الصحافة الإيرانية: تصاعد التوتر وزيارة علي الزيدي إلى طهران

ترحب إيران بجهود الوساطة الإقليمية، لكنها ترى أن أي تسوية يجب أن تستند إلى توازن جديد في القوى والمصالح، وأن السلام من دون ضمانات أمنية لن يكون مستدامًا.

ميدل ايست نيوز: يرى جميع منظري إدارة الأزمات أن الصراعات في العلاقات بين الدول ترتبط بالظروف التاريخية والبنية الهيكلية لكل دولة. وقد أفرزت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تحديات أمنية بالغة الخطورة في البيئة الإقليمية، حيث تعتبر من أكثر الحروب الإقليمية اتساعًا من حيث الآثار والتداعيات. فالقوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، اعتمدت على شبكة واسعة من القواعد العسكرية لتعزيز قدراتها التكتيكية وتوسيع نفوذها.

يقول الأستاذ الشهير في العلوم السياسية في جامعة طهران، ابراهيم متقي، في مقال لصحيفة اعتماد، إنه خلال العقدين الماضيين، استخدمت الولايات المتحدة وإسرائيل أدوات متعددة للحد من قوة إيران ونفوذها، من بينها العقوبات الاقتصادية، والتخريب الصناعي، والاغتيالات، والعمليات التكتيكية المرحلية، فيما سعت طهران إلى تطوير قدراتها العسكرية والعملياتية لتحقيق الردع الإقليمي. كما حاولت بعض الإدارات الأمريكية مواجهة إيران عبر أدوات القوة الناعمة، قبل أن يتجه دونالد ترامب إلى تبني خيار العمليات العسكرية والأمنية المباغتة.

وجاءت الحرب الإسرائيلية على إيران في 13 يونيو/حزيران 2025 في إطار الأهداف والسياسات الأمنية الأمريكية، حيث نفذت المرحلة الأولى من التصعيد عبر إسرائيل، قبل أن يتطور الصراع إلى عمليات تكتيكية متصاعدة.

1- تجربة إيران مع دبلوماسية الخداع والوساطة وسياسات ترامب

دخلت إيران مسارات الوساطة والدبلوماسية وهي متأثرة بتجاربها السابقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث أنها لم تشن أي هجوم عسكري على دول الجوار خلال القرنين الماضيين، واكتفت باتباع سياسة دفاعية لحماية أمنها.

واستخدمت الولايات المتحدة المسار الدبلوماسي بالتوازي مع اختبار قدراتها العسكرية من خلال العمليات الإسرائيلية المباغتة التي استهدفت مراكز الثقل الاستراتيجية الإيرانية. وخلال حرب يونيو/حزيران 2025 تعرض عدد كبير من القادة العسكريين والقدرات الاستراتيجية الإيرانية لهجمات مباشرة.

وحملت الحرب الثانية نمطًا تكتيكيًا مشابهًا، لكنها وسعت دائرة الأهداف لتشمل قيادات عسكرية وأمنية وسياسية، وصولًا إلى القيادة العليا للجمهورية الإسلامية، في مساعي واضحة لإحداث فراغ في السلطة عبر عمليات مباغتة.

2- المقاومة والوساطة

هدفت جهود الوساطة التي قادتها دول صديقة لإيران إلى ترسيخ السلام والاستقرار الإقليمي، إلا أن نجاحها كان مرهونًا بالتزام الولايات المتحدة وإسرائيل بتعهداتهما. لكن تجاهل القوى الكبرى لالتزاماتها وتجاوزها توازنات القوة الإقليمية دفعها إلى تبني سياسة تغيير النظام في إيران عبر استهداف المنشآت العسكرية والسياسية والأمنية.

وتمثل الهدف المعلن في توسيع الحرب وإثارة الاضطرابات الداخلية وصولًا إلى إضعاف البنية الداخلية لإيران، حيث جاءت العمليات العسكرية ضمن استراتيجية لإعادة تشكيل موازين القوى والواقع الجيوسياسي في المنطقة.

في المقابل، اعتمدت إيران استراتيجية “المقاومة” باعتبارها وسيلة للرد على الضغوط العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، كما أسهمت العقوبات والضغوط المتواصلة في زيادة مستوى التهديدات التي واجهتها.

على الضفة الأخرى، استمرت الحرب الثانية التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026 نحو أربعين يومًا، ولعبت خلالها سلطنة عمان وقطر وباكستان أدوارًا في الوساطة، في محاولة لإرساء توازن جديد يفضي إلى تسوية سلمية، إلا أن تلك الجهود انتهت إلى سلام غير مستقر ووقف إطلاق نار هش.

3- دبلوماسية التعاون والوساطة التي قادها الزيدي

جاء التحرك الدبلوماسي الذي قاده الزيدي بعد زيارته إلى الولايات المتحدة، بهدف تهيئة الظروف للوساطة بين واشنطن وطهران، مستندًا إلى العلاقات التي تربط القيادات العراقية بنظرائها الإيرانيين، بما قد يفتح المجال أمام استئناف الحوار والتعاون لتجاوز الأزمة، خاصة في ظل الخسائر الكبيرة التي خلفتها الحرب على إيران ودول المنطقة والاقتصاد العالمي.

وصل الزيدي إلى طهران في وقت تحمل فيه إيران تجارب سلبية مع المسارات الدبلوماسية السابقة مع الولايات المتحدة، الأمر الذي جعلها تتمسك بسياسة الدفاع والردع وإدارة الصراع عبر الإجراءات العسكرية الدفاعية خلال الحرب ومرحلة وقف إطلاق النار.

هذه السياسة جاءت في إطار السعي إلى استعادة الاستقرار الإقليمي، إلا أن جهود الوساطة التي قادتها عدة دول لم تنجح في ضمان تنفيذ بنود مذكرة التفاهم أو التوصل إلى اتفاق دائم، ما دفع إيران إلى مواصلة سياسة المقاومة باعتبارها الخيار الوحيد المتاح.

بذل الوسطاء الإقليميون جهودًا كبيرة لإدارة الأزمة، إلا أن ترامب، بعد توقيع مذكرة التفاهم، تعرض لانتقادات داخلية من أوساط جمهورية اعتبرت الاتفاق غير منسجم مع استراتيجية إضعاف إيران، الأمر الذي دفعه إلى إعادة التصعيد وإحياء المواجهة عبر خطوات اعتُبرت مخالفة لبنود مذكرة التفاهم، ولا سيما البند الخامس الذي ينص على أن تتولى إيران إدارة وإعادة فتح مضيق هرمز وفق آلية متفق عليها تلتزم بها جميع دول المنطقة والقوى الكبرى لضمان استمرار الملاحة التجارية.

أدى تجاهل قواعد العبور الآمن لإحدى السفن السعودية إلى تجدد التوترات الأمنية، ما دفع الولايات المتحدة إلى إطلاق المرحلة الثالثة من عملياتها العسكرية ضد إيران ضمن إطار “الحرب الانتقائية” والعمليات التكتيكية، عبر القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم). وفي المقابل، اعتمدت إيران سياسة الرد بالمثل، الأمر الذي أسهم في تصاعد التحديات السياسية والأمنية.

ويُنظر إلى زيارة رئيس الوزراء العراقي الزيدي إلى طهران باعتبارها امتدادًا لجهود إقليمية تهدف إلى تعزيز التعاون وفتح مسار للوساطة بين إيران والولايات المتحدة. فالعراق تعرض خلال السنوات الماضية لضغوط أمريكية أثرت في التزاماته الاقتصادية وفي طبيعة علاقاته الأمنية مع إيران ودول المنطقة، فيما تؤكد دول المنطقة أن استمرار الحرب من شأنه تهديد أمن الخليج والاقتصاد العالمي.

وتقوم السياسة الأمنية الإيرانية على الردع والدفاع، لا على شن عمليات استباقية، وأن أي وساطة يجب أن توفر ضمانات أمنية حقيقية تمنع تكرار الهجمات. كما أن مهمة الزيدي تكتسب أهمية خاصة، إلا أن الرسائل الأمريكية لا تحظى بثقة كبيرة لدى صناع القرار في إيران بسبب تجارب سابقة من “الخداع الدبلوماسي” والعمليات المفاجئة.

ترحب إيران بجهود الوساطة الإقليمية، لكنها ترى أن أي تسوية يجب أن تستند إلى توازن جديد في القوى والمصالح، وأن السلام من دون ضمانات أمنية لن يكون مستدامًا. كما تشدد طهران على ضرورة محاسبة الولايات المتحدة وإسرائيل على الهجمات التي استهدفت المراكز والمنشآت والقادة الإيرانيين، إذ أن استقرار مذكرة التفاهم وتجاوز الأزمات المستقبلية يتطلبان الحفاظ على معادلة توازن القوى ومنع تكرار العمليات العسكرية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 + 11 =

زر الذهاب إلى الأعلى