إمدادات النفط العراقي لتركيا… الفرص والتحديات

كشف المدير العام لشركة نفط البصرة باسم عبد الكريم عن خطة طموحة تستهدف تصدير مليون برميل من النفط الخام يومياً عبر المنافذ التركية والسورية.

ميدل ايست نيوز: لا تزال الطاقة، وفي القلب منها النفط والغاز الطبيعي، عصب الحضارة الحالية، ولم يظهر بديل بعد للنفط والغاز الطبيعي على الرغم من الجهود المبذولة منذ عقود، والحديث المتكرر عن قرب استغناء العالم عن النفط ونشاهد حالياً كيف تربك أسعار النفط والغاز حسابات الاقتصاد العالمي، مع استمرار التوتر والمخاطر الجيوسياسية حول العالم، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وأوكرانيا.

وقبل أيام، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن توصل بلاده إلى اتفاق تاريخي مع العراق يلتزم بموجبه الجانب العراقي بتزويد تركيا بمليون برميل من النفط الخام يومياً، وذلك عقب مباحثات أجراها في أنقرة مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي. وكشف أردوغان أن بلاده تسعى إلى توقيع اتفاقية شاملة للتعاون في مجال الطاقة مع العراق في أقرب وقت ممكن، مشيراً إلى أن الزيدي عرض تزويد تركيا بمليون برميل من النفط يومياً. وخلال المؤتمر الذي أعقب المباحثات سأل أردوغان، الزيدي، عن إمكانية تزويد العراق تركيا بمليون برميل نفط يومياً، ليجيبه الزيدي: “نعم، صحيح”.

وأعقب تلك الخطوة توقيع العراق وتركيا اتفاقاً لمدة عام واحد في بداية أغسطس/ آب 2026 لضمان استمرار تشغيل خط أنابيب النفط الرابط بين البلدين، وتصدير ما لا يقل عن 750 ألف برميل يومياً إلى ميناء جيهان التركي، وذلك لتخفيف أزمات الإمدادات وتجاوز اختناقات التصدير الإقليمية. كما كشف المدير العام لشركة نفط البصرة باسم عبد الكريم عن خطة طموحة تستهدف تصدير مليون برميل من النفط الخام يومياً عبر المنافذ التركية والسورية.

واحتفى الإعلام التركي بنتائج زيارة الزيدي الأخيرة أنقرة وتوقيع عدة اتفاقيات. ولعل أهم أسباب الاحتفاء، هو الإعلان عن إمكانية تقديم العراق لتركيا الإمدادات النفطية، في الوقت الذي يمر فيه العالم بمشكلات كبيرة تخص سلاسل الإمداد الخاصة بالطاقة، بسبب استمرار الحروب والنزاعات التي أوجدت مشكلات كبيرة في قطاع الطاقة، سواء في ما يتعلق بارتفاع الأسعار، أو ضمان استمرار الإمدادات.

ومن أكبر المزايا التي يمكن أن تحصل عليها تركيا من هذا الاتفاق، إذا دخل حيز التنفيذ قريباً، ضمان استمرار الإمداد النفطي اللازم دون الاحتياج لمصادر أخرى، وبخاصة أن المصادر الأخرى التي تعتمد عليها تركيا بشكل كبير، ومن أبرزها روسيا، تعاني من عقوبات اقتصادية -من أميركا وأوروبا- بسبب الحرب على أوكرانيا منذ فبراير/ شباط 2022.

ومن المزايا المتممة للاتفاق -حال تنفيذه- على الصعيد الأمني، أن تركيا سوف تكون أكثر حرصاً على تحقيق الأمن داخل العراق لضمان وفائها بالتزاماتها في الاتفاق، فحصول تركيا على مليون برميل نفط يومياً، يؤمن لها سد العجز في احتياجاتها من النفط، من الخارج.

واقع أداء قطاع الطاقة في تركيا

من المعلوم عن تركيا، أنها تعاني من نقص حاد في الطاقة، وتعتمد على الاستيراد من الخارج، وحسب أرقام صادرة عن موقع الطاقة التركية، فإن فاتورة واردات البلاد من الطاقة في عام 2025 بلغت 47 مليار دولار، تمثل واردات النفط منها 47%، وواردات الغاز الطبيعي 43%، وواردات الفحم 10%.

وتعتمد تركيا على الوقود التقليدي (النفط، والغاز، والفحم) بنسبة 87% من استهلاكها، كما تعتمد على الطاقة المتجددة والنووية بنسبة 13%. وتعد روسيا من أكبر موردي الطاقة لتركيا، حيث تحصل على 66% من احتياجاتها من النفط من روسيا، وعلى 41% من احتياجاتها من الغاز من روسيا أيضاً، ويشارك روسيا في إمداد تركيا بالنفط والغاز كل من أذربيجان والعراق وإيران والجزائر.

ويظهر فقر تركيا في مجال الطاقة من خلال البيانات الخاصة بالإنتاج والاستهلاك لكل من النفط والغاز، ففي حين يبلغ إنتاج الغاز الطبيعي في تركيا 3.11 مليارات متر مكعب يومياً، فإن استهلاكها يبلغ 57.8 مليار متر مكعب يومياً، أي أن العجز يصل إلى نحو 54 مليار متر مكعب يومياً. أما في مجال إنتاج النفط بتركيا، فيصل إنتاجها إلى 120 ألف برميل يومياً، بينما يصل استهلاكها إلى 1.107 مليون برميل يومياً، ويصل العجز إلى نحو 987 ألف برميل يومياً.

الفرص التي يتيحها الاتفاق

تلتقي مصالح الدولتين في كثير من المجالات، ولذلك سعتا إلى توقيع اتفاقيات تخص مشروع طريق التنمية الذي يضم ثلاثة مجالات هي (الطاقة والتجارة والنقل)، وحالياً يمثل وجود خط أنابيب كركوك – جيهان منفذاً مهماً لنقل النفط العراقي إلى الخارج، بعدما تضررت صادرات النفط العراقية بشكل كبير بسبب تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وتبلغ سعة خط كركوك جيهان نحو 1.5 مليون برميل يومياً، بينما المنفذ حالياً 170 ألف برميل فقط يومياً. ويفتح مجال اتفاق النفط الجديد بين تركيا والعراق ملفات مهمة لمصلحة البلدين تتمثل في إمكانية إنشاء خط أنابيب آخر لنقل نفط البصرة عبر البحر المتوسط إلى تركيا، وهو ما يسهل تنفيذ الاتفاق من جهة، ويمنع من جهة أخرى مخاطر توقف أو تعطيل تصدير النفط العراقي إلى العالم الخارجي. وبداية الشهر الجاري، أعلن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار أن تركيا والعراق وقعا اتفاقاً لمدة عام واحد لضمان الاستخدام الفعال ‌لخط أنابيب النفط الخام بين البلدين والمؤدي إلى ميناء جيهان.

وبعض التقديرات تذهب إلى أن إيرادات العراق النفطية تضررت بشكل كبير خلال الأشهر القليلة الماضية، بسبب الحرب الأميركية على إيران، فقد تراجعت الإيرادات النفطية الشهرية للعراق إلى ملياري دولار، بعدما كانت بحدود ستة مليارات دولار قبل الحرب.

وكما نعلم أن العراق يعتمد بشكل كبير على الإيرادات النفطية، وتراجع هذه الإيرادات يربك الوضع المالي لها، ويعرضها لمشكلات كبيرة تتعلق بتنفيذ موازنتها الداخلية، وبخاصة ما يتعلق بالمرتبات ومصروفات التشغيل للمؤسسات الحكومية.

أما تركيا، فتنفيذ الاتفاق يسمح لها بوضع أكثر أريحية في إدارة ملف الطاقة بعيداً عن التهديدات العالمية، وما يعتري أسواق النفط من مشكلات ارتفاع الأسعار وتعطل الإمدادات. ومن جهة أخرى، فإن السعي لإنشاء خط أنابيب جديد لنقل نفط البصرة مروراً بتركيا، يعني فرصة للشركات النفطية التركية للاستثمار في قطاع الطاقة داخل العراق، ليكون لها نصيب مع الشركات الأجنبية الأخرى الموجودة هناك على مدار العقود الماضية مثل الشركات الأميركية والأوروبية والروسية، وأخيراً الشركات الصينية. وأيضاً من شأن تنفيذ الاتفاق النفطي بين تركيا والعراق أن يساعد البلدين في الوصول لطموح رفع قيمة التبادل التجاري بينهما إلى 30 مليار دولار، الذي أعلن أنه هدف لهما، مقابل 17 مليار دولار فقط حالياً.

الاستقرار السياسي أبرز التحديات

من أبرز التحديات التي تواجه اتفاق تقديم العراق للإمدادات النفطية لتركيا، هو الاستقرار السياسي في العراق، فخريطة العراق السياسية تعاني من وجود بارز لقوى إقليمية ودولية، ومن هنا فكل من العراق وتركيا أمام العمل على مراعاة مصالح تلك القوى، أو العمل على استقلال العراق بحيث يكون قراره السياسي والاقتصادي بيده.

الأمر الآخر، هو أن تراعى مصالح البلدين في كل الملفات، وليس مشروع طريق التنمية فقط (النفط والتجارة والطاقة)، لكن هناك ملفا مهما بالنسبة للعراق وهو المياه، حيث يُعتبر العراق دولة مصب للأنهار التي تنبع في تركيا، وقد مر العراق بأزمة مياه على مدار السنوات الماضية، وبالتالي لا بد من الوصول إلى حلول دائمة لقضية المياه بين البلدين.

ومما يضمن نتائج أفضل للعلاقة بين تركيا والعراق بشكل عام، وتحقيق أهداف مشروع طريق التنمية، وفي القلب منه التعاون النفطي، أن يتخلص العراق من الفساد الذي يضرب بأطنابه الحياة العامة، ولعلنا شاهدنا أخيراً ما نشرته وسائل الإعلام عن فساد بعض أعضاء البرلمان لحيازتهم ملايين الدولارات والذهب من دون وجه حق، ومن قبلهم وزراء ومسؤولون حكوميون ثبت تورطهم في قضايا فساد معلنة من جهات محلية، وإبرام الاتفاق النفطي الأخير وتنفيذه عبر قنوات تتسم بالشفافية، من شأنهما أن تحقق مصالح كبيرة للدولة العراقية.

استدامة العلاقة بين البلدين

الاتفاق الذي أعلن عنه لمد العراق تركيا بمليون برميل نفط يومياً، أتى في إطار الأزمة التي تمر بها المنطقة، من حروب ونزاعات، والعلاقة بين تركيا والعراق تاريخية ولهما مصالح مشتركة تتجاوز الملفات الاقتصادية على الرغم من أهميتها، ومن هنا فالأفضل للبلدين أن تكون هناك رؤية واستراتيجية للعلاقة بينهما تمتد لعقود طويلة، تعتمد على تبادل المصالح وتنميتها، وليس استدعاء العلاقة إبان الأزمات فقط. فهل ستعمل الدولتان ليكون الاتفاق النفطي الأخير مقدمة لعلاقة دائمة؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 + 17 =

زر الذهاب إلى الأعلى