الصحافة الإيرانية: إيران في صدد اختبار نظام جديد لدبلوماسية الطاقة

لا تزال سياسة الطاقة الإيرانية تُدار في الغالب ضمن الإطار التقليدي القائم على زيادة الإنتاج وإدارة العقوبات، وهو نهج لم يعد يواكب المتغيرات في السوق العالمية.

ميدل ايست نيوز: يشهد سوق الطاقة العالمي هذه الأيام تحولًا في معايير التسعير، إذ لم يعد يتفاعل بقدر كبير مع عدد البراميل المنتجة، بقدر ما يركز على سؤال أساسي: هل ستصل تلك البراميل فعلًا إلى وجهتها؟ ويعكس تجاوز سعر خام برنت حاجز 95 دولارًا للبرميل، والانخفاض غير المسبوق في حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، والاختفاء الكامل لناقلات النفط العملاقة (VLCC) وناقلات الغاز الطبيعي المسال (LNG) من هذا الممر المائي، إلى جانب ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب وتغيير مسارات صادرات الدول المنتجة، دخول السوق مرحلة جديدة أصبحت فيها “أمن الإمدادات” أهم من “حجم الإمدادات” في تحديد الأسعار.

یقول مسعود دشتي درخشان، الخبير في الشؤون الدولية، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد: يطرح هذا الواقع تساؤلًا حول ما إذا كان صانعو القرار في إيران يدركون هذا التحول الجوهري بالقدر نفسه الذي استوعبته الأسواق العالمية. فهبوط عدد السفن التجارية العابرة لمضيق هرمز إلى ثلاث سفن فقط في يوم واحد، واستمرار غياب ناقلات النفط العملاقة وناقلات الغاز الطبيعي المسال، لا يمثل مجرد مؤشر على حركة النقل البحري، بل يعكس تراجع القدرة الفعلية على تصدير الطاقة من المنطقة. وفي الوقت نفسه، تواصل كل من قطر والإمارات إنتاج الغاز، إلا أن نحو 570 ألف طن من الغاز الطبيعي المسال لا تزال عالقة في البحر، فيما بقيت طاقة نقل تقارب مليوني طن داخل الخليج دون استخدام. وبذلك، لم تعد الأزمة أزمة إنتاج، بل أصبحت أزمة قدرة على إيصال الإمدادات.

وباتت الأسواق تسعر اليوم مخاطر النقل والتأمين ومدة التسليم وموثوقية سلاسل الإمداد أكثر من تسعيرها للنفط نفسه. وقد دفع هذا التحول الصين إلى إعادة النظر في استراتيجيتها الخاصة بالطاقة، إذ اتجه المستوردون الصينيون إلى البحث عن عقود للغاز الطبيعي المسال عبر مسارات لا تمر بمضيق هرمز، بهدف خفض المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بوارداتهم. وفي الوقت نفسه، ارتفعت صادرات الصين من المنتجات النفطية خلال يوليو إلى نحو 787 ألف برميل يوميًا، كما أدى تصدير وقود السفن منخفض الكبريت من ميناء تشوشان بخصم يقارب 50 دولارًا للطن مقارنة بميناء سنغافورة إلى تحويل الميناء الصيني إلى منافس جدي لأكبر مركز لتزويد السفن بالوقود في آسيا.

وتشير هذه التطورات إلى أن بكين، بالتوازي مع تنويع مصادر الطاقة، تعيد رسم موقعها في تجارة المنتجات النفطية العالمية. وعلى الصعيد الأمني، أظهر تقرير حديث لمجلة “فورين أفيرز” أن دول الخليج خلصت، بعد الأزمة الأخيرة، إلى أن الصين، رغم اتساع علاقاتها الاقتصادية، لا تزال غير مستعدة لتحمل أعباء أمن المنطقة. كما أن النهج الحذر الذي تتبعه بكين وامتناعها عن أداء دور أمني فاعل أضعفا آمال بعض الحكومات العربية في أن تصبح الصين قوة موازنة للولايات المتحدة. ولذلك، ورغم استمرار التعاون الاقتصادي مع بكين، فإن أمن المنطقة لا يزال مرتبطًا بدرجة كبيرة بالسياسات الأمريكية.

أما الولايات المتحدة، فلم تكن بمنأى عن تداعيات هذه التطورات. إذ تعمل المصافي الأمريكية بنحو 96% من طاقتها، فيما ارتفعت حصة صادرات المنتجات النفطية إلى ما بين 10 و20% من إجمالي الإنتاج، أي ما يقارب ضعف المعدلات الطبيعية. وفي المقابل، تراجع الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي إلى 311 مليون برميل، وهو أدنى مستوى له منذ عام 1983. ورغم أن السحب من هذه الاحتياطيات ساهم في الحد من ارتفاع الأسعار على المدى القصير، فإنه قلص قدرة واشنطن على مواجهة أزمات مستقبلية.

ومن جانبها، عملت السعودية على تقليل اعتمادها على مضيق هرمز، إذ بات نحو 75% من صادراتها النفطية يمر عبر خط أنابيب الشرق–الغرب وميناء ينبع على البحر الأحمر. إلا أن تهديدات جماعة أنصار الله اليمنية للملاحة في باب المندب وضعت هذا المسار البديل أيضًا أمام تحديات متزايدة.

كما أن تغيير مسار ناقلات تحمل مليوني برميل من النفط السعودي متجهة إلى الصين والهند، لتسلك طريق قناة السويس أو رأس الرجاء الصالح، يؤكد أن الأزمة لم تعد مرتبطة بممر واحد، بل أصبحت تشمل شبكة مترابطة من نقاط الاختناق.

وتحمل المشاريع المقامة خارج الشرق الأوسط بدورها دلالات مهمة. فمصفاة دانغوتي في نيجيريا، التي تبلغ طاقتها 700 ألف برميل يوميًا، لا تزال تعتمد على الأسواق الدولية لتوفير النفط الخام، فيما تسعى المغرب عبر مشروع خط أنابيب نيجيريا–المغرب، الذي تقدر كلفته بنحو 25 مليار دولار، إلى التحول إلى دولة عبور رئيسية للطاقة. كما تشير فنزويلا، من خلال بيع النفط مباشرة إلى المصافي الكبرى وعمليات الاندماج الأخيرة في الولايات المتحدة وأوروبا، إلى أن القيمة الحقيقية لصناعة الطاقة باتت تكمن في السيطرة على سلاسل النقل والتمويل والمرونة التجارية.

في هذا النظام الجديد، يزداد موقع إيران حساسية أكثر من أي وقت مضى. فالدولة التي تشرف على أهم ممر للطاقة في العالم، وتمتلك أكبر احتياطيات مشتركة من النفط والغاز، وتستطيع أن تكون حلقة وصل بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، ينبغي ألا تحصر دورها في زيادة صادرات النفط الخام فقط.

ومع ذلك، لا تزال سياسة الطاقة الإيرانية تُدار في الغالب ضمن الإطار التقليدي القائم على زيادة الإنتاج وإدارة العقوبات، وهو نهج لم يعد يواكب المتغيرات في السوق العالمية. كما أن بطء تطوير ممر الشمال–الجنوب، وتأخر توسيع مشاريع مبادلة الطاقة مع الدول المجاورة، وضعف الاستثمار في المصافي الموجهة للتصدير، وغياب دبلوماسية نشطة مع شركاء رئيسيين مثل الهند والصين، كلها عوامل أدت إلى ضياع جزء من الفرص الاستراتيجية المتاحة لإيران. ونتيجة لذلك، فإن زيادة الإنتاج وحدها، في غياب البنية اللوجستية والمالية والتجارية اللازمة، لن تؤدي بالضرورة إلى تعزيز النفوذ الجيوسياسي أو تحقيق مكاسب اقتصادية.

وهنا الحكومة الإيرانية مطالبة بالارتقاء بدبلوماسية الطاقة من مستوى إدارة العقوبات إلى مستوى تصميم ممرات الطاقة، عبر توسيع مشاريع المبادلة والترانزيت الإقليمي، والاستثمار في المصافي خارج الحدود، وتعزيز البنية التحتية في تشابهار وعسلويه، وإنشاء آليات مشتركة للتأمين والتمويل مع الشركاء الآسيويين، ووضع استراتيجية وطنية شاملة لممرات الطاقة.

وفي حال عدم اتخاذ هذه الخطوات، فإن تخفيف العقوبات أو زيادة الإنتاج لن يكونا كافيين لتعزيز المكانة الجيوسياسية لإيران، لأن جيوسياسية الطاقة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس بمكان استخراج النفط، بل بمكان عبوره، فالعالم لا يزال بحاجة إلى النفط، لكنه بات بحاجة أكبر إلى ضمان وصوله.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − 13 =

زر الذهاب إلى الأعلى