انعدام اليقين في إيران… غموض المستقبل يفاقم الضغوط النفسية

ترهق حالة الغموض وانعدام اليقين السائد حالياً غالبية الإيرانيين، إذ لا توجد قناعة بقرب انتهاء الحرب، أو إقرار السلام، أو حتى هدوء حقيقي.

ميدل ايست نيوز: ترهق حالة الغموض وانعدام اليقين السائد حالياً غالبية الإيرانيين، إذ لا توجد قناعة بقرب انتهاء الحرب، أو إقرار السلام، أو حتى هدوء حقيقي.

استمرت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، لمدة أربعين يوماً، وتوقفت بهدنة الثامن من إبريل/نيسان، ثم تواصلت بعد ذلك على شكل هجمات محدودة متقطعة، لكن آثارها النفسية تثقل كاهل المجتمع الإيراني الذي يعيش حالة ترقب دائمة لتصعيد جديد.

لا ينعكس هذا الوضع بالدرجة نفسها على جميع أفراد المجتمع البالغ عددهم 90 مليوناً، فمن عاشوا تجربة الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، يبدون قدرة احتمال أكبر نسبياً، فيما يختلف الأمر بالنسبة إلى شريحة الشباب التي تشكل غالبية السكان.

يرى الإيراني سعيد أحمدي (70 سنة) أن حالة عدم اليقين الحالية لم تكن موجودة خلال الحرب العراقية الإيرانية، كما أن الغلاء والتضخم الحاليان يجعلان الضغوط المعيشية أكبر وطأة. ويوضح: “ابني فقد عمله خلال الحرب الأخيرة، وهو المعيل لأسرته، وكثيرون مثله يواجهون وضعاً مشابهاً، فالبطالة أخلت بالأمان النفسي لأسر كثيرة فقد معيلوها وظائفهم. قدرتي الشرائية كوني متقاعداً تراجعت إلى النصف مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، ما فرض ضغطاً نفسياً علي وعلى زوجتي، كما أصبحت عاجزاً عن تأمين الأدوية والاحتياجات الأساسية، ولا أستطيع بالطبع مساعدة ابني العاطل”.

وقالت نيزا، وهي طالبة هندسة تقيم في طهران، إن “عدم معرفة ما قد يحدث في اليوم المقبل، وتوقع إطالة أمد الحرب يعوقان القدرة على التخطيط المستقبلي. الكثير من الشباب يعيشون الحالة نفسها، وبات التركيز منصباً على تجاوز هذه المرحلة، فدرجة الغموض بلغت حد عدم معرفة ما إذا كانت الجامعات ستفتح أبوابها في بداية العام الدراسي المقبل، أم أن التعليم سيعود بالصيغة الافتراضية. أفكر حالياً في الهجرة، وسأغادر إذا سنحت لي فرصة مناسبة”.

في المقابل، يرى جواد فتحي أنه يجب تحمل هذه الظروف، وأن البلاد تعرضت للعدوان لكنها تمكنت من إفشال مخططات الأعداء. ويؤكد أن “الحفاظ على مستقبل إيران يتطلب الصمود، وإلا فإن أعداءها لن يتركوا لها أياً من مقومات المستقبل. حالة عدم اليقين الحالية ترتبط بصعوبات المرحلة، وبكون البلاد تواجه قوة عظمى، والمقاومة لا تعني المواجهة المسلحة فقط، بل تشمل أيضاً مواجهة الضغوط النفسية”.

في السياق الرسمي، قال نائب وزير الداخلية الإيراني رئيس منظمة الشؤون الاجتماعية، محمد بطحائي، في 16 یونیو/حزيران الماضي، إن 60% من الناس لا يملكون أملاً في تحسن الأوضاع قريباً، مضيفاً أن التطورات الاجتماعية يمكن أن تؤثر بسرعة في مشاعر الانسجام والانتماء والتضامن الاجتماعي.

من جهته، أعلن رئيس منظمة الرعاية الاجتماعية جواد حسيني، في 20 مايو/ أيار الماضي، بدء تنفيذ الخطة الوطنية لقياس الصحة النفسية، وقال إن التركيز على الصدمة التالية للحرب أصبح من الأولويات الرئيسية لمؤسسات وهيئات مختلفة في البلاد، وإن الحرب، رغم ما حملته من مرارة وظلم، أوجدت أيضاً فرصاً دفعت أجهزة مختلفة إلى تنسيق وتعاون واسعين.

وأوضح حسيني لوكالة إيسنا، أن “مسحاً أُجري في أوساط كبار السن شمل 2500 شخص، وأظهرت نتائجه أن أبرز تبعات الحرب عليهم تمثلت في التوتر والقلق والخوف، وأن هذه المشكلات فاقت فيها أثر الأزمات الاقتصادية بنحو الضعفين”. وأضاف أن “70% من كبار السن أفادوا بأن قلق الحرب أثر فيهم، فيما تحدث 48% عن تراجع جودة النوم، وأفاد 78% بانخفاض شعورهم بالأمان في أماكن سكنهم. أظهرت النتائج ارتفاع مستويات القلق في عدة شرائح متوسطة وضعيفة من حيث الدخل، فيما برز الشعور بانعدام الأمان بصورة أكبر في الشرائح الأعلى، والنساء المسنات اللواتي يعشن وحدهن كن الفئة الأكثر هشاشة”.

وتابع حسيني أن “مسحاً وطنياً ثانياً استهدف الفئات المشمولة بخدمات منظمة الرعاية الاجتماعية، وبينها الأشخاص ذوو الإعاقة، والنساء المعيلات، والأطفال المشمولون بالدعم، والأشخاص الذين يعالجون من الإدمان، وأظهرت نتائجه أن نحو 70% منهم شهدوا ارتفاعاً في مستويات القلق، وكانت النسبة الأعلى بين النساء المعيلات لأسر، كما أفاد نحو 50% بتراجع شعورهم بالأمان. هذه النتائج تؤكد أن التدخل المبكر في مجالي الصحة النفسية والرعاية الاجتماعية يمثلان ضرورة لا يمكن تجاهلها بعد انتهاء الحرب”.

من جانبه، أكد الطبيب النفسي الإيراني أمير حسين جلالي ندوشن، لـ “العربي الجديد”، أن “استمرار التهديدات وغموض المستقبل قد يكونان نفسياً أشد استنزافاً من الحرب نفسها. يعيش المجتمع في حالة ترقب، وحين لا يعرف الناس ما إذا كان هجوم آخر سيقع، أو ما إذا كانت المفاوضات ستنجح، أو كيف سيكون الوضع الاقتصادي والمعيشي خلال الأشهر المقبلة، يتعرضون لحالة استنفار جسدي ونفسي طويلة، وينعكس هذا في القلق، واضطرابات النوم، وسرعة الاستثارة، وتراجع التركيز، والشعور بانعدام الأمان، إلى جانب زيادة الخلافات الأسرية، كما قد يدفع بعض الأشخاص إلى الإفراط في استخدام المهدئات، بينما تكون الوطأة أشد على من لديهم تاريخ مع الاكتئاب أو القلق أو اضطرابات نفسية أخرى”.

وشدد على أن “هذه المشاكل لا تعني بالضرورة الإصابة بأمراض نفسية، إذ إن جانباً كبيراً منها هو رد فعل مفهوم على انعدام الأمان، وتراجع القدرة الشرائية، والتهديد الوظيفي، واضطراب الخدمات، والقلق على الأبناء. العوامل الاجتماعية والاقتصادية لا تقل أهمية عن العوامل النفسية الفردية. لكن لا يمكن الحديث عن نفسية المجتمع الإيراني بوصفها كتلة واحدة، لأن مستوى التأثر يختلف بحسب العمر، والجنس، ومكان السكن، والوضع الاقتصادي، والتعرض المباشر للهجمات، وفقدان الأقارب، والدعم العائلي والاجتماعي. الأشخاص الأكثر عرضة للخطر النفسي عادة هم الأطفال والمراهقون والمسنون، والعائلات المفجوعة، ومن فقدوا مساكنهم أو أعمالهم، والمرضى النفسيون”.

وأشار الطبيب النفسي الإيراني إلى دراسة نوعية اعتمدت على تجارب علماء النفس الذين قدموا خدمات للمتضررين بعد حرب يونيو/حزيران 2025، أظهرت أن تدمير المنازل يمثّل انهياراً للأمان النفسي والاجتماعي، وأن الحاجات المادية والمأوى تتقدم على التدخلات النفسية. وأوضح أن “خط الاستشارات الوطنية للأزمات فُعّل خلال حرب 2026، والبيانات الأولية أظهرت وصول متوسط الاتصالات اليومية إلى نحو 1600 اتصال، ما يعكس حاجة واسعة إلى الدعم النفسي، من دون أن يعني ذلك بالضرورة زيادة معدل انتشار الاضطرابات النفسية في المجتمع”.

وفي ما يخص صمود المجتمع، قال جلالي ندوشن إن “الحروب الحديثة لا تستهدف المعدات والبنى العسكرية فقط، بل تمس أيضاً الثقة العامة والتماسك الاجتماعي والشعور بالأمان والقدرة على التخطيط للمستقبل، وإضعاف المعنويات، وخلق الغموض، وتضخيم المعلومات المتناقضة، وتشديد الضغوط الاقتصادية، وتعطيل الحياة اليومية، كلها عوامل من شأنها إضعاف قدرة المجتمع على المقاومة. لكن ينبغي التفريق بين الآثار النفسية للحرب، وبين وجود قصد مثبت لاستهداف نفسية المجتمع، إذ لا يمكن اعتبار كل أثر اقتصادي أو إعلامي أو نفسي جزءاً من مخطط متعمد من دون معلومات موثوقة عن نيات الأطراف المتحاربة، رغم الإقرار بأن استمرار الحرب والتهديدات وعدم الاستقرار يرهق المجتمع وصموده النفسي”.

وأكد أن “حماية الصمود لا تعني مطالبة الناس بالمزيد من التحمل، بل تقليل التهديدات، وإنهاء الغموض، والإبقاء على مسارات موثوقة لدبلوماسية خفض التصعيد، وجعل الحياة اليومية أكثر قابلية للتوقع، وضمان أن يشعر الناس بأن كرامتهم وأمنهم واحتياجاتهم الأساسية تؤخذ بجدية في مواقع صنع القرار”.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية − سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى