فرص غير دائمة: محمد جواد ظريف يقرأ في مخاطر سوء التقدير واستمرار التوتر

تعيش أمريكا حالة من التراجع، ولا توجد قوة - لا أمريكا ولا غيرها - قادرة على لعب دور المهيمن العالمي أو الإقليمي؛ ويُعد الفشل الأمريكي في المواجهتين الأخيرتين مع إيران دليلاً على هذا المسار.

ميدل ايست نيوز: إن إخفاق أمريكا وإسرائيل في تحقيق أهدافهما في الحربين الأخيرتين، إلى جانب توقيع مذكرة تفاهم بين رئيسي إيران وأمريكا في 17 يونيو 2026، قد فتح نافذة استثنائية للدبلوماسية. هذه الفرصة مقيدة بالزمن؛ فإذا لم تتوصل إيران إلى اتفاق نهائي ضمن الفترات الزمنية المحددة (خاصة فترة الستين يوماً المقترحة)، فسيكون الانتعاش الاقتصادي صعباً، ولا يمكن استبعاد احتمال حدوث اضطرابات داخلية أو عدوان جديد، خاصة بعد الانتخابات الأمريكية.

وكتب النائب السابق للرئيس الإيراني محمد جواد ظريف في مقال نشرته الوكالة الإيرانية الرسمية (إرنا) أنه في عالم “ما بعد القطبية” الحالي، تعيش أمريكا حالة من التراجع، ولا توجد قوة – لا أمريكا ولا غيرها – قادرة على لعب دور المهيمن العالمي أو الإقليمي؛ ويُعد الفشل الأمريكي في المواجهتين الأخيرتين مع إيران دليلاً على هذا المسار.

ومع ذلك، وعلى عكس التوقعات، لم تصبح روسيا والصين حليفتين لإيران في هاتين الحربين، ولم تقدما تعاوناً ملموساً. كما أظهر قرار مجلس الأمن رقم 2817 ضد إيران، رغم إفقاده الأمم المتحدة لمصداقيتها، أن حتى 136 دولة من دول الجنوب العالمي لم تتردد في التماهي مع المعتدين؛ والنتيجة هي أنه في الظروف الحالية، يتهرب حتى أصدقاء إيران في الجنوب العالمي من الدعم العلني لإيران في مواجهة أمريكا والغرب.

مكانة إيران والفرص المتاحة

يمكن تحديد ثلاث فرص رئيسية نابعة من مذكرة التفاهم:

  1. إرادة وقدرة الشعب والنظام على الصمود: لقد تبددت توقعات نتنياهو وترامب بشأن العجز العسكري، أو التمرد الداخلي، أو الانهيار الإقليمي لإيران في أقل من أسبوع، رغم استشهاد القائد وكبار القادة. إن توجه أقرب حلفاء إسرائيل في الخليج الفارسي نحو إيران هو علامة على فاعلية هذه الورقة.

  2. عدم تطابق أهداف الفاعلين الإقليميين، وحتى أمريكا وإسرائيل: “الاصطفاف” لا يعني “التطابق”. لقد تمكن نتنياهو في الفترة بين الحربين، مستغلاً كوارث (ديسمبر 2025 – يناير 2026) (الموافق لشهر دي 1404)، من تسميم عقول ترامب وبعض قادة المنطقة بإيهامهم بتعاطف الشعب الإيراني مع المعتدين، ودفع ترامب لدخول “حرب رمضان”. ومع ذلك، أدركت أمريكا الآن أن انهيار النظام الإيراني – حتى لو كان ممكناً – سيغرقها في غرب آسيا لفترات طويلة ويمنعها من تحقيق هدفها الاستراتيجي المتمثل في احتواء الصين. سياسة “إسرائيل أولاً” في أمريكا تنكشف شيئاً فشيئاً، وقد أدركت دول المنطقة أنها تُعتبر مجرد “كبش فداء” لإسرائيل.

  3. ورقة مضيق هرمز: أثبتت إيران في الحرب الأخيرة أن لديها القدرة والإرادة لتنفيذ تهديدها الذي دام لعقود بشأن مضيق هرمز؛ والمبدأ هو أن “مضيق هرمز إما للجميع أو ليس لأحد”.

لا تعتبر أي من هذه الأوراق الثلاث دائمة: فالإغلاق طويل الأمد لمضيق هرمز أو إساءة استخدامه على المدى القصير، سيخلق إجماعاً عالمياً (حتى بمشاركة الصين) ضد إيران؛ كما أن استمرار التوترات غير المدارة سيمنح النظام الإسرائيلي واللوبي الداعم له الفرصة للتقليل من شأن الاختلاف الجوهري بين أهدافه وأهداف أمريكا.

المحاور الاستراتيجية الثلاثة

أ) مأسسة سردية الإنجازات يجب فوراً خلق “سردية وطنية” للإنجازات لمنع استقطاب المجتمع بعد توقيع مذكرة التفاهم.

ب) إنهاء عقلية التهديد والبدء بعقلية الفرص تعتبر إيران “أعرق دولة-حضارة”، وتاريخ الاعتداءات الخارجية الطويل عليها قد رسخ عقلية التهديد في النفسية الفردية والاجتماعية للإيرانيين. والآن بعد أن انتهى “عصر اضرب واهرب”، يجب استبدال هذه النظرة بنهج موجه نحو الفرص؛ ليس فقط في الشعارات، بل في طريقة تعامل الحكومة مع الشعب وفي السياسة الخارجية.

إن الإيمان بالشعب كركيزة أساسية للردع، واللين مع المواطنين، وتعزيز المجتمع المدني والقطاع الخاص، هي المتطلبات الداخلية الأساسية لهذه الطفرة، إلى جانب مواجهة “شبكة الاختراق” في البلاد. وعلى المستوى العالمي أيضاً، يجب اعتبار الدبلوماسية إحدى الركائز الأساسية للأمن القومي والأداة المركزية لإعادة إيران إلى سلسلة القيمة العالمية.

ج) التوازن الشامل والدبلوماسية المتعددة الأوجه الموجهة نحو الفرص في النظرة التقليدية، لم تُستخدم الدبلوماسية إلا في الأزمات الوجودية وباعتبارها “أكل الميتة” (خيار الضرورة القصوى)، وتم التخلي عنها بعد زوال الخطر – بدءاً من أزمة وكر التجسس وحتى الاتفاق النووي. إن مذكرة التفاهم الأخيرة هي “فرصة”، وليست “إملاءً”.

تتمحور الاستراتيجية المقترحة لـ “التوازن الشامل” حول:

  • دول الجوار: الاستفادة من القفزة في مكانة إيران في العالم الإسلامي بعد حرب رمضان، وتشكيل تحالف متعدد الأطراف نواته المركزية إيران، وتركيا، والسعودية، ومصر، وباكستان، إلى جانب قطر، وسلطنة عمان، وإندونيسيا، وماليزيا، للمواجهة السياسية لمشروع “إسرائيل الكبرى”.

  • روسيا والصين: يجب أن يرتكز التعاون على أصالة الروابط وليس على حاجة إيران وعجزها؛ وتعد الصين شريكاً أكثر أهمية نظراً لمكانتها التكنولوجية والاقتصادية.

  • أوروبا: إعادة بناء العلاقات أمر ضروري، على الرغم من أن “الاستقلالية الاستراتيجية” لأوروبا محدودة عملياً وتابعة للسياسة الأمريكية.

  • إدارة التوتر مع أمريكا: هي المتطلب الأساسي لتحقيق الروابط العالمية الأخرى، لأنه بدونها سيتجنب حتى حلفاء إيران الانخراط في تعاون مكلف.

ملفات التفاوض

تنقسم ملفات التفاوض إلى ثلاث فئات:

  1. ملفات الهوية غير القابلة للتغيير: (الاستقلال السياسي، وعدم الاعتراف بإسرائيل في مواجهة الهيمنة، ودعم أمريكا لإسرائيل) والتي يجب إدارتها من خلال الاتفاق على الخطوط الحمراء، وليس الحل الشامل – مثل الالتزام المتبادل بعدم الاعتداء وشطب إيران من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

  2. ملفات التعاون قصير الأمد: مثل العراق، وأفغانستان، والمخدرات، والهجرة، والتعاون العلمي، والتي يمكن إدارتها من خلال الحوار المستمر، وربما إعادة فتح مكاتب رعاية المصالح.

  3. ملفات الخلاف القابلة للإدارة: مثل العقوبات، والملف النووي، والصاروخي، والتي يكمن مفتاح حلها في التوصل إلى إطار مشترك حول التخصيب (ربما من خلال كونسورتيوم إقليمي) ورفع العقوبات النووية مقابل التصديق على البروتوكول الإضافي.

يجب أن يُطرح مضيق هرمز كـ “مساهمة/رصيد” لإيران في المفاوضات، وليس تنازلاً مجانياً؛ فأي تقديم لتنازلات أحادية الجانب دون مقابل – مثل القيود الطوعية السابقة على مدى الصواريخ – لن يؤدي إلا إلى فقدان ورقة القوة هذه دون نتيجة.

لا يمكن بناء المستقبل إلا من خلال التصالح مع الماضي، والتعلم منه، والتخلي عن السرديات الخاطئة (خاصة تلك التي تساوي بين الدبلوماسية والاستسلام). بعد الاتفاق النووي أيضاً، تم وضع تخريب الدبلوماسية على جدول الأعمال؛ والاعتماد المفرط على التقديرات العسكرية وأمننة كافة الأمور، كان عاملاً في ابتعاد الشعب عن الحكومة وتوسيع النفوذ الأجنبي.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر − سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى