الصحافة الإيرانية: واشنطن تمارس «لعبة مزدوجة» واحتمال تصعيد عسكري خلال الشهرين المقبلين قائم

التوترات التي شهدتها المنطقة خلال الأسبوعين الماضيين قد تكون مؤشراً على هشاشة الوضع الأمني، لكنها أظهرت في الوقت نفسه أن المنطقة لم تعد قادرة على تحمل حرب واسعة جديدة.

ميدل ايست نيوز: قال الدبلوماسي الإيراني السابق والسفير الأسبق لدى تركمانستان، غلام رضا أنصاري، إن سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران تتجاوز، برأيه، الاعتبارات الشخصية، معتبراً أنها تستند إلى استراتيجية مدروسة توظف أدوات الضغط السياسي والإعلامي والنفسي والعسكري، في وقت توقع فيه احتمال تصعيد عسكري جديد خلال الشهرين المقبلين، بالتزامن مع استمرار المساعي الدبلوماسية الإقليمية.

وأوضح أنصاري، في مقابلة مع وكالة “إيلنا“، أن التهديدات الأمريكية المتكررة لا تعكس بالضرورة توجهاً نحو الحرب المباشرة، بل تهدف إلى “تطبيع فكرة الحرب” لدى الرأي العام والأسواق العالمية، مشيراً إلى أن الحديث المتكرر عن الخيار العسكري يهدف إلى الحد من تأثير أي عمل عسكري محتمل على أسواق الطاقة والاقتصاد الأمريكي.

وأضاف أن توقف ترامب، وفق تعبيره، عن تنفيذ هجوم جديد ضد إيران لا ينبغي تفسيره على أنه تعبير عن ضبط النفس، بل باعتباره جزءاً من إدارة محسوبة للأزمة، هدفها الحفاظ على الاستقرار الداخلي الأمريكي وتقليل التداعيات الاقتصادية لأي مواجهة محتملة.

وفي ما يتعلق بالتحركات الدبلوماسية الإيرانية، اعتبر أنصاري أن الاتصالات الهاتفية التي أجراها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع عدد من نظرائه في دول الجوار تمثل جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية، موضحاً أنها تحمل رسائل متعددة، أبرزها تأكيد دور إيران باعتبارها “ركيزة للاستقرار الإقليمي”، وإظهار أن عزلها أو تجاهلها لم يعد خياراً واقعياً، إلى جانب رفع كلفة أي مواجهة محتملة معها.

ورأى أن السياسة الخارجية الإيرانية دخلت مرحلة جديدة لم تعد فيها الدبلوماسية وسيلة لكسب الوقت، بل أداة لترسيخ النفوذ وتعزيز الأمن القومي عبر التفاهمات السياسية إلى جانب القدرات العسكرية. وأضاف أن نجاح هذه التحركات في الوصول إلى تفاهمات أمنية مستقرة مع دول الجوار قد يعني انتقال إيران من مرحلة إدارة الضغوط إلى مرحلة تثبيت نفوذها الإقليمي.

وفي تقييمه لاحتمالات التصعيد، قال السفير الإيراني السابق إن عدم تحقيق الولايات المتحدة وإسرائيل، بحسب رأيه، الأهداف التي سعتا إليها خلال المواجهات العسكرية الأخيرة، إضافة إلى استمرار قدرة الردع الإيرانية، يجعل احتمال وقوع هجوم واسع خلال الشهرين المقبلين أمراً وارداً، خاصة في ظل الاستحقاقات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة والظروف التي تواجهها الحكومة الإسرائيلية.

وأشار إلى أن التوترات التي شهدتها المنطقة خلال الأسبوعين الماضيين قد تكون مؤشراً على هشاشة الوضع الأمني، لكنها أظهرت في الوقت نفسه أن المنطقة لم تعد قادرة على تحمل حرب واسعة جديدة، محذراً من أن انخراط أطراف إقليمية أو دولية إضافية سيزيد المشهد تعقيداً ويجعل نتائجه أكثر صعوبة في التنبؤ.

وأكد أن إيران ينبغي أن تنظر إلى المفاوضات باعتبارها أداة دبلوماسية لتخفيف الضغوط، دون أن يؤدي ذلك إلى إضعاف جاهزيتها العسكرية، معتبراً أن الحديث الأمريكي عن الحوار يتزامن مع استمرار سياسة الردع والضغوط، وهو ما وصفه بـ”اللعبة المزدوجة”، حيث “تلوح واشنطن بغصن الزيتون بيد، بينما تمسك بالسيف في اليد الأخرى”.

وفي ما يتعلق بالدور العماني، وصف أنصاري سلطنة عمان بأنها تؤدي منذ سنوات دور “صمام الأمان” في العلاقات الإيرانية الأمريكية، مؤكداً أنها لا تقتصر على الوساطة، بل تقوم بدور الميسر الاستراتيجي القادر على فهم مواقف الطرفين ونقل الرسائل بينهما.

وأضاف أن التقارب بين طهران ومسقط في الملفات الإقليمية، ولا سيما في منطقة الخليج، يواجه معارضة من أطراف ترى أن مصالحها ترتبط باستمرار التوتر، معتبراً أن محاولات عرقلة أي تفاهم ستتزايد كلما اقتربت فرص التوصل إلى اتفاقات سياسية، وهو ما قد ينعكس في تصاعد حوادث أمنية أو توترات ميدانية.

وشدد على أن نجاح إيران في الجمع بين “الصبر الاستراتيجي” والحزم الميداني، مع الحفاظ على مسار التفاهمات مع عمان والدول المجاورة، قد يحقق أحد أبرز المكاسب الجيوسياسية لإيران خلال السنوات الأخيرة.

وتطرق أنصاري أيضاً إلى دور كل من سلطنة عمان وقطر وباكستان، معتبراً أنها لم تعد مجرد دول وسيطة، بل أصبحت تؤدي دوراً أساسياً في منع انزلاق الأزمات إلى مواجهة عسكرية مباشرة. وأوضح أن هذه الدول تساهم في الحد من أخطاء التقدير بين الأطراف، ونقل الرسائل السياسية، وتوفير مخارج دبلوماسية تسمح بخفض التصعيد دون إلحاق ضرر بهيبة أي من الجانبين.

كما رأى أن الوسطاء يساعدون في تهدئة الأجواء الإعلامية والسياسية، بما يمنع تصاعد المشاعر الداعية إلى الحرب على حساب الحسابات السياسية.

واختتم أنصاري حديثه بالتأكيد على أن الوساطة، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتحقيق سلام دائم، معتبراً أن المطلوب هو بناء منظومة أمنية إقليمية جديدة تقوم على تعاون دول المنطقة بعيداً عن التدخلات الخارجية.

وأضاف أن غياب جهود الوساطة التي تقودها عمان وقطر وباكستان كان سيزيد، بحسب تقديره، من احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة خلال الفترة الماضية، مشيراً إلى أن هذه الدول تؤدي حالياً دوراً محورياً في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار وإبقاء الباب مفتوحاً أمام تسوية دبلوماسية أوسع.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 + 16 =

زر الذهاب إلى الأعلى