«اتفاقية مكة» وهرمز.. تحولان متزامنان يعيدان تشكيل أمن المنطقة

يرى فريق من المحللين أن المخاوف من اتساع نطاق العمليات الإسرائيلية في غزة ولبنان وسوريا وإيران لم تكن بعيدة عن تشكيل هذه الترتيبات الأمنية.

ميدل ايست نيوز: جاء إبرام اتفاقية مكة في وقت أدت فيه الحرب بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة إلى زيادة المخاوف الأمنية لدول المنطقة، فيما أثار تزامنها مع التطورات المتعلقة بمضيق هرمز تساؤلات بشأن احتمال تشكل ترتيبات أمنية جديدة في الشرق الأوسط.

وفي وقت ينتظر فيه العالم إتمام الاتفاق بين إيران وسلطنة عُمان بشأن إعادة فتح مضيق هرمز وتحديد آليات جديدة لحركة الملاحة في هذا الممر المائي، تحولت مكة إلى مكان لتوقيع اتفاقية أمنية بين ثلاث دول إقليمية مهمة.

ووقعت السعودية وتركيا وباكستان في هذه المدينة «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، وهي اتفاقية تعتبر أي هجوم مسلح على إحدى الدول الأعضاء الثلاث هجومًا على جميع الأعضاء، ويتمثل هدفها المعلن في تعزيز الردع الجماعي وتوسيع التعاون الدفاعي.

وكتبت صحيفة «اعتماد» في تقرير حول هذه الاتفاقية: «مع ذلك، لم يقدم بيان الدول الثلاث تفاصيل بشأن مستوى وشكل التزاماتها العملية في حال وقوع هجوم، ولذلك يرى بعض المراقبين أنه لا ينبغي اعتبار اتفاقية مكة بمثابة اتفاقية دفاعية كاملة على غرار حلف شمال الأطلسي، بل ينبغي النظر إليها باعتبارها إطارًا للتنسيق الاستراتيجي والاستخباراتي والصناعي والعسكري بين ثلاث قوى إقليمية مهمة».

ووقعت هذه الاتفاقية بعد نحو عام من المفاوضات، وفي ظل ظروف أدت فيها الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى التأثير في المعادلات الأمنية للمنطقة بصورة أكبر من أي وقت مضى.

مخاوف السعودية من التهديدات الإقليمية

أعربت السعودية خلال الأسابيع الأخيرة عن مخاوفها من التهديدات المحتملة التي قد تستهدف بنيتها التحتية الحيوية، بما في ذلك الموانئ والمطارات والمنشآت النفطية. وفي هذا السياق، طُرحت التهديدات المحتملة من جانب الحوثيين أو الجماعات المسلحة الإقليمية ضد السعودية باعتبارها أحد العوامل التي تقف وراء تشكيل الاتفاقية الجديدة.

وفي الوقت نفسه، حاول البعض تقديم اتفاقية مكة باعتبارها مقدمة لتشكيل نوع من «الناتو السني»، وهو تصور رفضه العديد من المحللين، معتبرين أن هيكل الاتفاقية وأهدافها لا يمكن مقارنتها بتحالف عسكري شامل.

وأشارت «اعتماد» المحسوبة على التيار الإصلاحي الإيراني في مواصلة تقريرها إلى رؤيتين رئيسيتين بشأن دوافع تشكيل هذه الاتفاقية. ووفقًا لإحدى الرؤيتين، تسعى السعودية، ردًا على الشكوك المتزايدة بشأن مدى كفاية المظلة الأمنية الأمريكية، إلى تعزيز قدراتها الإقليمية في مجال الردع.

وفي هذا الإطار، يمكن أن تتكامل القدرات المالية السعودية مع القدرات الصناعية وقدرات الطائرات المسيرة التركية، والخبرة العسكرية والقدرات الردعية الباكستانية.

في المقابل، يرى فريق من المحللين أن المخاوف من اتساع نطاق العمليات الإسرائيلية في غزة ولبنان وسوريا وإيران لم تكن بعيدة عن تشكيل هذه الترتيبات الأمنية.

ومع ذلك، شدد المسؤولون السعوديون والأتراك على أن الاتفاقية ذات طبيعة دفاعية، ولم تُصغ ضد دولة بعينها، ولا تهدف إلى تشكيل محور ديني أو إطلاق سباق تسلح جديد في المنطقة.

رد إيران على اتفاقية مكة

وردت إيران أيضًا على هذه الاتفاقية، حيث شدد وزير الخارجية عباس عراقجي على ضرورة التعاون بين الدول الإسلامية والاعتماد على القدرات الإقليمية.

وأكد عراقجي، في رده على الاتفاقية الدفاعية الثلاثية، أهمية «الأخوة الحقيقية» بين الدول الإسلامية، وقدرة القوات المسلحة الإيرانية على مواجهة التهديدات الخارجية.

وجاء هذا الموقف في وقت تجري فيه طهران بالتزامن مفاوضات مع سلطنة عُمان بشأن مستقبل حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو الممر المائي الذي تحول خلال الأسابيع الأخيرة إلى أحد أبرز بؤر التوتر في المنطقة.

هل اقتربت إيران وعُمان من اتفاق بشأن هرمز؟

أعلن وزير الخارجية الإيراني أيضًا أن المفاوضات بين إيران وسلطنة عُمان بشأن تحديد مسار جديد للملاحة في مضيق هرمز اقتربت من التوصل إلى اتفاق، لكن إعادة فتح الممر المائي مشروطة بـ«تعويض الولايات المتحدة عن حالات انتهاك تفاهم إسلام آباد».

كما أكد عراقجي أن المسار السابق في مضيق هرمز لم يعد مقبولًا بالنسبة إلى إيران، وأنه سيتم تحديد مسار جديد بالتعاون مع سلطنة عُمان.

وبحسب قوله، ينطوي هذا المسار الجديد على تعقيدات فنية وقانونية واسعة، وتجري حاليًا محادثات بشأن «مسار مؤقت» من المقرر أن يشكل أساسًا للمسار الرئيسي.

وفي هذا الإطار، أُجريت مفاوضات بين القوات العسكرية والبحرية في البلدين استنادًا إلى الخرائط المتاحة، ومن المقرر تحديد المسار الجديد بعد الانتهاء من هذه المفاوضات.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، مؤكدًا مواقف طهران: «إيران لا تريد الحرب ولا التوسع الإقليمي، لكنها لن ترضخ للإكراه».

هرمز.. نقطة التقاء تحولين أمنيين

بالتزامن مع المفاوضات بين طهران ومسقط، أفادت تقارير باقتراب البلدين من التوصل إلى إطار مؤقت لتنظيم حركة الملاحة التجارية في مضيق هرمز.

وبحسب التقارير المنشورة، تم التوصل إلى تفاهمات بشأن إحداثيات المسارات البحرية، إلا أن مصادر إيرانية أكدت أن القرار النهائي يجب أن يُتخذ على مستويات أعلى، وأن الاتفاق مع سلطنة عُمان لا يعني بالضرورة إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل.

كما نفت طهران إجراء أي محادثات مباشرة مع واشنطن، واعتبرت رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية أحد الشروط الرئيسية لتغيير الوضع في مضيق هرمز.

في المقابل، وبحسب ما نقلته صحيفة «اعتماد» عن «وول ستريت جورنال»، شدد مسؤولون أمريكيون على أن واشنطن لن توافق إلا على ترتيبات لا تُفرض بموجبها رسوم على السفن، وألا تشكل المسارات المؤقتة عائقًا أمام الوصول الحر إلى الممر المائي.

تحولان متزامنان في الشرق الأوسط

في ظل هذه الظروف، يمكن اعتبار اتفاقية مكة ومفاوضات هرمز تحولَين متزامنَين في البنية الأمنية للمنطقة؛ فمن جهة، تسعى ثلاث دول إقليمية مهمة إلى إنشاء آليات أكثر استقلالًا للردع والتعاون الدفاعي، ومن جهة أخرى، تحاول إيران، بالتعاون مع سلطنة عُمان، وضع إطار جديد لحركة الملاحة في أهم شريان للطاقة في العالم.

وكتبت صحيفة «اعتماد» في خلاصة تقريرها: «في هذا الإطار، يرى بعض المراقبين أن اتفاقية مكة ومفاوضات هرمز وجهان لتحول واحد: فالأولى تعكس حاجة دول المنطقة إلى وضع ترتيبات ردع أكثر استقلالًا، بينما تظهر الثانية أن الأمن المستدام في شريان الطاقة العالمي لن يتحقق من دون الاعتراف بحقوق الدول الساحلية واعتباراتها الأمنية».

وتتواصل هذه التطورات بالتزامن مع تقارير عن مخاوف بعض العسكريين الأمريكيين من عدم وجود مسار واضح للخروج من الحرب وتراجع مخزونات الذخائر المهمة، وهي تقارير نفتها مسؤولو واشنطن.

وفي نهاية المطاف، يتمثل السؤال الرئيسي في ما إذا كانت التحالفات الجديدة والاتفاقيات الإقليمية المؤقتة ستتمكن من خفض التوتر وإرساء ترتيبات أمنية مستدامة، أم أنها ستؤدي إلى تشكيل اصطفافات جديدة في الشرق الأوسط وزيادة تعقيد الحرب الاستنزافية القائمة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

6 + 10 =

زر الذهاب إلى الأعلى