حرب استنزاف طويلة… هل بدأت ملامح “أوكرنة” جنوب إيران بالظهور؟

ما يجري حاليًا في جنوب إيران لا يمثل حربًا أو اشتباكات مباشرة، بل يندرج ضمن حالة "شبه حرب" تقع في المنطقة الفاصلة بين الاشتباك والحرب الشاملة، وقد تشكل مقدمة لحرب طويلة الأمد أو "أوكرنة جنوب إيران".

ميدل ايست نيوز: يكمن الاختلاف الرئيسي بين الحروب الهجينة والحروب التقليدية في أساليب القتال وتوقيته. ففي الحروب التقليدية يكون للحرب بداية ونهاية واضحتان، وتقتصر وسائلها في الغالب على المواجهة العسكرية والاستخباراتية والحرب النفسية، والأهم أن هناك طرفًا منتصرًا وآخر مهزومًا، مع وجود توافق بين مختلف الأطراف، سواء المشاركة في الحرب أو غير المشاركة فيها، بشأن هوية المنتصر والخاسر.

يقول محمد حسيني، السفير الإيراني السابق لدى السعودية، في مقال لصحيفة شرق: أما في الحروب الهجينة، فلا يكتسب الزمن المعنى نفسه، إذ لا توجد بداية أو نهاية واضحة للحرب، وتتعاقب فيها الهجمات العسكرية وفترات وقف إطلاق النار بشكل دوري. كما لا تقتصر أدواتها على المواجهات العسكرية والاستخباراتية المباشرة، بل تشمل أيضًا الحرب السيبرانية، والحرب الاقتصادية، والحروب بالوكالة في المناطق الرمادية، إضافة إلى الدور البارز للرأي العام.

وفي هذا النوع من الحروب، يستطيع كل طرف إعلان انتصاره، من دون وجود إجماع على هوية المنتصر أو المهزوم. ويُشبَّه هذا النوع من الحروب بطعنات سكين ليست عميقة أو قاتلة، لكنها قد تؤدي مع مرور الوقت إلى إنهاك أحد الطرفين وإسقاطه قبل الآخر.

وانطلاقًا من ذلك، يمكن اعتبار الحرب بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا هجينة، لا تخضع لإطار زمني محدد، يشارك فيها فاعلون معلنون وآخرون غير معلنين، وتمتد وسائلها من المواجهات العسكرية إلى الحروب الاستخباراتية والنفسية والاقتصادية والسيبرانية وحروب الوكالة، فيما يحتل الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي دورًا محوريًا. كما تعلن كل من إيران والولايات المتحدة انتصارها في هذه الحرب؛ إذ أكد الرئيس الأمريكي مرارًا أنه حقق معظم أهدافه، بينما أعلنت السلطات الإيرانية مرارًا أنها منعت خصومها من تحقيق أهدافهم.

وفي ظل هذين الادعاءين، أيد عدد من النخب والمحللين الدوليين، إلى جانب قطاعات من الرأي العام العالمي، الرواية الإيرانية التي تتحدث عن تحقيق انتصار، وهو ما أدى إلى زيادة الضغوط النفسية على إدارة ترامب وتعزيز دافعها لمواصلة الأزمة بهدف تغيير موازينها مستقبلًا، سواء عبر اتفاق أو عبر استمرار الحرب.

لكن ما يجري حاليًا في جنوب إيران لا يمثل حربًا أو اشتباكات مباشرة، بل يندرج ضمن حالة “شبه حرب” تقع في المنطقة الفاصلة بين الاشتباك والحرب الشاملة، وقد تشكل مقدمة لحرب طويلة الأمد أو “أوكرنة جنوب إيران”.

ويمكن طرح أوجه الشبه التالية بين الحرب في إيران والحرب في أوكرانيا:

  1. الحرب في إيران، كما هو الحال في أوكرانيا، يمكن فهمها في إطار مفهوم الحرب الهجينة.
  2. روسيا خططت لإنهاء الحرب في أوكرانيا خلال فترة تتراوح بين 10 و14 يومًا، إلا أنها دخلت حرب استنزاف مستمرة منذ فبراير 2022، وقد واجهت إدارة ترامب في المواجهة العسكرية مع إيران، مقاومة لم تكن تتوقعها، ولم تتمكن من إنهاء الحرب بسهولة.
  3. الدعم الأمريكي والأوروبي لأوكرانيا كان عاملًا رئيسيًا في استمرار الحرب، وربما تؤدي إسرائيل ودولًا أخرى اليوم دورًا مشابهًا يمنع الولايات المتحدة من الانسحاب من المواجهة مع إيران.
  4. نتائج الحرب في أوكرانيا ستؤثر مباشرة في النظام الدولي المستقبلي، ونتائج الحرب مع إيران سيكون لها تأثير مماثل على النظامين الإقليمي والدولي.
  5. هزيمة روسيا في أوكرانيا ستقوض مكانتها الدولية، بالمثل فإن هزيمة الولايات المتحدة في الحرب مع إيران ستضعف هيبة القوة المهيمنة عالميًا.
  6. الدول الأوروبية تعتبر أوكرانيا خط الدفاع الأول عنها، وتربط هزيمتها بتوسع النفوذ الروسي في أوروبا، وهنا ترى بعض الدول العربية أن انتصار إيران في الحرب يشكل تهديدًا لمصالحها الحيوية والإقليمية.
  7. الغرب استخدم ضد روسيا الأدوات العسكرية والعقوبات الاقتصادية، وهنا الاستراتيجية الغربية تجاه إيران تقوم كذلك على الاحتواء العسكري وفرض عقوبات مشددة.
  8. روسيا ركزت عملياتها في شرق أوكرانيا، والهجمات الأمريكية الأخيرة الممتدة من زاهدان إلى الأهواز تشير إلى أن أحد أهداف الخصوم هو نزع الطابع المدني عن جنوب إيران.
  9. استهداف الجسور وطرق المواصلات، مع تجنب استهداف المنشآت النفطية حتى الآن، يدل على أن الهدف ليس تحويل جنوب إيران إلى “أرض محروقة”.
  10. المؤشرات الحالية توحي بأن أحد السيناريوهات المحتملة يتمثل في إضعاف مؤسسات الدولة في جنوب إيران، وتحفيز العناصر المناهضة للحكومة في المحافظات الجنوبية، ودعم الجماعات المسلحة، وإنشاء منطقة عازلة في جنوب البلاد. هذا السيناريو قد يحظى بدعم بعض الدول العربية، ويعيد إلى الأذهان ما جرى في شرق أوكرانيا، وهو تطور يستدعي التعامل معه بجدية.
تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة − سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى