النفط الحقيقي أغلى من برنت.. سوق الشحنات يكشف مخاوف نقص الإمدادات

يرى العديد من المحللين أنه إذا استمرت التوترات الجيوسياسية ولم يتحسن أمن طرق التصدير، فإن السوق الفعلي سيواصل إرسال إشارات صعودية أقوى مقارنة بسوق العقود الآجلة.

ميدل ايست نيوز: في السنوات الماضية، كان الحديث عن أسعار النفط يتجه قبل كل شيء إلى شاشات تداول البورصات العالمية وأسعار خام برنت أو خام غرب تكساس الوسيط (WTI). لكن في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، يرى العديد من المتداولين وشركات النفط أن الصورة الحقيقية للسوق لم تعد تظهر في أسواق العقود الآجلة، بل ينبغي البحث عنها في سوق النفط الفعلي، حيث تتنافس المصافي على شراء شحنات حقيقية من الخام، وتبدو مؤشرات نقص الإمدادات أكثر وضوحًا مما تعكسه أسعار المؤشرات العالمية.

تنقل صحيفة دنياي اقتصاد عن متداولين ومحللين في سوق الطاقة قولهم، أنه خلال الأسابيع الأخيرة اتسع الفارق بشكل ملحوظ بين أسعار النفط في السوق الفعلية وأسعار العقود الآجلة، وهو ما يعكس الضغوط الحقيقية على إمدادات النفط وارتفاع مخاوف المشترين بشأن القدرة على الوصول إلى الشحنات القابلة للتسليم.

ما هو سوق النفط الفعلي؟

السوق الفعلي هو السوق الذي يتم فيه بيع وشراء النفط الخام الحقيقي، وليس العقود الورقية، بين المنتجين والشركات التجارية والمصافي. في هذا السوق، يبحث المشتري عن استلام شحنة محددة في أقرب وقت ممكن وفي موقع تسليم معين.

أما سوق العقود الآجلة، فهو يعتمد بشكل أساسي على تداول العقود المالية، التي قد لا يؤدي بعضها أبدًا إلى تسليم فعلي، ويتم تداولها غالبًا بهدف التحوط من المخاطر أو تحقيق الأرباح من تقلبات الأسعار.

ولهذا السبب، عندما تواجه إمدادات النفط الفعلية اضطرابات، تظهر المؤشرات الأولى للأزمة عادة في السوق الفعلية وليس في سوق العقود الآجلة.

لماذا أصبح السوق الفعلي أكثر نشاطًا؟

أدت التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط إلى زيادة المخاوف بشأن إمكانية الوصول إلى النفط الحقيقي. فاستمرار التوترات بين إيران والولايات المتحدة، وانعدام الأمن في مضيقي هرمز وباب المندب، والهجمات على ناقلات النفط في البحر الأحمر، واضطراب بعض طرق التصدير، كلها عوامل دفعت المصافي إلى البحث أكثر من أي وقت مضى عن شحنات مضمونة.

وفي الوقت نفسه، أدى اضطراب تحميل النفط من محطة اتحاد خطوط أنابيب بحر قزوين (CPC) في البحر الأسود، التي تمثل المسار الرئيسي لصادرات النفط الكازاخستاني، إلى زيادة الضغط على جزء آخر من إمدادات السوق.

وقد دفعت هذه العوامل مجتمعة إلى ارتفاع المنافسة على شراء الشحنات الجاهزة للتسليم.

ووفقًا لتقرير لوكالة رويترز، يقول متعاملون إن أسعار بعض شحنات النفط الفعلية وصلت في بعض الصفقات إلى مستويات تقترب من 115 دولارًا للبرميل، في حين كان خام برنت يتداول في الوقت نفسه عند حدود 98 دولارًا.

ويشير هذا الفارق إلى أن المشترين مستعدون لدفع مبالغ أعلى بكثير من أسعار المؤشرات العالمية مقابل الحصول على النفط بشكل فوري.

لماذا تقبل المصافي بدفع أسعار أعلى؟

بالنسبة إلى أي مصفاة، فإن القضية الأهم هي استمرار تشغيل وحدات الإنتاج. إذ إن توقف إمدادات الخام حتى لعدة أيام يمكن أن يؤدي إلى خسائر مالية ضخمة.

لذلك، عندما ترتفع احتمالات حدوث اضطراب في الإمدادات، تفضل العديد من المصافي شراء النفط بأسعار أعلى بدلًا من مواجهة خطر نقص المواد الخام اللازمة للتشغيل.

بعبارة أخرى، فإن العامل الذي يرفع أسعار السوق الفعلية اليوم ليس نقص النفط بشكل مطلق، بل قيمة الوصول الفوري إلى النفط.

وكلما زادت مخاطر النقل والتأمين وأمن طرق التصدير، ارتفعت قيمة الشحنات الجاهزة للتسليم.

لماذا يبدو سوق العقود الآجلة أكثر هدوءًا؟

في المقابل، يتأثر سوق العقود الآجلة، إلى جانب العوامل الأساسية، بتوقعات المستثمرين أيضًا. فقد يتوقع المتعاملون في هذا السوق تراجع بعض التوترات السياسية أو تعافي إمدادات النفط خلال الأشهر المقبلة.

ولهذا السبب، يكون رد فعل أسعار العقود الآجلة عادة أكثر اعتدالًا مقارنة بالسوق الفعلية.

بمعنى آخر، فإن سوق العقود الآجلة يسعّر المستقبل، بينما يحدد السوق الفعلي احتياجات اليوم.

المعيار الجديد للمتداولين

يتمثل أحد التحولات المهمة خلال الأسابيع الأخيرة في أن العديد من الشركات التجارية والمحللين باتوا يراقبون، أكثر من أسعار خام برنت، الفارق بين أسعار الشحنات الفعلية والمؤشرات العالمية.

ويُعرف هذا الفارق في أدبيات السوق باسم “العلاوة السعرية” (Premium)، وقد أصبح أحد أهم مؤشرات سلامة السوق.

ويعني ارتفاع العلاوة السعرية أن المشترين مستعدون لدفع مبالغ أكبر للحصول على شحنة نفط حقيقية مقارنة بسعر المؤشر العالمي، وهو مؤشر غالبًا ما يدل على محدودية الإمدادات أو القلق بشأن المستقبل.

هل يواجه السوق نقصًا في النفط؟

يؤكد الخبراء أن ما يحدث اليوم لا يعني بالضرورة وجود نقص في الإنتاج العالمي للنفط. فالكثير من المنتجين لا يزالون يواصلون إنتاج الخام، لكن نقل هذا النفط أصبح يواجه عقبات أكبر.

فانعدام الأمن في الممرات البحرية، وارتفاع تكاليف تأمين ناقلات النفط، وطول مسارات نقل بعض الشحنات بسبب تجنب المرور عبر باب المندب، واضطرابات محطات التصدير، كلها عوامل أدت إلى وصول النفط إلى وجهته بوتيرة أبطأ.

وفي علم اقتصاد الطاقة، يعني ذلك انخفاض الإمدادات الفعلية المتاحة، أي أن النفط موجود، لكن الوصول إليه أصبح أكثر صعوبة وأكثر تكلفة.

وهذا ما يدفع السوق الفعلية إلى الاستجابة بسرعة أكبر من سوق العقود الآجلة.

ما الرسالة التي يبعث بها السوق الفعلي؟

يحمل أداء السوق الفعلي خلال الأسابيع الأخيرة رسالة واضحة للعاملين في قطاع الطاقة؛ وهي أن الخطر الرئيسي في السوق اليوم لا يرتبط بنقص احتياطيات النفط بقدر ما يرتبط باضطراب سلاسل الإمداد والنقل.

ولهذا السبب، ارتفعت أسعار الشحنات الحقيقية بوتيرة أسرع من المؤشرات العالمية.

وفي هذه الظروف، يرى العديد من المحللين أنه إذا استمرت التوترات الجيوسياسية ولم يتحسن أمن طرق التصدير، فإن السوق الفعلي سيواصل إرسال إشارات صعودية أقوى مقارنة بسوق العقود الآجلة.

وبعبارة أخرى، فإن مقياس حرارة سوق النفط في الوقت الراهن لم يعد يقتصر على سعر خام برنت، بل إن المنافسة على الشحنات الحقيقية والفارق السعري بينها وبين المؤشرات العالمية تقدم صورة أكثر دقة عن وضع العرض والطلب على النفط في العالم.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى