الصحافة الإيرانية: لماذا رحب معارضو المفاوضات بتغيير أمين المجلس الأعلى للأمن القومي؟

لا ينظر التيار الأصولي في إيران إلى مسألة "رضائي" باعتبارها مجرد تغيير لأمين المجلس الأعلى للأمن القومي، بل يراها فرصة لاختبار مدى توافق حكومة بزشكيان مع القرارات التي يريدها المرشد الإيراني.

ميدل ايست نيوز: أثار تعيين محسن رضائي أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ردود فعل واسعة؛ إذ رحب معارضو التفاوض بوصوله، وتحدثوا عن «اختبار ولاء» لمسعود بزشكيان، بل وطرحوا احتمال إجراء تغييرات لاحقة في البنية العسكرية. وأصبح السؤال أكثر إلحاحًا الآن حول الموازنة التي سيعمل رضائي على تغييرها داخل المجلس الأعلى للأمن القومي.

وحسب تقریر لصحيفة “توسعه إيراني” جاءت ردود فعل المسؤولين الرسميين في معظمها بروتوكولية وداعمة. وحتى الآن، هنأ رئيس السلطة القضائية ورئيس مجلس الشورى وقائد مقر خاتم الأنبياء المركزي والقائد العام للجيش ووزير الدفاع ونائب الرئيس، رضائي على تعيينه.

لكن ردود الفعل في الفضاءين الإعلامي والافتراضي أظهرت منذ الساعات الأولى أن هذا التعيين يحمل بالنسبة إلى التيارات السياسية المختلفة دلالات تتجاوز مجرد تغيير أمين المجلس. فمن جهة، رحبت شخصيات ووسائل إعلام مقربة من التيار الأصولي المتشدد بوصول رضائي، واعتبرت ذلك مؤشرًا على تغيير مسار المجلس الأعلى للأمن القومي، بينما حذرت شخصيات أخرى مقربة من الحكومة والتيار الإصلاحي، مشيرة إلى حساسية المرحلة الجديدة، من تكاليف القرارات وتداعياتها.

وجاءت إحدى أوضح ردود الفعل من جانب التيارات التي عارضت خلال الأشهر الماضية أي اتفاق أو مفاوضات مع الولايات المتحدة. ورافقت تعيين رضائي حالة من الارتياح، بل وحتى الاحتفاء الإعلامي، في القنوات ووسائل الإعلام المقربة من هذا التيار، إذ يرى أنصار هذا الاتجاه أن رحيل ذوالقدر ووصول رضائي يمكن أن يكون مؤشرًا على تغير موازين القوى داخل المجلس الأعلى للأمن القومي.

من حيث المبدأ

ادعى أمير حسين ثابتي، عضو مجلس الشورى وأحد الشخصيات المقربة من جبهة الثبات الثورية، عبر منصة «إكس»، أن مسعود بزشكيان قاوم لفترة أمر المرشد الإيراني باستبدال رضائي بذو القدر. ووصف ثابتي هذا التغيير بأنه «من حيث المبدأ» رقم اثنان، في إشارة مباشرة إلى تصريحات سابقة لرضائي بشأن وجود اختلاف في الرأي على أعلى مستويات صنع القرار.

وفي الوقت نفسه، أعادت أجزاء من التيار المعارض للمفاوضات نشر مقاطع وتصريحات سابقة لرضائي، من بينها تصريح قال فيه إن المرشد عندما يقول «كان لدي، من حيث المبدأ، رأي آخر»، فهذا يعني وجود رأي مختلف عن رأي المجلس الأعلى للأمن القومي. كما عادت تصريحات رضائي بشأن إلغاء مذكرة التفاهم في إسلام آباد إلى واجهة النقاش.

وتكمن أهمية إعادة نشر هذه التصريحات في أن معارضي التفاوض يريدون صياغة رواية سياسية حول تغيير أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، مفادها أن خلافًا في وجهات النظر كان قائمًا خلال وقف إطلاق النار والمفاوضات ومذكرة تفاهم إسلام آباد بين الحكومة وفريق التفاوض وجزء من هيكل السلطة، وأن تغيير ممثل المرشد في المجلس أدى الآن إلى تحول الموازنة لمصلحة التيار الأكثر تشددًا.

كما كتب علي بهادري جهرمي، المتحدث باسم حكومة إبراهيم رئيسي، تعليقًا على التعيين، أن المرشد الإيراني أظهر مرارًا جديته في «إحداث تحول في الحوكمة»، معتبرًا أن «الرسائل كلها واضحة»، وأن على الجميع الاستعداد لمتطلبات هذا التحول.

ارتياح المنبر الإعلامي لجبهة الثبات الثورية

وتناول موقع «رجانيوز»، المنبر الإعلامي لجبهة ثبات الثورة الإسلامية، العلاقة بين إقالة ذوالقدر وملف المفاوضات بصورة أكثر صراحة من غيره. وكتب الموقع في مقال بعنوان «عزل ذوالقدر وكشف كذبة التفاوض والتفاهم الذي كان خدعة للحرب»، أن رحيل ذوالقدر المبكر لا يمكن تقييمه بمعزل عن مسار وقف إطلاق النار والمفاوضات وإقرار مذكرة تفاهم إسلام آباد.

وخلص «رجانيوز» إلى استنتاج سياسي أوسع، إذ كتب أن الأمر اتضح الآن، وأن «ليس كل شيء كان منسقًا مع القيادة، ولم تكن إسلام آباد خطة خداع وحرب». وبالطبع، يمثل هذا الاستنتاج رواية وسيلة إعلام سياسية، لكن أهميته تكمن في أنه يظهر أن تعيين رضائي تحول، حتى داخل المعسكر الأصولي، إلى فرصة لإعادة قراءة الخلافات خلف الكواليس بشأن المفاوضات ووقف إطلاق النار.

اختبار ولاء بزشكيان؛ ضغط مباشر على الحكومة

ونظر الناشط الأصولي هاتف صالحي إلى هذا التغيير من زاوية أخرى، إذ حول المسألة أساسًا إلى اختبار لمسعود بزشكيان، وكتب أنه بعد استقالة محمد باقر ذوالقدر وانضمام محسن رضائي إلى تركيبة المجلس بصفته ممثلًا للمرشد، يتعين على الرئيس أن يقبل استقالة ذوالقدر في أسرع وقت وأن يعلن رضائي أمينًا جديدًا للمجلس.

وأكد صالحي في منشور له أنه من المقرر الاستفادة من قدرات ذوالقدر في منصب آخر، وأن أي تأخير في تغيير أمين المجلس يمكن أن يفرض تكلفة سياسية وإدارية على الحكومة. كما طالب بزشكيان بالابتعاد عن «النصائح غير الصائبة» من المحيطين به، ووصف القرار بأنه «اختبار ولاء» للرئيس.

وتكشف هذه اللغة عن نقطة مهمة في المشهد السياسي الإيراني بعد تعيين رضائي؛ إذ إن جزءًا من التيار الأصولي لا ينظر إلى المسألة باعتبارها مجرد تغيير لأمين المجلس الأعلى للأمن القومي، بل يراها فرصة لاختبار مدى توافق حكومة بزشكيان مع القرارات التي يريدها المرشد الإيراني.

خلف الكواليس

وقدم الناشط الأصولي علي قلهكي رواية مختلفة وأكثر تفصيلًا لمسار هذا التغيير. وقال إنه بعد مقتل علي لاريجاني، اقترح بزشكيان خيارين لتولي أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، هما محمد باقر ذوالقدر ومحسن رضائي. وأضاف قلهكي أنه نظرًا إلى ميل الحكومة بدرجة أكبر نحو ذوالقدر، صدر في نهاية المطاف قرار تعيينه أمينًا للمجلس.

وبحسب روايته، تولى ذوالقدر أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي من 24 مارس إلى 9 أغسطس 2026، وخلال هذه الفترة ظهرت انتقادات بشأن أدائه. كما ادعى قلهكي أن مسألة استبدال ذوالقدر أو استقالته كانت مطروحة منذ أكثر من شهر، وأن أداءه تعرض لانتقادات في بعض القضايا المرتبطة بالتطورات الأمنية والأحداث المتعلقة بمضيق هرمز.

والأهم من ذلك، ادعى قلهكي أن قرار تعيين رضائي ممثلًا للمرشد وتوليه أمانة المجلس كان قد حُسم قبل فترة طويلة، لكن الخلاف داخل الحكومة بشأن استبدال ذوالقدر أدى إلى تأخير تنفيذه. كما أشار إلى مقابلة بزشكيان الأخيرة، معتبرًا أنها تؤكد وجود خلاف في هذا الشأن.

هل ازدادت قوة أنصار الحرب؟

يتعلق أحد المحاور المهمة الأخرى لردود الفعل بسجل محسن رضائي نفسه ومواقفه. فبالنسبة إلى قطاع كبير من التيار الأصولي العسكري، يعد رضائي شخصية ذات تاريخ طويل في البنية الأمنية والعسكرية للجمهورية الإسلامية، إذ تولى لسنوات قيادة الحرس الثوري.

وقال قلهكي إن بعض مواقف رضائي الحازمة بعد الحرب الأخيرة فُسرت خطأ في أجزاء من الحكومة على أنها ترحيب باندلاع حرب جديدة، وهو ما أدى إلى ظهور معارضين له داخل الحكومة. ويثير عودة رضائي الآن إلى مركز صنع القرار الأمني لدى معارضيه مخاوف من زيادة وزن المقاربة العسكرية في السياسة الخارجية والأمنية.

في المقابل، يرى أنصار رضائي في هذا السجل تحديدًا نقطة قوة، ويعتقدون أن شخصًا يمتلك خبرة في قيادة القوات خلال الحرب وحضورًا لسنوات في المستويات العليا للأمن، يمثل خيارًا مناسبًا للظروف المتوترة الراهنة.

تحذيرات

لكن مقالة حسام الدين آشنا، مستشار الرئيس خلال حكومة حسن روحاني، جاءت بنبرة مختلفة وسط ردود الفعل المتباينة. وكتب آشنا، من دون الإشارة مباشرة إلى رضائي أو إلى شخص بعينه: «لأنك لا تملك الحق في ارتكاب خطأ تحليلي واحد، فعليك أن تكون شديد الحذر. لأن شعبًا بأكمله سيدفع ثمن خطئك، فعليك أن تكون شديد الحذر. ولأن عدة أجيال ستدفع ثمن عدم اتخاذك القرار، فعليك أن تكون شديد الحذر».

ويمكن اعتبار هذه الرسالة تحذيرًا غير مباشر من حساسية عملية صنع القرار داخل المجلس الأعلى للأمن القومي في الظروف الراهنة. فالمجلس مؤسسة تنسق السياسات الدفاعية والأمنية للبلاد، ووفقًا للمادة 176 من الدستور، يتولى رئيس الجمهورية رئاسته.

وهنا، لا تقتصر أهمية تغيير أمين المجلس على شخصية الشخص المعين، بل تتمثل المسألة الأساسية في الدور الذي ستؤديه أمانة المجلس خلال المرحلة الجديدة في تحديد الأولويات الأمنية والسياسة الخارجية وكيفية التعامل مع التهديدات الخارجية.

المجلس الأعلى للأمن القومي على أعتاب مرحلة مختلفة

وقد أوضحت ردود فعل جبهة ثبات الثورة والأصوليين المعارضين للتفاوض إلى حد كبير موقفهم؛ إذ يرون في هذا التغيير مؤشرًا على الابتعاد عن المسار الذي أفضى إلى المفاوضات ومذكرة تفاهم إسلام آباد. وفي المقابل، تركز تحذيرات آشنا والمخاوف التي أثارها منتقدو الحكومة على تكلفة القرارات الأمنية ومخاطر الخطأ في الحسابات.

وبذلك، يعود محسن رضائي إلى المجلس الأعلى للأمن القومي في وقت أصبح فيه هذا المجلس أكثر من أي وقت مضى في قلب عملية صنع القرار بشأن مستقبل السياسة الخارجية والمفاوضات ووقف إطلاق النار واحتمال تجدد المواجهة. وقد يبدو تغيير أمين المجلس، على الورق، مجرد قرار إداري، لكن ردود الفعل الواسعة عليه تظهر أن هذا التغيير يُنظر إليه داخل هيكل السلطة باعتباره مؤشرًا على تحول في موازين صنع القرار الأمني.

اقرأ ايضا

كيف قرأ الإعلام الإسرائيلي تعيين محسن رضائي أميناً لمجلس الأمن القومي الإيراني؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 + ستة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى