لماذا لا تسعّر أسواق النفط تصعيداً حاداً في باب المندب؟

يشير رد فعل سوق النفط إلى أن المستثمرين لا يسّعرون، حتى الآن، سيناريو يؤثر بشكل جوهري على قدرة السعودية على تصدير النفط عبر البحر الأحمر.

ميدل ايست نيوز: يعود مضيق باب المندب إلى الواجهة مع تجدد تهديدات جماعة الحوثيين الموالية لإيران للملاحة، ليضيف بؤرة ضغط محتملة على حركة الطاقة، في وقت لا تزال حركة العبور من خلال مضيق هرمز تواجه اضطرابات حادة.

لكن رد فعل سوق النفط يشير إلى أن المستثمرين لا يسّعرون، حتى الآن، سيناريو يؤثر بشكل جوهري على قدرة السعودية على تصدير النفط عبر البحر الأحمر. فخام برنت ارتفع بنحو ثلاثة دولارات بداية الأسبوع إلى 91 دولاراً للبرميل، و هي علاوة مخاطر متواضعة، تتركه أقل بكثير من 126 دولاراً، وهو أعلى مستوى بلغه خلال هذه الحرب.

بالتزامن مع ذلك، نقلت “بلومبرغ” عن أشخاص لم تسمهم أن ست شركات تكرير في اليابان وكوريا الجنوبية والصين وتايوان لا تزال تعتزم المضي قدماً في تحميل شحنات النفط السعودي من البحر الأحمر وفق الخطط الموضوعة حالياً. وأضاف بعض هؤلاء الأشخاص أن نصف تلك الشركات تواصل إرسال سفنها إلى ميناء ينبع.

وجاءت تطورات حركة الملاحة عبر المضيق لتضيف إلى العوامل التي هدأت من صعود الأسعار، إذ أشارت بيانات إلى مرور حوالي عشر سفن بنجاح عبر المضيق خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، بينما عدلت سفينتان عن مواصلة الرحلة جنوباً، واتجهتا إلى قناة السويس.

الموقف السياسي العام تجاه تصريحات جماعة الحوثي لم يكن أكثر وضوحاً، إذ هددّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتدخل في حال أقدم الحوثيون على محاولة إغلاق المضيق، في حين أدانت السعودية موقف الحوثيين، وأكدت أنها ستتخذ كافة الإجراءات اللازمة لحماية سفنها وفق القانون الدولي.

الصين قد تكون كلمة السر

قد يكون الهدوء في صعود الأسعار عائد إلى عوامل سياسية متداخلة، إذ استبعد بعض المحللين أن تقدم إيران أو الجماعة اليمنية على قطع إمدادت النفط عبر البحر الأحمر، لأن الخام المصدّر من هناك يتجه أساساً إلى الأسواق الآسيوية، وخصوصاً الصين، شريك إيران السياسي والاقتصادي الأهم.

وقد تتطلب هذه الخطوة تنسيقاً مباشراً مع الصين، كما حدث عام 2024 عندما أبرم الحوثيون تفاهمات مع روسيا والصين أتاحت مرور سفنهم، وذلك خلال حملة الاعتداءات السابقة على حرية الملاحة في البحر الأحمر، بحسب تقرير لـ “بلومبرغ” في ذلك الوقت.

التعقيدات اللوجستية والحسابات العسكرية ليست خارج المعادلة أيضاً، إذ رأى أندريه كوفاتاريو، خبير الطاقة والمؤسس المشارك لـ “ECERA”، في مقابلة مع محمد فتحي خلال برنامج “جلسة المساء” على “الشرق بلومبرغ”، أن تعطيل الملاحة من خلال باب المندب “ليس مستحيلاً”، ولكن التحكم به يبقى أصعب من مضيق هرمز، بسبب الفرق في القدرات العسكرية بين إيران والحوثيين، على حد قوله.

ماذا يحدث للطاقة إذا تعطل هرمز وباب المندب معاً؟

في السيناريو الأسوأ، لن يؤدي توقف الملاحة عبر باب المندب بالضرورة إلى وقف صادرات النفط السعودي، لكنه سيدفع جزءاً كبيراً منها شمالاً عبر مصر.

فإغلاق باب المندب، إن حصل، يترك أمام “أرامكو السعودية” خيار التصدير من ينبع شمالاً عبر البحر الأحمر إلى خط أنابيب “سوميد” المصري القادر على نقل نحو 2.5 مليون برميل يومياً إلى مياه البحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى نحو مليون برميل يومياً عبر ناقلات تعبر قناة السويس، أي طاقة إجمالية تقل عن 4 ملايين برميل يومياً، وهي الطاقة التي بلغتها شحنات ينبع في الأسابيع الأخيرة، وفق بيانات شركة “كبلر” المزودة لبيانات الشحن البحري و السلع.

إلا أن الشحنات المتجهة الى آسيا ستكون أكثر كلفة وستأخذ وقتاً أطول للوصول إلى وجهتها، فطول رحلة الناقلة العملاقة المتجهة إلى الصين عبر السويس وغرب أفريقيا سيتضاعف من نحو 7 آلاف ميل إلى أكثر من 17 ألف ميل، وستضطر الناقلات إلى تفريغ نصف حمولتها تقريباً في “سوميد” قبل عبور القناة، ثم إعادة التحميل من منطقة سيدي كرير على البحر المتوسط.

من يسيطر على باب المندب ومن يحميه؟

من الناحية الجغرافية، تطل على المضيق كلّ من اليمن وجيبوتي وإريتريا، لكن السيطرة الفعلية عليه تتجاوز حدود سيادة هذه الدول.

تستضيف جيبوتي قواعد عسكرية لقوى دولية، بينها الولايات المتحدة والصين، ما يعكس أهمية الممر في التوازنات العسكرية. كما تنتشر قوات بحرية دولية في البحر الأحمر وخليج عدن لتأمين الملاحة.

تشمل هذه القوات مهمة “أسبيدس” التابعة للاتحاد الأوروبي، والتي تعمل على مراقبة الوضع البحري ومرافقة السفن وحمايتها من الهجمات المحتملة.

ووفق بيانات الاتحاد الأوروبي، دعمت المهمة أكثر من 1960 سفينة تجارية، وقدمت حماية مباشرة لأكثر من 650 سفينة منذ إطلاقها في فبراير 2024، كما مُدّدت المهمة حتى فبراير 2027.

هل يمكن أن يتحول باب المندب إلى سلاح جديد في يد إيران؟

ارتبطت قدرة إيران على التأثير في أسواق الطاقة تاريخياً بمضيق هرمز، لكن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر منذ نوفمبر 2023 أظهرت أن مجرد ارتفاع المخاطر يمكن أن يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، بما ينعكس على سلاسل الإمداد العالمية.

في هذا السياق، يمكن أن يتحول باب المندب إلى أداة ضغط غير مباشرة، حيث يسمح التأثير على حركة السفن بزيادة كلفة التجارة والطاقة.

ويرى كوفاتاريو أن التلويح بورقة باب المندب قد يكون “بين حزمة الأدوات الإيرانية التي يستخدمها الإيرانيون لتحسين موقفهم في المفاوضات”.

حدود التصعيد

غير أن عدداً من المحللين يرى أن تصعيداً إيرانياً كبيراً في باب المندب أو الخليج يبقى بمثابة الخيار الأخير لطهران، وقد تلجأ إليه في حال قرر ترامب شن حملة عسكرية تهدد بقاء النظام واستمراريته، وهو سيناريو تستبعده الأسواق العالمية حتى الآن.

وقالت علياء المبيض، كبيرة الاقتصاديين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى بنك الاستثمار “جيفريز” في مقابلة مع نور عماشة عبر برنامج “شرق-غرب” على “الشرق بلومبرغ”، إن السيناريو الأساسي للأسواق يبقى تفضيل الجانبين لتجنب العودة إلى حرب مفتوحة، وهو ما “يضع سقفاً” للتصعيد.

من جهته، رجح هاني صبرا، المحلل السياسي ومؤسس شركة “ألف” للاستشارات في نيويورك في حديث لـ “الشرق بلومبرغ”، أن تحاول جماعة الحوثي تنفيذ التهديد للحفاظ على مصداقيتها، لكنه استبعد قدرتها على تهديد صادرات النفط السعودية لفترة طويلة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
الشرق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر + عشرة =

زر الذهاب إلى الأعلى