الصحافة الإيرانية: حان الوقت لإنشاء صندوق دولي لتنمية الدول المطلة على المضائق

تؤدي الدول المطلة على المضائق الدولية دور "حراس المنافع العامة العالمية"، غير أن النظام الاقتصادي العالمي لم يطور حتى الآن أي إطار مؤسسي يعوضها عن الأعباء التي تتحملها في حماية هذه الممرات الحيوية.

ميدل ايست نيوز: تقع اليمن وجيبوتي والصومال وإريتريا والسودان، وهي من بين أفقر دول العالم، على ضفاف مضيق باب المندب والبحر الأحمر، أي في أحد أهم الممرات التي تعبر عبرها التجارة ورؤوس الأموال العالمية. ويُطرح هنا تساؤل أساسي: ماذا لو أن النظام الدولي والاقتصاد الرأسمالي العالمي، بدلًا من تكريس الحروب وإراقة الدماء، اعترفا بما يمكن تسميته “الحق الجغرافي” للدول الساحلية في الاستفادة من حركة التجارة العالمية المارة عبر هذه المنطقة، أو عملا على تمكينها لتكون شريكًا في تقديم الخدمات البحرية والاستفادة من عائداتها؟ لو تحقق ذلك، لما كانت المنطقة بهذا القدر من الهشاشة وعدم الاستقرار. فجزء كبير من انعدام الأمن يعود إلى تجاهل النظام الرأسمالي العالمي لهذه القضية. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن إعادة جزء من الثروة التي تولدها التجارة العالمية عبر المضائق إلى تنمية الدول الساحلية؟ إنها قضية تتعلق بالعدالة التوزيعية.

يقول كيومرث اشتريان، أستاذ في العلوم السياسية، في مقال لصحيفة شرق الإيرانية، إنه في الوقت الراهن، تهيمن مجموعة محدودة من الشركات الكبرى على خدمات التأمين البحري، وتزويد السفن بالوقود، وأعمال التفتيش والإرشاد الملاحي وغيرها من الخدمات. هذه الشركات لا تكتفي بتحقيق الأرباح من التجارة العالمية، بل تحتكر أيضًا أدوات الحماية الجيو-اقتصادية المرتبطة بها. وتظهر المعطيات أن النظام الرأسمالي العالمي يستخرج قيمة اقتصادية هائلة من خلال احتكار الخدمات البحرية، ولا سيما التأمين البحري، في حين أن الدول الساحلية، مثل إيران واليمن والصومال وإريتريا وجيبوتي والسودان وغيرها، لا تحصل على أي نصيب يُذكر من هذه العائدات، بل تتحمل في المقابل تكاليف انعدام الأمن والاضطرابات. كما أن الشركات المهيمنة في هذا القطاع هي في معظمها بريطانية وأوروبية، بينما صُممت بنية السوق بطريقة تجعل دخول منافسين جدد، خصوصًا من الدول الفقيرة في المنطقة، أمرًا شبه مستحيل.

وفي ظل الأزمات الراهنة، تبرز فرصة لإعادة طرح هذه القضية على المستوى الدولي، إذ غالبًا ما تفتح الأزمات المجال لبلورة أفكار جديدة وإنشاء مؤسسات دولية تعالج الاختلالات القائمة. ومن بين المقترحات التي يمكن طرحها إنشاء “الصندوق الدولي لتنمية الخدمات البحرية” للدول المطلة على مضيقي باب المندب وهرمز.

فإذا كانت المضائق تمثل مرافق عالمية مشتركة، فلماذا لا يُعاد النظر في آليات توزيع المنافع الاقتصادية المتولدة عنها على المستوى الدولي؟ ويمكن صياغة هذا الطرح دبلوماسيًا انطلاقًا من أن تحقيق الأرباح والريع الاقتصادي يتم في كثير من الأحيان من دون خلق قيمة حقيقية للدول الساحلية، بل يستند إلى النفوذ السياسي والاحتكار والامتيازات والمواقع المؤسسية.

يستند هذا الطرح إلى أن النقل البحري الدولي عبر نقاط الاختناق الاستراتيجية يولد ثروة عالمية ضخمة، بينما تتحمل الدول الساحلية الأعباء الأمنية والسياسية المرتبطة بحماية هذه الممرات، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرارها ومسارها التنموي. فالعالم يستفيد اقتصاديًا من المضائق، لكنه لا يشارك في تحمل كلفة تنمية الدول الواقعة على ضفافها.

كما أن المؤسسات الدولية القائمة، مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبنك التنمية الأفريقي، والبنك الإسلامي للتنمية، والمنظمة البحرية الدولية، لم تقدم حتى الآن آلية تعالج هذه الإشكالية، في وقت تستفيد فيه الدول الغنية والقوى الكبرى، تحت مظلة النظام الدولي، من حركة التجارة والثروة في هذه الممرات البحرية الواقعة ضمن المجال الجغرافي للدول الساحلية.

وفي هذا السياق، لم يعد التأمين البحري مجرد خدمة تجارية، بل تحول إلى أداة نفوذ تحد من القدرات الجيوسياسية للدول، بينما جرى تجاهل الاعتبارات الجغرافية وحقوق الدول المطلة على هذه المضائق.

ومن بين الحلول المقترحة أن تُفرض رسوم رمزية على كل سفينة تعبر المضائق الدولية، أو رسم محدد على كل طن من البضائع المنقولة، بحيث تُودع هذه الإيرادات في صندوق دولي يخضع لإشراف منظمة دولية، ويتولى تمويل مشاريع تمكين الدول الساحلية، بما يشمل تطوير الموانئ، والبنية اللوجستية، والتدريب البحري، وأحواض إصلاح السفن، وشركات التأمين المحلية، والخدمات المينائية. ويمكن لمثل هذه الآلية أن تشكل خطوة مهمة نحو تعزيز السلام والاستقرار في الاقتصاد العالمي.

وتؤدي الدول المطلة على المضائق الدولية دور “حراس المنافع العامة العالمية”، غير أن النظام الاقتصادي العالمي لم يطور حتى الآن أي إطار مؤسسي يعوضها عن الأعباء التي تتحملها في حماية هذه الممرات الحيوية.

كما أن دمج هذه الفكرة مع المبادرات الإقليمية والدولية القائمة، وتنويع مصادر التمويل، وإنشاء آليات رقابية شفافة، من شأنه أن يحولها إلى مشروع عملي قابل للتنفيذ. وهناك تجربة مشابهة نسبيًا في مضيق ملقا يمكن الاستفادة منها عند تطوير هذا النموذج.

ومن المفارقات أن إيران والولايات المتحدة تلتقيان، في هذه القضية تحديدًا، عند نقطة ذات بعد استراتيجي. فقد أطلقت الحكومة الأمريكية عبر مؤسسة تمويل التنمية الدولية (DFC) مبادرة مالية كبيرة لمنافسة المؤسسات الخاصة في لندن في مجال تغطية مخاطر الحرب، وهو ما اعتُبر شكلًا من أشكال المنافسة الجيوسياسية في قطاع التأمين بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين.

ويرى متخصصون في قطاع التأمين أن التأمين البحري لم يعد مجرد نشاط اقتصادي، بل أصبح ساحة استراتيجية وأداة من أدوات ممارسة النفوذ. وفي ظل إدراك العالم اليوم لحساسية هذا القطاع وهشاشته، يبرز التساؤل حول ما إذا كان الوقت قد حان لطرح إنشاء صندوق دولي لتنمية الدول المطلة على المضائق الدولية ضمن مسارات تسوية النزاعات، ولا سيما أن أهمية هذه المضائق بالنسبة للدول الساحلية لم تجلب لها، في كثير من الأحيان، سوى انعدام الأمن الاستراتيجي، وتدخل القوى الكبرى، واستمرار حالة عدم الاستقرار السياسي.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة + تسعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى