنطن

يشكل تقليص الأهمية الجيوسياسية لمضيق هرمز، إلى جانب الحد من النفوذ الإيراني في سوق الطاقة، أولوية رئيسية لواشنطن في المرحلة الحالية، بهدف تحقيق ما وصفه باراك بـ”إعادة تموضع ذكية ولامعة في مجال الأمن والتحالفات الاستراتيجية في المنطقة”. إلا أن البيت الأبيض وحلفاءه الإقليميين سيواجهون تحديات واسعة في مسار بناء هذا النظام الجديد للطاقة الممتد من الخليج إلى البحر المتوسط، وبعض هذه التحديات قد يثير شكوكًا جدية حول إمكانية استمرار هذه المشاريع.

وأدت الأزمة التي فرضتها الولايات المتحدة على العالم نتيجة بدء الحرب ضد إيران إلى تعرض الاقتصاد الدولي، خلال الأشهر الستة الماضية، لأضرار جسيمة وواضحة بسبب استمرار إغلاق مضيق هرمز. وفي ظل هذه الظروف، فإن تنفيذ مشاريع مثل إعادة تشغيل خطوط الأنابيب المتوقفة لا يمكنه، على المدى القصير، تعويض هذه الخسائر أو حتى الحد منها.

كما أن إعادة إحياء هذه المشاريع تتطلب، قبل أي شيء آخر، توفير بيئة أمنية مستقرة، وهو أمر يواجه عقبات كبيرة في كل من دولة المنشأ ودولة المقصد.

وترتبط العلاقات بين بغداد ودمشق بالتطورات الداخلية والإقليمية، كما أن أي تغير في موازين القوى بالمنطقة قد يؤدي إلى وقف المشروع. ومن جهة أخرى، فإن إعادة تشغيل هذا الخط تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات، في وقت لا تعكس فيه الأوضاع الاقتصادية في البلدين مؤشرات إيجابية بشأن القدرة على توفير مثل هذه الاستثمارات.

وفي نهاية المطاف، فإن العامل الزمني يمثل أبرز مؤشر على محدودية قدرة خط أنابيب كركوك – بانياس على التأثير في اقتصاد الطاقة العالمي خلال المرحلة الراهنة، إذ إن عملية إعادة تشغيله، في ضوء التحديات المشار إليها، ستستغرق وقتًا أطول من أن تتمكن من إحداث تغيير ملموس في الواقع القائم على المدى القريب.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر − خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى