الصحافة الإيرانية: كيف يسعى العراق إلى حماية اقتصاده من تداعيات إغلاق هرمز؟

رغم ما يعانيه العراق من مشكلات هيكلية وفساد إداري، فإنه اتجه خلال السنوات الأخيرة نحو تنفيذ إصلاحات اقتصادية، وتنويع شركائه الاقتصاديين، وتقليل اعتماده على النفط.

ميدل ايست نيوز: وقّع رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي، وهو رجل أعمال شاب تولى رئاسة الحكومة في بغداد مؤخرًا، عقودًا كبرى وتاريخية في واشنطن، شملت مجموعة من الاتفاقيات والتفاهمات بقيمة 60 مليار دولار لتطوير قطاعات النفط والغاز والكهرباء في العراق. تهدف هذه العقود إلى تحرير صادرات النفط العراقية من الاعتماد على مضيق هرمز، كما تضمنت، إلى جانب اتفاقيات الطاقة التي وُقعت في غرفة التجارة الأمريكية، اتفاقًا مع شركة “ستارلينك” لتقديم خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية في العراق.

ووصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علي الزيدي بأنه “بطل”. ويقود رئيس الوزراء العراقي الجديد حملة لمكافحة الفساد، نجح من خلالها في كسب شعبية داخل البلاد، رغم ما تواجهه الحكومة العراقية من تحديات كبيرة، أبرزها المشكلات الهيكلية، والفساد، والاقتصاد المعتمد بصورة كبيرة على النفط، وهشاشة سوق العمل.

تطوير قطاع الطاقة العراقي

تقول صحيفة شرق الإيرانية في تقرير لها، إن العراق خلال العقود الماضية مرّ بظروف شديدة التعقيد، من العقوبات الاقتصادية والحروب إلى هجمات تنظيم داعش، فضلًا عن النزعات الانفصالية التي شهدتها بعض مناطقه بين الحين والآخر، وهي عوامل أضعفت هذا البلد النفطي.

وبعد أن كان العراق من أعلى دول المنطقة من حيث دخل الفرد، أصبح اقتصاده هشًا إلى درجة أن إغلاق مضيق هرمز أدى إلى شبه توقف صادراته النفطية، وتراجع إيراداته بصورة مقلقة. وبلغت المخاوف من تداعيات ذلك حد إثارتها في اجتماعات الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، وسط تحذيرات من احتمال اندلاع اضطرابات داخلية في العراق.

وخلال زيارته إلى الولايات المتحدة، وقّع علي الزيدي، الذي تعهد بإصلاح الاقتصاد العراقي، حزمة اقتصادية ضخمة تقدر بنحو 60 مليار دولار.

وركزت معظم الاتفاقيات على تطوير قطاع الطاقة العراقي، ولا سيما النفط والغاز والكهرباء، بينما خُصص جزء منها لإنشاء مسارات بديلة لنقل النفط من الخليج إلى الأسواق العالمية، بما يقلل الاعتماد على مضيق هرمز.

وشملت العقود، التي وُقعت في غرفة التجارة الأمريكية، إلى جانب قطاع الطاقة، مجالات الصحة والاتصالات والبنية التحتية.

وتضم الحزمة الاستثمارية 48 اتفاقية في قطاع الطاقة، تشمل شراكات بين وزارتي النفط والكهرباء العراقيتين وشركات عالمية مثل “إكسون موبيل”، و”KBR”، و”جي إي فيرنوفا”، و”شل”، و”هاليبرتون”.

كما جرى توقيع عدة عقود لإنشاء خط أنابيب رئيسي لنقل النفط الخام بين العراق وسوريا، إلى جانب توقيع اتفاق مع شركة “ستارلينك” لتقديم خدمات الإنترنت الفضائي في العراق.

ويملك العراق أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، إذ يحتل المرتبة الخامسة عالميًا، وتمثل احتياطياته نحو 8.7% من إجمالي الاحتياطي العالمي، و17% من احتياطيات الشرق الأوسط. وتبلغ احتياطيات العراق النفطية نحو 145 مليارًا و19 مليون برميل.

كما يحتل العراق المرتبة الحادية عشرة عالميًا من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة، والتي تقدر بنحو 125 تريليون قدم مكعبة.

وأبدت شركة “كونوكو فيليبس” الأمريكية رغبتها في تطوير أربعة حقول نفطية كبرى في شمال العراق، وهي منطقة تتمتع بموقع جغرافي يتيح نقل الطاقة إلى الأسواق الأوروبية عبر مسافة أقصر، ومن دون الحاجة إلى المرور عبر مضيق هرمز.

وأعلنت الشركة توصلها إلى اتفاق مع شركة “بي بي” البريطانية للاستحواذ على 42% من أسهم شركة “بي بي إنرجي كركوك”، التي تمتلك عقد تطوير وإنتاج حقول كركوك النفطية.

وبموجب الاتفاق، ستشارك “كونوكو فيليبس” في مشروع إعادة تطوير أربعة من أكبر الحقول النفطية في شمال العراق، والتي تُعد من أهم الأصول النفطية في البلاد، ويُقدر حجم احتياطياتها الأولية القابلة للاستخراج بأكثر من ثلاثة مليارات برميل.

ومن المتوقع استكمال الصفقة قبل نهاية عام 2026، بعد الحصول على الموافقات القانونية واستكمال الإجراءات التنظيمية.

وتشمل الحقول المشمولة بالعقد حقل كركوك بقبتيه “بابا” و”أفانا”، إضافة إلى حقول “باي حسن”، و”جمبور”، و”خباز”، وهي حقول تتمتع بأهمية تاريخية واستراتيجية لقطاع الطاقة العراقي.

كما ستستثمر الشركة الأمريكية في مشاريع جمع الغاز المصاحب من الحقول النفطية، إضافة إلى إنشاء محطة كهرباء بقدرة 400 ميغاواط لدعم قطاعي النفط والكهرباء في العراق.

ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه الصين أيضًا استثماراتها الواسعة في قطاع النفط والغاز العراقي، إذ استثمرت عام 2021 نحو 10.5 مليارات دولار في قطاع الطاقة العراقي، وهو أكبر استثمار صيني في ذلك العام.

وكانت الصين أول دولة تدخل قطاع النفط العراقي بعد سقوط نظام صدام حسين، وشاركت في تطوير حقول الأحزاب، والرميلة، والحلفاية.

ورغم ما يعانيه العراق من مشكلات هيكلية وفساد إداري، فإنه اتجه خلال السنوات الأخيرة نحو تنفيذ إصلاحات اقتصادية، وتنويع شركائه الاقتصاديين، وتقليل اعتماده على النفط، بالتزامن مع نمو الإنتاج الصناعي، إلى جانب اهتمامه بتنفيذ مشاريع إقليمية كبرى في مجالات نقل البضائع والطاقة.

العراق يبحث عن شرايين جديدة لنقل التجارة

ومع ذلك، لا تزال خطوات الإصلاح الاقتصادي في العراق في بدايتها، فقد تعرضت لضغوط كبيرة نتيجة الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وإغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي أدى إلى تراجع صادرات النفط العراقية إلى مستويات تقترب من الصفر.

وخسر العراق، منذ إغلاق مضيق هرمز وحتى نهاية يونيو 2026، نحو 350 مليون برميل من صادراته النفطية، بقيمة تقدر بنحو 37.7 مليار دولار.

وكان العراق يصدر قبل إغلاق المضيق ما بين 103 و107 ملايين برميل شهريًا، إلا أن الإغلاق أدى إلى انخفاض الصادرات بما يتراوح بين 79 و93 مليون برميل شهريًا.

ويأتي ذلك في ظل اعتماد الاقتصاد العراقي بصورة كبيرة على عائدات النفط، ما أثار مخاوف متزايدة من اضطرابات داخلية نتيجة الانخفاض الحاد في الإيرادات.

ويهدد توقف صادرات النفط عبر مضيق هرمز قدرة الحكومة العراقية على تمويل الخدمات العامة، إذ يعتمد الجزء الأكبر من إيرادات الدولة على صادرات النفط عبر هذا الممر البحري، وأي عجز في توفير الخدمات الأساسية قد يؤدي إلى تصاعد التوترات والاضطرابات الداخلية.

ولهذا يواصل العراق البحث بجدية عن بدائل لمضيق هرمز عبر تنفيذ مشاريع نقل متعددة، من بينها مشروع “بلاد الشام الجديدة”، و”طريق التنمية”، وإعادة إحياء وتطوير خط أنابيب كركوك – بانياس.

ويعتزم العراق وسوريا والولايات المتحدة إعادة تشغيل خط الأنابيب التاريخي الممتد لمسافة 500 ميل إلى ساحل البحر المتوسط، في إطار جهود تهدف إلى تقليص الاعتماد على مضيق هرمز، وقد أُعلن رسميًا عن توقيع الاتفاق في واشنطن.

ويطمح العراق إلى تصدير نحو مليوني برميل من نفطه عبر هذا الخط من دون الحاجة إلى المرور عبر مضيق هرمز.

وفي الوقت نفسه، يسعى العراق، الذي يعاني نقصًا في الغاز والكهرباء وكان يعتمد خلال السنوات الماضية على واردات الطاقة الإيرانية، إلى إنهاء هذا الاعتماد عبر توقيع عقود متعددة لزيادة إنتاجه من الغاز والكهرباء.

وتشمل هذه الجهود مشاريع للطاقة الشمسية بالتعاون مع الصين، واستثمار الغاز المحروق في الحقول النفطية بالتعاون مع الولايات المتحدة وتحويله إلى كهرباء، فضلًا عن دراسة خيار إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية.

كما بدأ العراق دراسة خيارات إنشاء محطات نووية ونقل التكنولوجيا الدولية المتقدمة لتعزيز إنتاج الكهرباء.

ويجري حاليًا بحث إنشاء محطات للطاقة النووية بالاعتماد على تقنيات دولية حديثة، مع إعداد الدراسات الأولية ووضع المعايير اللازمة للمشروع، واختيار المواقع المناسبة بالتنسيق مع الجهات المختصة، بما يتوافق مع متطلبات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويبلغ إنتاج العراق الحالي من الكهرباء نحو 20 ألف ميغاواط، بينما يصل حجم الطلب إلى نحو 50 ألف ميغاواط.

ورغم كل هذه الخطوات، فإن طريق العراق نحو الإصلاح الاقتصادي لا يبدو سهلًا، إلا أن البلاد بدأت بالفعل السير في هذا المسار.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 + ثمانية عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى