بحر قزوين ينحسر.. أزمة مياه تتسارع أمام أعين الأقمار الصناعية

يرى العديد من الخبراء أن ما يحدث اليوم في بحر قزوين ليس نتيجة قرار واحد أو مشروع عمراني محدد، بل انعكاس لأزمة عالمية وصلت آثارها الآن إلى أكبر بحيرة على وجه الأرض.

ميدل ايست نيوز: منذ عام 1995 فقد بحر قزوين نحو مترين ونصف المتر من منسوب مياهه، فيما يكمن الجانب الأكثر إثارة للقلق في أن قرابة متر كامل من هذا الانخفاض سجل خلال السنوات الخمس الأخيرة فقط، ما يعكس تسارعًا لافتًا في وتيرة انحسار المياه وتفاقم الأزمة.

يقول موقع آوش الإيراني في تقرير، إن صور الأقمار الصناعية تكرر كل عام حقيقة مؤلمة؛ فالمياه تنحسر، والساحل يتقدم، وبحر قزوين، أكبر مسطح مائي مغلق على سطح الأرض، يصبح أصغر مما كان عليه في السابق.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يشهد فيها العالم مثل هذا المشهد. ففي ستينيات القرن الماضي، بدأ بحر آرال، الذي كان يُعد رابع أكبر بحيرة في العالم، مسار الانهيار بعد انخفاض حاد في تدفق المياه إليه، وهو مسار أدى إلى تحول أجزاء واسعة منه إلى صحراء. واليوم، ورغم تأكيد الخبراء أن بحر قزوين وبحر آرال لا يواجهان العوامل نفسها، فإن وضع اسميهما إلى جانب بعضهما البعض يمثل بحد ذاته تحذيرًا كبيرًا.

لا تقتصر هذه الأزمة على دولة واحدة، إذ تواجه إيران وروسيا وكازاخستان وتركمانستان وأذربيجان، وهي الدول الخمس المطلة على بحر قزوين، آثار هذا الانخفاض في منسوب المياه، وإن بدرجات متفاوتة.

في شمال بحر قزوين، تعد سواحل كازاخستان وروسيا أكثر ضحالة، ولذلك فإن انخفاض منسوب المياه بمقدار سنتيمتر واحد فقط قد يؤدي إلى تراجع خط الساحل بين 20 و100 متر، وخلال العقود الثلاثة الماضية تقدمت اليابسة في بعض المناطق عدة كيلومترات داخل البحر.

أما في السواحل الإيرانية، وبسبب زيادة عمق المياه، فإن سرعة تراجع الساحل تكون أقل، إذ يؤدي كل انخفاض بمقدار سنتيمتر واحد في مستوى المياه إلى تحرك خط الساحل بين متر وخمسة أمتار. ومع ذلك، فقد تسبب هذا الانخفاض في ابتعاد العديد من المنشآت البحرية التي كانت تقع داخل المياه سابقًا عن البحر بمسافات ملحوظة اليوم.

لكن السؤال الأساسي هنا هو: لماذا يتقلص بحر قزوين؟

ينبغي البحث عن جزء مهم من الإجابة في نهر الفولغا، إذ يوفر هذا النهر وحده نحو 80 إلى 85% من المياه التي تصب في بحر قزوين. وتشير الدراسات إلى أن متوسط تدفق مياه الفولغا انخفض خلال السنوات الأربع عشرة الماضية بنحو 12%، وهو ما ترك أثرًا مباشرًا على مستوى مياه البحر.

لكن الفولغا ليس العامل الوحيد. فعلى الرغم من عدم بناء سدود ضخمة جديدة على الأنهار الرئيسية التي تصب في بحر قزوين خلال السنوات الأخيرة، فإن توسع مشاريع إدارة المياه المحلية، وزيادة استخدام المياه للزراعة، وإنشاء الخزانات الصغيرة، وزيادة تخزين المياه في السدود القائمة، أدت إلى وصول كميات أقل من مياه الأنهار إلى بحر قزوين.

ويتمثل عامل آخر في الأنشطة الواسعة المتعلقة بالنفط والغاز في حوض بحر قزوين. فمن جهة، تسهم هذه الأنشطة في زيادة انبعاثات الغازات الدفيئة وتعزيز ظاهرة الاحتباس الحراري، ومن جهة أخرى تؤدي، من خلال تلوث المياه والضغط على النظام البيئي، إلى تغيير الظروف الطبيعية لهذا المسطح المائي. ونتيجة لذلك، ترتفع معدلات تبخر مياه بحر قزوين.

لكن بين جميع هذه العوامل، يتفق الباحثون بدرجة أكبر على وجود متهم رئيسي؛ وهو تغير المناخ.

فارتفاع درجات الحرارة، ودفء فصول الشتاء، وانخفاض معدلات هطول الأمطار في حوض بحر قزوين، وزيادة التبخر، أدت خلال السنوات الأخيرة إلى تسريع انخفاض مستوى المياه أكثر من أي عامل آخر. لهذا السبب، يرى العديد من الخبراء أن ما يحدث اليوم في بحر قزوين ليس نتيجة قرار واحد أو مشروع عمراني محدد، بل انعكاس لأزمة عالمية وصلت آثارها الآن إلى أكبر بحيرة على وجه الأرض.

وربما لا يزال بحر قزوين بعيدًا عن مصير بحر آرال، لكن الحقيقة أن تقلص مساحته لم يعد مجرد توقع للمستقبل، بل أصبح واقعًا يحدث في الوقت الراهن، عامًا بعد عام ومترًا بعد متر، أمام أعين الأقمار الصناعية.

اقرأ ايضا

كيف يساهم انخفاض منسوب مياه بحر قزوين في خلق كارثة جيوسياسية للدول الساحلية؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 + 15 =

زر الذهاب إلى الأعلى