رسالة من الحرس الثوري إلى الأردنيين تثير توتراً بين عمّان وطهران

فتحت رسالة الحرس الثوري الإيراني والتي تضمنت توجيه الشكر إلى "مواطنين أردنيين" باباً جديداً من التوتر بين عمّان وطهران، بعدما وصل الخطاب الإيراني إلى مخاطبة الداخل الأردني بصورة مباشرة.

ميدل ايست نيوز: فتحت رسالة الحرس الثوري الإيراني، أمس الأحد، والتي تضمنت توجيه الشكر إلى “مواطنين أردنيين” بزعم تزويده بمعلومات أسهمت في استهداف مواقع تضم قوات أميركية في منطقة الأزرق، باباً جديداً من التوتر بين عمّان وطهران، بعدما وصل الخطاب الإيراني إلى مخاطبة الداخل الأردني بصورة مباشرة، في تحريض لم يحدث مع دول أخرى، وهي خطوة اعتبرها متحدث رسمي جزءاً من حرب إعلامية ونفسية تستهدف التأثير في الرأي العام وإثارة الشكوك حول تماسك الجبهة الداخلية.

ولم تحظَ الرسالة باهتمام في وسائل الإعلام الأردنية، التي فضّلت تجاهلها وعدم إعادة نشرها، في حين جاء الرد الرسمي عبر القنوات الدبلوماسية، إذ استدعت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين، الأحد، القائم بالأعمال الإيراني في عمّان، وسلّمته رسالة احتجاج شديدة اللهجة على استمرار الاعتداءات التي تستهدف الأراضي الأردنية، وعلى ما وصفته بـ”البيانات التحريضية والاستفزازية” الصادرة عن جهات رسمية إيرانية، وأكد الناطق الرسمي باسم الوزارة، السفير فؤاد المجالي، أن أمن الأردن وسلامة مواطنيه “خط أحمر”، مطالباً بوقف الاعتداءات والتصريحات التحريضية فوراً.

واتجه الرد الرسمي الأردني إلى احتواء الرسالة وعدم منحها مساحة كبيرة، مع التأكيد أن حماية الجبهة الداخلية لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، بل تشمل أيضاً إدارة الخطاب الإعلامي، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، ومنع تحويل الرسائل الخارجية إلى أدوات لإثارة الانقسام داخل المجتمع. ويأتي هذا التطور في وقت يتمسك فيه الأردن، منذ بدء الحرب في المنطقة، بسياسة تقوم على “حماية سيادته وعدم الانخراط في الصراعات الدائرة”، مع التأكيد أن “التعامل مع أي تهديدات يجري عبر مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والدبلوماسية”.

ولا تبدو هذه الرسائل معزولة عن سياق العلاقة المتوترة بين البلدين. فعلى مدى سنوات، أعلنت السلطات الأردنية مراراً إحباط محاولات لتهريب أسلحة ومخدرات عبر الحدود الشمالية، واتهمت شبكات مرتبطة بمليشيات تنشط في جنوب سورية بالوقوف وراء عدد منها، كما سبق أن شهد عام 2006 أزمة دبلوماسية بين عمّان وطهران، عقب إعلان الأردن ضبط أسلحة ومتفجرات قال إن جزءاً منها إيراني الصنع، فيما أعلنت الأجهزة الأمنية عام 2024 إحباط مخطط لتهريب أسلحة إلى داخل المملكة، وقالت إن التحقيقات أظهرت ارتباط الخلية بجهات ذات صلات بعناصر مدعومة من إيران.

ويرى الكاتب الصحافي خالد القضاة، في حديثه مع “العربي الجديد”، أن الرسالة الإيرانية تندرج ضمن الحرب الإعلامية التي تقودها طهران تجاه الجبهة الداخلية الأردنية، وتهدف إلى زعزعة ثقة الأردنيين بمؤسساتهم. ويقول إن الادعاء بوجود مواطنين يزودون الجانب الإيراني بمعلومات عسكرية يفتقر إلى المنطق، لأنّ غالبية المواقع العسكرية تقع في مناطق نائية وبعيدة عن التجمعات السكانية، وتخضع لإجراءات أمنية تجعل الوصول إليها أو معرفة تفاصيلها أمراً بالغ الصعوبة، مضيفاً أنّ “الرواية الإيرانية يسقطها مضمونها”، لأن المواطن العادي لا يمتلك إمكانية الاطلاع على مثل هذه المعلومات.

ويشير القضاة إلى أنّ تجاهل الأردنيين لهذه الرسائل يتجلى في متابعة المواطنين المباراة النهائية لكأس العالم في مختلف مناطق المملكة، وهو ما يعكس، بحسب رأيه، حالة من الاطمئنان والثقة بالمؤسسات الأمنية والعسكرية، وعدم الاكتراث بالحرب الإعلامية الإيرانية، كما يلفت إلى أن ذاكرة الأردنيين لا تزال تحتفظ بمحاولات سابقة لزعزعة استقرار المملكة.

وبحسب القضاة، فإنّ “تعاطي معظم وسائل الإعلام الأردنية مع البيان اتسم بالمهنية، إذ فضّلت عدم إعادة نشره أو منحه مساحة قد تسهم في تحقيق أهدافه، بينما كان الاهتمام الأكبر به في وسائل إعلام خارجية، في وقت ركز فيه الإعلام المحلي على البيانات الرسمية والتطورات الميدانية”.

من جهته، يرى وزير الإعلام الأردني الأسبق سميح المعايطة، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الرسائل الصادرة عن الحرس الثوري تندرج في إطار حرب إعلامية ونفسية تستهدف الإيحاء بأن الجبهة الداخلية الأردنية مخترقة، أكثر مما تعكس واقعاً ميدانياً. ويقول المعايطة إنّ إيران تواجه ضغوطاً داخلية متزايدة بفعل استمرار الحرب وما خلّفته من خسائر عسكرية وتحديات اقتصادية، الأمر الذي يدفعها إلى البحث عن رسائل إعلامية تعزز صورة التماسك والقوة أمام جمهورها الداخلي والخارجي.

ويضيف أن الرواية الإيرانية بشأن سقوط أعداد كبيرة من الجنود الأميركيين، وربط ذلك بمعلومات قدمها مواطنون أردنيون، تأتي في إطار توظيف الحدث إعلامياً وتضخيمه، معتبراً أن الهدف يتمثل في تحقيق مكاسب دعائية وإظهار إيران بمظهر الطرف القادر على فرض روايته، رغم الظروف التي تواجهها. ويؤكد المعايطة أن الإيحاء بوجود اختراق داخل المجتمع الأردني يدخل ضمن أدوات الحرب النفسية التي ترافق النزاعات المسلحة، ويستهدف التأثير في ثقة المواطنين بمؤسساتهم.

ويشير المعايطة إلى أنّ إيران نفسها واجهت خلال السنوات الأخيرة اختراقات أمنية كبيرة انعكست في استهداف عدد من كبار قادتها، أبرزهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وهو ما يجعل حديثها عن اختراق الجبهة الداخلية الأردنية، برأيه، يفتقر إلى المصداقية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة عشر − اثنا عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى