واشنطن وانقلاب التوازنات العراقية.. تراجع الدور الدبلوماسي لإقليم كردستان؟

التراجع الكردي، أثار نقاشاً داخلياً محدودا بين النخب، بشأن المستوى الحالي للحضور الكردي على الساحة الأمريكية وتداعيات تراجعه، على كيان الاقليم ومستقبله.

ميدل ايست نيوز: يؤشر باحثون من اقليم كردستان، “تراجع” الدور الكردي في العراق ومكانة القوى الكردية في أروقة القرار الغربية، مستشهدين بأمثلة عديدة كتخلي العواصم الغربية عن وساطاتهم لانهاء الانقسام الكردي الداخلي الذي عطل تشكيل حكومة جديدة وشل البرلمان، وتراجع الدعم الأمني الغربي بما فيه الأمريكي لقوات البيشمركة، منبهين الى “الحضور الكردي الخجول” في الزيارة الرسمية الأولى لعلي الزيدي إلى الولايات المتحدة.

وكان رئيس الوزراء العراقي قد اجرى سلسلة لقاءات في واشنطن، ووقع الوفد الحكومي العراقي مذكرات تفاهم بعشرات المليارات مع كبرى الشركات الأمريكية، في وقت بدا الحضور الكردي في كل ذلك المشهد متواضعا وشكليا مقارنة بزيارات سابقة، بحسب مراقبين.

التراجع الكردي، أثار نقاشاً داخلياً محدودا بين النخب، بشأن المستوى الحالي للحضور الكردي على الساحة الأمريكية وتداعيات تراجعه، على كيان الاقليم ومستقبله، بينما تسعى بغداد إلى السيطرة الكاملة على إدارة ملف العلاقات الخارجية خاصة مع واشنطن، مدفوعة بما يوصف بموقف المبعوث الأمريكي توم باراك الذي يظهر تأييدا للحكومات المركزية.

وشهدت زيارة الوفد العراقي توقيع 48 اتفاقاً ومذكرة تفاهم مع شركات أمريكية في قطاعات الطاقة والنفط والكهرباء والتكنولوجيا والخدمات المالية، في إطار توجه يهدف إلى توسيع الشراكة الاقتصادية مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع استمرار التعاون الأمني بين البلدين.

وضم الوفد العراقي عدداً من المسؤولين الكرد، بينهم وزير الخارجية فؤاد حسين، ومستشار رئيس الوزراء فرهاد علاء الدين، ورئيس لجنة النفط والغاز النيابية هريم كمال آغا، إضافة إلى ممثلة حكومة إقليم كردستان في واشنطن بيان سامي عبد الرحمن. إلا أن غيابهم عن مراسم توقيع الاتفاقيات واللقاءات الرئيسية مع كبار المسؤولين الأمريكيين أثار سؤالاً بشأن ما اذا كان ذلك يمثل تحولا في ملف إدارة العلاقات الخارجية.

قراءات متباينة.. هل يتراجع نفوذ أربيل؟

وتشير بيانات دائرة الإعلام والمعلومات في حكومة إقليم كردستان إلى أن الإقليم يمتلك 14 ممثلية رسمية في الخارج، فضلاً عن استضافته 36 بعثة دبلوماسية وقنصلية، وهو ما يعكس حجم حضوره الخارجي الذي تأسس بعد عام 2003.

لكن هذا التمثيل الكبير، يبدو انه يواجه اختبارات صعبة، فالمشهد البروتوكولي للزيارة الأخيرة الى واشنطن، قد يعكس تحولا في رسم وإدارة السياسة الخارجية، إذا ما تحول إلى نهج دائم، بما يمنح الحكومة الاتحادية دوراً أكثر مركزية في إدارة العلاقات الدولية، مقابل تراجع نسبي للدور الذي لعبه إقليم كردستان خلال العقدين الماضيين.

بيد أن عضو مجلس النواب السابق شيروان ميرزا، لا يرى ذلك، وهو لا يربط بين غياب بعض المسؤولين الكرد عن مراسم التوقيع وأي تغير سياسي او تهميش لأدوارهم.

ويقول ميرزا أن طبيعة الاتفاقيات هي التي حددت مستوى التمثيل، فهي كانت اقتصادية ومالية، ولذلك وقعها الوزراء والمسؤولون المختصون كل بحسب قطاعه.

ويضيف، أن أعضاء الوفد الكردي شاركوا بصفتهم مسؤولين في مؤسسات الدولة الاتحادية، وليسوا ممثلين لحكومة إقليم كردستان؛ وذلك في إطار إظهار وفد عراقي موحد أمام الجانب الأمريكي.

على الرغم من ذلك، يرى ميرزا أن النفوذ السياسي الكردي تراجع مقارنة بالسنوات التي سبقت 2014، مرجعاً ذلك إلى الانقسامات الداخلية بين القوى الكردية، وتراجع الحضور الكردي الموحد داخل المؤسسات السيادية للدولة، بما فيها المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، وهو ما انعكس -بحسب قوله- على قدرتها التفاوضية مع بغداد.

ودعا إلى مراجعة شاملة للاستراتيجية السياسية الكردية، وتعزيز المشاركة داخل مؤسسات الدولة الاتحادية، معتبراً أن استعادة التأثير تبدأ من استعادة الحضور في مواقع صنع القرار داخل بغداد.

قراءة أكثر تشاؤماً 

يقدم الأكاديمي والباحث السياسي د.كامران منتك قراءة مختلفة بناء على تطورات المشهد السياسي، إذ يؤشر حصول انتقال تدريجي لعدد من الملفات من حكومة الإقليم إلى الحكومة الاتحادية. ويقول إن استمرار تعطل مؤسسات إقليم كردستان، وفي مقدمتها البرلمان، أضعف موقع الإقليم السياسي.

ويشير منتك، إلى أن بغداد باتت تدير بصورة متزايدة ملفات كانت تُعد مرتبطة سابقا بقرار وتوجهات سلطات الإقليم، ويضرب مثلا على ذلك استئناف تصدير النفط عبر خط الأنابيب العراقي – التركي.

ويشير مراقبون، ان سلطة وسيطرة بغداد لن تتوقف عند ملف تسويق النفط، بل ستمتد الى ادارته، فضلا عن ملف المعابر والتجارة الخارجية، وان التراجع الكردي في بغداد، وافتقاد وجود شخصيات قوية في المواقع المهمة بما فيها رئاسة الجمهورية، سيعني انحسار التأثير الكردي في ملف العلاقات الخارجية، وستصبح كل تلك الملفات مركزية.

وفي السياق التحليلي ذاته، حذّر الأكاديمي والمحلل السياسي د.حلمي رسول من أن الخطر الحقيقي الذي يواجه إقليم كردستان العراق لا يكمن في إلغائه دستورياً، بل في تجريده التدريجي من سلطاته وتحويله إلى مجرد إدارة محلية تابعة لبغداد، في ظل تحولات استراتيجية واشنطن والانقسام الكردي الداخلي.

ويرى رسول أن واشنطن تتجه نحو “براغماتية تجارية” تدعم حكومة مركزية قوية في بغداد لتأمين الاستثمارات والعقود الكبرى، برعاية شخصيات ورجال أعمال بارزين مثل توم باراك المبعوث الرئاسي المقرب من دونالد ترامب.

وبحسب رؤيته، لم تعد واشنطن تنظر إلى الكرد كحليف أيديولوجي تقليدي، بل كفاعل محلي مطالب بالاندماج ضمن الرؤية الشاملة للولايات المتحدة في العراق.

ويوضح رسول أن التهديد الفعلي يتجسد في النزف الاقتصادي عبر حصر ملف النفط والموازنة بيد بغداد والمحكمة الاتحادية، والتبعية القانونية والأمنية التي تفرض الامتثال لتشريعات العاصمة لضمان تدفق الاستثمارات الأجنبية، إضافة إلى تقليص هامش المناورة الخارجية لأربيل وإدماجها في منظومة الدولة المركزية.

داخلياً، يُحذّر رسول من نتائج تآكل صورة الإقليم كواحة للاستقرار والديمقراطية لدى الغرب، جراء العجز عن تشكيل الحكومة، واستمرار الانقسام السياسي، وتأخر توحيد قوات البيشمركة. ويخلص إلى أن مستقبل الإقليم لم يعد مرهوناً بالرغبات الخارجية فحسب، بل بقدرة القوى السياسية الكردية على إصلاح البيت الداخلي واستدراك الموقف.

واشنطن والكرد.. علاقة وثيقة

في المقابل، يرى الخبير في الشأن السياسي علي البيدر، أن العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق تختلف بطبيعتها عن العلاقة التي تربط واشنطن بإقليم كردستان، مشيراً إلى أن الحكومة الاتحادية تمثل الدولة العراقية، بينما يمثل الإقليم كياناً اتحادياً ضمنها، وهو ما يجعل المقارنة بين الطرفين غير دقيقة.

ويضيف أن الكرد ما زالوا يمثلون حليفاً مهماً للولايات المتحدة ويحظون بالثقة لدى المؤسسات الغربية، معتبراً أن أي تعزيز لدور الحكومة الاتحادية أو حكومة الإقليم يصب في نهاية المطاف في استقرار العراق، مبينا أن الظروف الإقليمية الحالية تتطلب تنسيقاً أكبر بين الجانبين.

ويشير إلى أن إقليم كردستان يحتفظ بحضور راسخ في الذاكرة السياسية والدبلوماسية الغربية، الأمر الذي يجعل من الصعب تجاوز دوره أو تهميشه في المعادلات الإقليمية.

البيشمركة في معادلة الأمن

أحد أبرز أوجه التعاون “الامريكي- الكردي” طوال أكثر من عقد من الزمن، تمثل في الدعم الذي ظلت تتلقاه قوات البيشمركة لتحسين امكانياتها القتالية فضلا عن بناء هيكلية تضمن توحيد صفوفها. هذا الدعم سيتوقف بشكل شبه كلي نهاية هذا العام، بعد خطة الخفض الكبير في تخصيصات البنتاغون للبيشمركة مقابل بقاء الدعم لتشكيلات في الجيش العراقي.

وهذا ما يعده، مسؤولون كرد، مؤشر سلبي واضح، في ظل التحولات الاقليمية والدولية، ومع الانقسامات الكردية التي تعطل أي جهود لإبقاء الصوت الكردي مسموعاً في أروقة صنع القرار الغربية.

خلال زيارة الوفد العراقي الى واشنطن، أكد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، عقب اجتماعه مع رئيس الحكومة علي الزيدي في مقر البنتاغون، أن قوات الأمن العراقية وقوات البيشمركة تواصل قيادة العمليات ضد تنظيم “داعش”، وذلك بالتزامن مع الاستعدادات لاستكمال خطة إنهاء مهمة التحاف الدولي في العراق، خلال الأشهر المقبلة.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تسعى فيه بغداد إلى الانتقال بالعلاقة مع واشنطن من التركيز على الشراكة الأمنية إلى توسيع آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري.

ماهو غير واضح في هذا المجال، هل سيشمل انهاء مهمة التحالف وبالتالي الانسحاب المعلن مع احتمال بقاء قوات أمريكية استشارية صغيرة، اقليم كردستان أيضا.

يقول الكاتب حسين اسكندر، ان أي انسحاب أمريكي كلي من اقليم كردستان، حيث يتواجد حاليا في اكثر من نقطة بما فيها مطار اربيل، سيمثل نقطة تحول أخرى، وستكون محل قلق كردي جديد، ومؤشر آخر على تراجع التأثير.

ويضيف:”الكرد لا يخفون رغبتهم باستمرار تواجد التحالف الدولي ولو عبر أعداد صغيرة، ويعتقدون ان ذلك مفيد لضمان كيان الاقليم، ودوره في الساحة العراقية”.

الضمانات الدستورية للإقليم

في خضم الجدل السياسي، يؤكد الخبير القانوني علي التميمي أن الوضع الدستوري لإقليم كردستان لا يمكن تغييره بقرار سياسي أو تشريع اعتيادي.

ويقول إن دستور عام 2005 اعترف بإقليم كردستان بوصفه إقليماً اتحادياً، ومنحه صلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية، كما أن أي تعديل ينتقص من صلاحياته يخضع لإجراءات دستورية نصت عليها المادة (126)، التي تشترط موافقة السلطة التشريعية في الإقليم، إلى جانب موافقة أغلبية سكانه عبر استفتاء.

ويشير إلى أن المواد (1) و(115) و(117) و(121) و(141) من الدستور تشكل منظومة قانونية متكاملة تكفل استمرار الوضع الاتحادي للإقليم، وتمنع المساس به إلا وفق الآليات الدستورية المنصوص عليها.

لكن كل ذلك، لا يلغي التأثير الكبير للتحولات في موازين القوى والنفوذ والتغيرات السياسية والاقتصادية على موقع ومكانة ودور اي اقليم حتى لو كان معترفا به دستوريا.

يقول الكاتب عادل كمال، اذا لم تكن تملك قوة الحضور والتأثير فان قدرتك على ضمان حقوقك الدستورية ستتراجع. هذا يحدث على المستوى العالمي، فكيف وأنت في الشرق الاوسط، حيث القوانين والنصوص الدستورية تفرغ من محتواها.

مستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل

بينما ينظر، مراقبون إلى مشهد اجتماعات واتفاقات “واشنطن- بغداد” الأخيرة، باعتباره مؤشراً على تصاعد دور بغداد في إدارة السياسة الخارجية، وانه جرس انذار للقوى الكردية التي يفترض انها من تقود عبر الوزير فؤاد حسين “دفة” السياسة الخارجية العراقية، يرى آخرون أنه يعكس طبيعة الملفات الاقتصادية التي تصدرت الزيارة والمرتبطة بعمل الشركات في جنوب البلاد، أكثر مما يعكس تحولاً جذرياً في مكانة إقليم كردستان داخل المعادلة العراقية.

ورغم تباين القراءات، يتفق معظم المتابعين على أن مستقبل الدور الدبلوماسي للإقليم سيبقى الى حد كبير مرتبطاً بعوامل داخلية كردية، في مقدمتها معالجة الانقسامات السياسية، وإعادة ترتيب العلاقة مع بغداد، إلى جانب قدرة أربيل على الحفاظ على شبكة علاقاتها الدولية ضمن الإطار الدستوري العراقي، في وقت تبدو فيه الولايات المتحدة ماضية في دعم مؤسسات الدولة العراقية، مع استمرار نوع من الشراكة الأمنية والسياسية مع إقليم كردستان.

انجز التقرير تحت اشراف شبكة نيريج للتحقيقات الاستقصائية

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر − خمسة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى