الصحافة الإيرانية: استهداف الحشد الشعبي ينقل الشرق الأوسط إلى مرحلة “الأزمة الكبرى”
إن الهجمات المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة والسعودية ضد مواقع الحشد الشعبي لا تمثل مجرد عملية عسكرية محدودة، بل تعكس دخول معادلات غرب آسيا مرحلة جديدة من التنافس الأمني والجيوسياسي.

ميدل ايست نيوز: أدخلت هجمات مفاجئة استهدفت مواقع تابعة لقوات الحشد الشعبي في عدة محافظات عراقية، فجر الأربعاء، معادلات المنطقة مرحلة جديدة، في وقت كانت فيه غالبية التحليلات ترى أن إيران ستظل بؤرة الأزمات الرئيسية في غرب آسيا.
تقول صحيفة توسعه ايراني، إن الهجمات المنسقة التي شنتها الولايات المتحدة والسعودية على مواقع متعددة للحشد الشعبي لم تقتصر على تغيير المشهد الأمني في العراق، بل أثارت تساؤلات حول الأهداف الحقيقية للعملية، وتداعياتها على مستقبل المنطقة، وعلاقتها المحتملة بالتطورات السياسية الأخيرة، ولا سيما اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في واشنطن.
لماذا استهدفت الولايات المتحدة والسعودية الحشد الشعبي؟
رغم أن الرياض وواشنطن أعلنتا أن العملية جاءت رداً على هجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت نفطية سعودية، فإن مجمل التطورات الإقليمية يشير إلى أن هذه الضربات لم تكن مجرد عملية انتقامية محدودة.
استراتيجياً، تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص نفوذ الجماعات المتحالفة مع إيران في العراق، إدراكاً منها أن أي تغيير في ميزان القوى داخل العراق سينعكس مباشرة على معادلات سوريا ولبنان وحتى أمن إسرائيل.
وبناءً على ذلك، يمكن النظر إلى إضعاف القدرات العملياتية للحشد الشعبي باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع لاحتواء النفوذ الإقليمي الإيراني.
وفي المقابل، تابعت السعودية خلال الأشهر الماضية بقلق تصاعد التهديدات التي تستهدف منشآتها الحيوية في قطاع الطاقة، وتسعى إلى توجيه رسالة مفادها أنها لن تكتفي بالإجراءات الدفاعية، بل أصبحت مستعدة أيضاً للرد العسكري المباشر عند الضرورة.
وتعكس المشاركة السعودية المباشرة في العملية تحولاً تدريجياً في عقيدتها الأمنية، من نهج الدفاع السلبي إلى استراتيجية الردع النشط.
كما أن استهداف عدة محافظات عراقية في وقت واحد يشير إلى أن الهدف لم يكن تدمير عدد من القواعد العسكرية فحسب، بل توجيه رسالة سياسية إلى فصائل المقاومة، وربما أيضاً إلى الحكومة العراقية، بأن الولايات المتحدة وحلفاءها مستعدون لتوسيع نطاق عملياتهم في مختلف أنحاء العراق إذا شعروا بوجود تهديد.
التداعيات السياسية والعسكرية للهجمات
ورغم أن العملية ربما أثرت، على المدى القصير، في بعض القدرات اللوجستية أو العملياتية للحشد الشعبي، فإن تداعياتها الاستراتيجية على الولايات المتحدة والسعودية تبدو أكثر تعقيداً.
ويتمثل أول هذه التداعيات في زيادة الضغوط السياسية على الحكومة العراقية، التي تجد نفسها بين الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول العربية، وبين مواجهة الضغوط الداخلية المطالبة بالدفاع عن السيادة الوطنية، وهو ما قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات السياسية وتعقيد عملية صنع القرار في بغداد.
أما التداعي الثاني، فيتمثل في احتمال تصاعد نشاط فصائل المقاومة ضد المصالح الأمريكية في العراق والمنطقة، إذ أظهرت تجارب السنوات الماضية أن استهداف القوى المنضوية ضمن محور المقاومة غالباً ما يقابله رد مماثل، ما قد يعرض القواعد العسكرية الأمريكية ومصالح واشنطن في المنطقة لمخاطر أكبر.
بالنسبة إلى السعودية، فقد تترتب على العملية تكاليف أمنية كبيرة، إذ إن انخراطها المباشر في عملية عسكرية داخل العراق قد يقوض جهودها الرامية إلى خفض التوترات الإقليمية وتهيئة بيئة مستقرة لتنفيذ مشاريعها الاقتصادية.
كما أن احتمال تعرض منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية السعودية لهجمات مضادة يبقى من أبرز المخاطر التي قد تترتب على هذه الخطوة.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، قد تؤدي الهجمات إلى توتر العلاقات بين بغداد والرياض، في ظل دعوات بعض القوى السياسية العراقية إلى إلغاء زيارة رئيس الوزراء إلى السعودية، وخفض مستوى العلاقات الدبلوماسية، وحتى طرد السفير السعودي، وهو ما يعكس أن التداعيات السياسية للعملية قد تتجاوز حدود الميدان العسكري.
أما على المستوى الإقليمي، فإن هذه الهجمات تزيد احتمالات انطلاق جولة جديدة من المنافسة الأمنية، مع عودة التساؤلات حول ما إذا كان العراق سيتحول مجدداً إلى الساحة الرئيسية للصراع بين القوى الإقليمية والدولية.
في المحصلة، فإن الهجمات المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة والسعودية ضد مواقع الحشد الشعبي لا تمثل مجرد عملية عسكرية محدودة، بل تعكس دخول معادلات غرب آسيا مرحلة جديدة من التنافس الأمني والجيوسياسي.
وقد تؤدي هذه التطورات إلى اتساع رقعة التوتر من العراق إلى مناطق أخرى في الإقليم، وتسريع وتيرة تشكل تحالفات جديدة. ورغم وصف واشنطن والرياض للعملية بأنها خطوة دفاعية، فإن ردود الفعل الواسعة داخل العراق، واحتمال تنفيذ فصائل المقاومة هجمات مضادة، وتصاعد الضغوط السياسية على الحكومة العراقية، تشير إلى أن كلفة هذا القرار قد تتجاوز مكاسبه قصيرة الأمد خلال الأشهر المقبلة، ما يجعل مستقبل العراق عاملاً حاسماً في رسم موازين القوى في عموم منطقة غرب آسيا.
اقرأ ايضا
نائب إيراني: واشنطن وحلفاؤها يسعون إلى إضعاف محور المقاومة قبل استهداف إيران



