مخاوف من فراغ أمني واقتصادي.. كيف سيؤثر الانسحاب الأمريكي على إقليم كردستان العراق؟

يقول الأمين العام السابق لوزارة البيشمركة جبار ياور إن انسحاب القوات الأمريكية هو على خلفية الاتفاق الذي أبرمته الحكومة العراقية زمن الحكومة السابقة برئاسة محمد شياع السوداني.

ميدل ايست نيوز: مع بدء القوات الأمريكية سحب قواتها ومعداتها من محيط مطار أربيل الدولي، دخل الوجود العسكري الأمريكي في إقليم كردستان مرحلة جديدة، تثير تساؤلات بشأن مستقبل الشراكة الأمنية بين واشنطن وأربيل، ومدى قدرة الإقليم على مواجهة التهديدات الجوية المتزايدة بعد إزالة منظومات الدفاع الصاروخي “باتريوت”، التي شكلت خلال الأشهر الماضية خط الدفاع الأول ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تطلقها الفصائل المسلحة وإيران تجاه العراق.

اتفاق مسبق

ويقول الأمين العام السابق لوزارة البيشمركة جبار ياور، إن انسحاب القوات الأمريكية وباقي قوات أعضاء التحالف الدولي للحرب ضد داعش، هو على خلفية الاتفاق الذي أبرمته الحكومة العراقية زمن الحكومة السابقة برئاسة محمد شياع السوداني”.

ويضيف، أنه “بعد مباحثات واجتماعات مطولة في واشنطن وبغداد تم الاتفاق على إنهاء عمل القوات الأمريكية والتحالف الدولي في العراق وانسحاب قواتهم على مراحل”.

مراحل الانسحاب

ويشير ياور إلى أن “المرحلة الأولى بدأت في الشهر التاسع من عام ٢٠٢٥، حيث أنهى التحالف الدولي في مناطق الوسط والجنوب من العراق والمرحلة الثانية كانت من المقرر أن تبدأ في العام الحالي ٢٠٢٦، بإنهاء تواجد القوات الأمريكية في مناطق إقليم كردستان، لذا فإن انسحاب هذه القوات حالياً هو حسب الاتفاق المذكور أعلاه”.

ووفقاً لمصادر متعددة، بدأت عملية الانسحاب خلال الأيام الماضية ضمن خطة أمريكية أوسع لإنهاء وجودها العسكري في العراق قبل نهاية أيلول، حيث جرى سحب منظومات باتريوت من القواعد الأمريكية في أربيل، مع نقل جزء كبير من المعدات العسكرية الثقيلة، بينما بقي عدد محدود من القوات وأنظمة دفاعية أخرى في بعض المواقع.

وكانت تقارير قد أفادت بأن منظومات باتريوت الدفاعية، المستخدمة للتصدي للصواريخ والطائرات المسيرة لم تعد موجودة في القاعدة العسكرية الأمريكية (حرير) في أربيل، مشيرة إلى أن عملية الانسحاب بدأت منذ الأسبوع الماضي، ولا تزال مستمرة، حيث تم إخراج معظم القوات الأمريكية والمعدات العسكرية الثقيلة.

ويأتي الشروع بالانسحاب في وقت يشهد فيه إقليم كردستان واحدة من أكثر المراحل الأمنية تعقيداً، بعد أشهر من الهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة والصواريخ، التي استهدفت مطار أربيل الدولي وحقول النفط والغاز ومنشآت حيوية، إضافة إلى مقرات أمنية وعسكرية.

تأثير محدود

وينوه ياور إلى أنه “بالنسبة لتأثير هذا الانسحاب على الوضع الأمني العام في إقليم كردستان فإن هذه القوات لم يكن لها دور يذكر في الوقت الحاضر في الأمن الداخلي للإقليم، وفقط كانت لمنظومة دفاع هذه القوات دور في حماية أجواء مناطق محددة لتواجد مقار قواتها ضمن حدود مطار أربيل ومطار حرير والقنصلية الأمريكية”.

ويردف، أن “أحزاب المعارضة الكردية تستهدف وبشكل دائم من قبل طائرات مسيرة أو صواريخ بدون أي مقاومة وحتى الموجودة في أربيل على مسافات غير بعيدة جداً عن مطار أربيل الدولي، ولم تكن أيضاً آية دفاعات جوية في مناطق تواجد المنشآت لحكومة إقليم كردستان”.

ويرى مراقبون أن الانسحاب لا يعني بالضرورة تخلي الولايات المتحدة عن إقليم كردستان سياسياً أو أمنياً، وإنما يأتي تنفيذاً لاتفاق الانسحاب المبرم مع بغداد، مع احتمال استمرار الدعم الاستخباري والتدريب والتنسيق العسكري من خارج العراق.

توقيت حساس

ويثير توقيت الانسحاب، بالتزامن مع تصاعد الهجمات الإقليمية مخاوف داخل الأوساط السياسية والأمنية في الإقليم من حدوث فراغ دفاعي قد تستغله الجماعات المسلحة أو أي أطراف إقليمية لتكثيف هجماتها.

وبإزالة منظومة الدفاع الجوي يفقد الإقليم أهم شبكة اعتراض بعيدة المدى كانت توفر حماية لسماء أربيل، خصوصاً أن قوات البيشمركة لا تمتلك حتى الآن منظومات دفاع جوي متطورة قادرة على تعويض هذا النقص.

وأوقفت أغلب الشركات النفطية العاملة في إقليم كردستان عملها ولم تعد تنتج النفط بسبب المخاوف من استهدافها بصواريخ ومسيرات الفصائل المسلحة.

خطوة مهمة

من جهته، يقول عضو برلمان إقليم كردستان فالح سنكاوي، أن الانسحاب الأمريكي من أربيل هو خطوة إثبات على حيادية الإقليم في الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران.

ويضيف أن “حجة إيران والفصائل المسلحة لضرب أربيل وباقي مدن الإقليم بسبب تواجد القوات الأمريكية ومقراتها وقواعدها، ولكن إذا ما انسحبت تلك القوات، فلن تبقى أي حجة لتلك الجهات”.

ويتابع، أن “الأفضل لحكومة إقليم كردستان في الوقت الحالي هو تعزيز التنسيق مع الحكومة العراقية، لضمان حماية أمن الإقليم، وتجاوز خطر التحديات الأمنية التي تمر بها المناطق، وتأثيرات الحرب الأمريكية الإيرانية”.

وطبقاً للاتفاق المبرم بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة الأمريكية، فإن الموعد النهائي لانسحاب قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة سيكون بحلول نهاية شهر أيلول سبتمبر المقبل، على أن تسبق ذلك التاريخ خطوات تنفيذية تتمثل بسحب الأصول والمعدات العسكرية تدريجياً من كردستان وبقية المواقع.

تنسيق مستمر

في المقابل، يبين عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني ريبين سلام، أنه حتى اللحظة لم يحصل أي انسحاب بشكل كامل من إقليم كردستان، ولم يتوقف التعاون والتنسيق بين الولايات المتحدة والإقليم.

ويقول إن “الانسحاب الأمريكي من إقليم كردستان هو جزء من الاتفاقية المبرمة بين واشنطن والحكومة العراقية، والتي تنص على الانسحاب الكامل في نهاية أيلول من العام الحالي، ولكن بما يخص منظومة الدفاع فما تزال موجودة في مناطق الإقليم وفي مدينة أربيل تحديداً، والقوات الأمريكية تعمل على حفظ أمن واستقرار كردستان”.

ويضيف، أن “العراق وإقليم كردستان ما يزالان بحاجة للقوات الأمريكية والتحالف لحماية أراضيهم من القصف المستمر، وخاصة مناطق الإقليم التي تتعرض للمسيرات والصواريخ باستمرار”.

وتعرض إقليم كردستان منذ بداية الحرب الأمريكية الإيرانية في 28 من شهر شباط فبراير من العام الحالي إلى أكثر ن 950 هجوماً بالصواريخ والمسيرات، أدت لمقتل 40 شخصاً وإصابة العشرات، مع أضرار كبيرة على المنشآت الاقتصادية والنفطية.

وتشير تقارير إلى أن منظومات باتريوت الأمريكية كانت تعترض نسبة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي كانت تستهدف أربيل، ما وفر مظلة حماية ليس فقط للقوات الأمريكية، بل أيضاً للمطار الدولي والمنشآت المدنية المحيطة به.

حماية وضمانة

إلى ذلك، يرى الباحث في الشأن السياسي شيرزاد مصطفى، أن الانسحاب الأمريكي من الإقليم في هذا التوقيت، سيشكل خطراً على الكرد.

ويضيف أن “القوات الأمريكية كان وجودها في الإقليم بمثابة حماية ليس فقط من صواريخ ومسيرات الفصائل، بل ضمانة سياسية لمنع أي تجاوز على حدود الإقليم من الدول الأربعة التي تحيط بكردستان، وهي العراق وتركيا وسورية وإيران”.

ويعنقد، أن “هذا الانسحاب يثير المخاوف لدى الشعب الكردي من احتمال أن يكون هذا الانسحاب هو تخلي أمريكي بالكامل عن دعم إقليم كردستان والقضية الكردية بشكل عام”.

رغم أن واشنطن تؤكد أن الانسحاب يأتي ضمن خطة مجدولة وليس نتيجة تغييراً في موقفها من إقليم كردستان، فإن سحب منظومات باتريوت يمثل تحولاً أمنياً بالغ الأهمية، لأنه يقلص مظلة الدفاع الجوي التي اعتمد عليها الإقليم خلال السنوات الأخيرة.

وفي ظل استمرار خطر الصواريخ والطائرات المسيّرة، سيكون مستقبل الأمن الجوي في كردستان مرتبطاً بقدرة بغداد وأربيل على إيجاد بدائل دفاعية فعالة، والحفاظ على مستوى التنسيق مع التحالف الدولي، لتجنب تحول الانسحاب إلى فراغ أمني تستفيد منه الجهات التي تهدد استقرار الإقليم.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 + 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى