كيف يهدد التحول الاقتصادي العراقي مستقبل الصادرات الإيرانية؟

إن الخطوات العراقية الأخيرة بحق الواردات تحمل رسالة واضحة للمصدرين الإيرانيين الذين عززوا حضورهم في السوق العراقية على مدى العقدين الماضيين، مفادها أن مرحلة الاعتماد على تصدير السلع وحدها إلى العراق تقترب من نهايتها.

ميدل ايست نيوز: يتطلب التحول في السياسة الاقتصادية العراقية نحو دعم الإنتاج المحلي إعادة صياغة العلاقات التجارية والاستثمارية المشتركة بين إيران والعراق.

تقول وكالة تسنيم الإيرانية في تقرير لها، إن العراق ظل خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز وجهات الصادرات الإيرانية غير النفطية، واستحوذ على حصة كبيرة من صادرات السلع الإيرانية. إلا أن التحولات في السياسات الاقتصادية العراقية، واتجاه بغداد تدريجيًا نحو تعزيز الإنتاج المحلي، فرضت واقعًا جديدًا أمام المصدرين الإيرانيين، وهو ما يرى خبراء أنه قد يؤدي، في حال غياب التخطيط المشترك بين البلدين، إلى تعرض جزء من السوق التصديرية الإيرانية في العراق للتراجع.

وتشير المعطيات إلى أن الحكومة العراقية اعتمدت خلال الأشهر الأخيرة مجموعة من الإجراءات لدعم الصناعات المحلية، من بينها رفع الرسوم الجمركية على الواردات، وفرض رسوم إضافية، وحظر استيراد بعض السلع بصورة موسمية، إلى جانب تطبيق قيود غير جمركية. ورغم أن هذه السياسات تعد متوقعة في إطار مساعي العراق لتنمية قطاعه الصناعي، فإنها تحمل رسالة واضحة للمصدرين الإيرانيين الذين عززوا حضورهم في السوق العراقية على مدى العقدين الماضيين، مفادها أن مرحلة الاعتماد على تصدير السلع وحدها إلى العراق تقترب من نهايتها، وأن نموذج التعاون الاقتصادي بين البلدين يحتاج إلى تغيير.

يرى ناشطون اقتصاديون في غرفة تجارة طهران أن الوقت قد حان للانتقال بالعلاقات التجارية بين إيران والعراق من مستوى التبادل التقليدي للسلع إلى مرحلة تقوم على الاستثمار المشترك، وإنشاء سلاسل إنتاج، وتعزيز التعاون الصناعي. ووفق هذا النموذج، يمكن إنتاج جزء من السلع المخصصة للسوق العراقية داخل العراق بمشاركة مستثمرين إيرانيين، بما يضمن الحفاظ على حصة إيران في السوق، ويتيح في الوقت نفسه تجاوز بعض القيود الجمركية والاستفادة من سياسات دعم الإنتاج العراقية.

ويؤكد خبراء أن الاستثمار المشترك لا ينبغي أن يقتصر على إنتاج السلع الاستهلاكية، بل يجب أن يمتد إلى استثمار الإمكانات التعدينية والزراعية والصناعية في العراق، والتوجه نحو إنتاج المواد الأولية والسلع الوسيطة والمنتجات التي ستحتاجها الصناعات الإيرانية في السنوات المقبلة، بما يحول العلاقة الاقتصادية بين البلدين من نموذج قائم على التصدير إلى شراكة صناعية طويلة الأمد.

ويعد ملف التعرفة الجمركية التفضيلية أحد المحاور الأساسية لتطوير العلاقات الاقتصادية بين طهران وبغداد. ففي الوقت الذي تعتمد فيه دول عديدة في المنطقة على اتفاقيات التجارة التفضيلية والتجارة الحرة لتعزيز تنافسية منتجاتها، فإن غياب إطار جمركي شامل بين إيران والعراق قد يؤدي تدريجيًا إلى تراجع الميزة التنافسية للسلع الإيرانية. ولهذا يقترح الخبراء تسريع المفاوضات بين البلدين لوضع قائمة بالسلع المشمولة بالتعرفة التفضيلية، بما يسمح بدخول المنتجات الإيرانية ذات الميزة التنافسية إلى السوق العراقية بتكاليف أقل.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل تصاعد المنافسة داخل السوق العراقية خلال السنوات الأخيرة، إذ سعت كل من تركيا والسعودية والإمارات والأردن، إضافة إلى الصين، إلى توسيع حصتها في السوق العراقية من خلال الاستثمار المباشر، وإنشاء مراكز لوجستية، وتمويل المشاريع، وإبرام اتفاقيات تجارية. وفي ظل هذه المنافسة، لم يعد الاعتماد على عامل القرب الجغرافي وحده كافيًا للحفاظ على مكانة الصادرات الإيرانية.

ومن جانب آخر، يمكن أن يسهم توسيع الاستثمارات المشتركة في معالجة جزء من المشكلات المرتبطة بقيود النقد الأجنبي، وتحويل الأموال، وارتفاع تكاليف النقل. وتشمل الحلول المطروحة إنشاء وحدات إنتاج مشتركة، والاستفادة من المناطق الحرة والمدن الصناعية العراقية، وإطلاق مشاريع مشتركة بين القطاع الخاص في البلدين، بما يؤدي إلى خفض تكاليف التجارة وتعزيز استدامة العلاقات الاقتصادية.

وينبغي إلا يقتصر التعاون الاقتصادي بين إيران والعراق على تجارة السلع، بل يجب أن يشمل أيضًا قطاعات الخدمات الفنية والهندسية، والطاقة، والنقل، والخدمات اللوجستية، والصناعات الغذائية، والأدوية، وتكنولوجيا المعلومات، والسياحة العلاجية. ويرى الخبراء أن تنويع مجالات التعاون من شأنه تقليل المخاطر الناجمة عن تغير السياسات التجارية، وتعميق العلاقات الاقتصادية، وزيادة الاعتماد المتبادل بين البلدين.

وتوضح الدراسات أن إيران والعراق لا يزالان من أكبر الشركاء التجاريين لبعضهما البعض في المنطقة، وأن الحجم الكبير للمبادلات التجارية بينهما يوفر قاعدة مناسبة لبناء نموذج جديد من التعاون الاقتصادي. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب إعداد خارطة طريق مشتركة، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الاقتصادية في البلدين، وتسهيل الاستثمارات المتبادلة، وتطوير البنية التحتية الحدودية، وتسريع المفاوضات الخاصة بالتعرفة الجمركية التفضيلية.

فإذا لم تبادر إيران منذ الآن إلى التكيف مع التحول في النهج الاقتصادي العراقي، فقد تواجه تراجعًا تدريجيًا في حصتها من السوق العراقية. وفي المقابل، فإن التوجه نحو الاستثمار والإنتاج المشتركين، وإبرام اتفاقيات تجارية طويلة الأجل، يمكن أن يحافظ على السوق العراقية بالنسبة لإيران، ويمهد لتشكيل سلاسل إنتاج إقليمية، ويرتقي بمستوى التعاون الاقتصادي بين البلدين خلال السنوات المقبلة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة − سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى