الصحافة الإيرانية: روسيا تدفع طهران بذكاء نحو مواصلة المواجهة مع أميركا

يعمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على ترسيخ معادلة في المشهد الإقليمي الذي اشتعل خلال العام الأخير، وكان الشعب الإيراني الأكثر تضررًا من تداعياته.

ميدل ايست نيوز: حين يشيد فلاديمير بوتين بالقدرات التسليحية الإيرانية والزوارق القتالية الخفيفة في مواجهة الولايات المتحدة، ويثني على ما يُعرف بـ”أسطول البعوض” التابع للحرس الثوري، فإنه لا يسعى بطبيعة الحال إلى تقديم تقييم عسكري محايد. فالكرملين يدرك جيدًا أن أي مواجهة مباشرة أو اتساع رقعة الصراع بين طهران وواشنطن من شأنه أن يحول اهتمام البنتاغون وحلف شمال الأطلسي وتركيزهما، فضلًا عن مواردهما العسكرية والمالية، من ساحة الحرب في أوروبا إلى منطقة الخليج والشرق الأوسط.

تقول صحيفة توسعه إيراني في تقرير له: بمعنى آخر، يعمل بوتين على ترسيخ معادلة في المشهد الإقليمي الذي اشتعل خلال العام الأخير، وكان الشعب الإيراني الأكثر تضررًا من تداعياته. تقوم هذه المعادلة على فكرة أن “إيران تمتلك القدرة الكافية لخوض مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وعليها أن تمضي في هذا المسار”.

يمثل ذلك نوعًا من التحفيز الذكي الهادف إلى التأثير نفسيًا في التيار المتشدد داخل إيران، الذي يدعو إلى مواصلة الحرب حتى تحقيق النصر في مواجهة الجيش الأمريكي. كما يسهم في تعميق المستنقع الذي تجد كل من واشنطن وطهران نفسيهما فيه. فموسكو، عبر هذه التصريحات المشجعة، لا تنقل إلى إيران منظومات دفاعية حساسة، ولا توفر لها مظلة دعم فعالة في مجلس الأمن الدولي، بل تؤدي دور المحفز الذي يرفع منسوب التوتر العسكري في المنطقة. ومن ثم فإن إشادة الرئيس الروسي بالقدرات الدفاعية الإيرانية تبدو أقرب إلى “دعوة لمواصلة وتعميق الاحتكاك” مع المنظومة العسكرية الأمريكية، أكثر من كونها دعمًا لوجستيًا.

خطان أحمران للكرملين تجاه طهران

لفهم سلوك الكرملين في هذه المرحلة، لا بد من التوقف عند بعض التحليلات الدبلوماسية. وكان وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف قد أشار في وقت سابق، خلال أكتوبر/تشرين الأول 2025، إلى نقطة اعتبرها جوهرية في فهم السلوك الروسي، كاشفًا بصراحة عن “خطين أحمرين لروسيا تجاه إيران”:

  • عدم تطبيع العلاقات الإيرانية مع الغرب: إذ إن موسكو لا تقبل، تحت أي ظرف، أن تغلق طهران ملفاتها الخلافية مع واشنطن وأوروبا، لأن إيران الخالية من العقوبات، والتي تتمتع بعلاقات متوازنة مع الغرب، لن تبقى بحاجة إلى الكرملين أو معتمدة عليه، كما أنها ستتحول إلى منافس في سوق الطاقة الأوروبية.
  • عدم انخراط إيران في حرب وجودية شاملة: ففي المقابل، لا ترغب موسكو أيضًا في أن تتعرض إيران للانهيار الكامل أو لتفكك بنيتها السياسية، لأن سقوط حليف إقليمي بهذا الحجم سيخلق فراغًا في موازين القوى قد تملؤه دول حلف شمال الأطلسي أو حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. كما أنها لا تريد أن يتحقق سيناريو “تغيير النظام” الذي يدعو إليه متشددون في الحزب الجمهوري الأمريكي، لأنها تدرك أن روسيا، في مرحلة ما بعد الجمهورية الإسلامية، قد لا تتمكن حتى من الاحتفاظ بقائم بالأعمال في إيران، فضلًا عن سفير أو سفارة في طهران.

وبذلك، فإن الجمع بين هذين الخطين الأحمرين يعكس ما يمكن اعتباره الصيغة الذهبية للسياسة الروسية، ومفادها أن “تبقى إيران دائمًا في حالة توتر مُدار، وعقوبات، وصراع استنزافي مع الولايات المتحدة”.

وتندرج تصريحات بوتين الأخيرة ضمن هذا الإطار تحديدًا. فموسكو تسعى إلى إبقاء إيران عند مستوى معين من المواجهة مع الولايات المتحدة، بحيث لا تتجه نحو الدبلوماسية وتسوية النزاعات، وفي الوقت نفسه لا تصل إلى مرحلة تهدد وجودها. ويعني ذلك إبقاء البلاد في حالة دائمة من التعليق والاستنزاف.

هجوم كييف في بحر قزوين… واستفزاز بيسكوف ووحدة إيران

يكشف موقف المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، خلال تعليقه على الهجوم الأوكراني الأخير الذي استهدف سفينة تجارية إيرانية في بحر قزوين، الطبيعة الحقيقية لما يوصف بـ”الدعم الكلامي” الروسي. فقد وصف بيسكوف الخطوة الأوكرانية بأنها “عدوانية”، ثم أعاد الكرة إلى ملعب طهران بقوله إن “إيران دولة مستقلة ولديها القدرة على الدفاع عن نفسها”، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما قال إن “الهجوم على السفينة الإيرانية هو في الحقيقة هجوم أوكراني على إيران”.

غير أن السؤال الأساسي يبقى: أليست أمن بحر قزوين، وفقًا للاتفاقيات الناظمة لنظامه القانوني، مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع الدول الساحلية، بما فيها روسيا؟

فبدلًا من اعتبار الهجوم في بحر قزوين خطًا أحمر يمس أمنها ودفع ثمن عملي دفاعًا عنه، تكتفي موسكو بالتذكير باستقلال إيران، متخلية بذلك عن أي مسؤولية أمنية تجاهها. بل إن الروس قد يجدون في انتقال تداعيات الحرب الأوكرانية إلى بحر قزوين واندلاع احتكاكات مباشرة مع السفن الإيرانية ما يخدم مصالحهم، لأن ذلك لا يدفع إيران إلى مزيد من التموضع في مواجهة حلف شمال الأطلسي فحسب، بل يمنح أيضًا الوجود العسكري والأمني الروسي في بحر قزوين مبررًا أكبر تحت عنوان “مواجهة التهديدات المشتركة”.

ضرورة التحلي بالذكاء… اللعب وفق المصالح الوطنية لا ضمن أحجية بوتين

تعلمنا التجارب التاريخية في المجال الدبلوماسي أن موسكو لم تكن يومًا حليفًا أيديولوجيًا أو استراتيجيًا غير مشروط لطهران، ولن تكون كذلك. فروسيا قوة دولية كبرى تحكمها حساباتها الذاتية. وبالنسبة لبوتين، فإن تعميق الحرب بين إيران والولايات المتحدة أو تصعيد الاحتكاكات العسكرية في الخليج وبحر عُمان يمثل أفضل وقود لاستمرار حربه الاستنزافية في أوكرانيا.

ومن ثم، يتعين على الجهاز الدبلوماسي وصناع القرار في مجال الأمن القومي في الجمهورية الإسلامية التحلي بأقصى درجات اليقظة، والتمييز بوضوح بين تطوير علاقات متوازنة مع دول الجوار، وبين الوقوع في فخ أداء دور الوكيل أو الأداة لصالح القوى الكبرى.

اقرأ ايضا

صحيفة إيرانية: على طهران النأي بنفسها عن روسيا وخفض التوتر مع أوكرانيا

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنا عشر − 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى