جدل البنزين في إيران

عاد البنزين، ولا سيما خلال الأيام الأخيرة، إلى صدارة الجدل في إيران، في ظل توجّه حكومي نحو زيادة أسعاره.

ميدل ايست نيوز: عاد البنزين، ولا سيما خلال الأيام الأخيرة، إلى صدارة الجدل في إيران، في ظل توجّه حكومي نحو زيادة أسعاره. وعادة ما تتجنب الحكومات الإيرانية الاقتراب من هذا الملف، لحساسيته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وسرعة اشتعاله في الشارع.

تجد الحكومة الإيرانية نفسها أمام خيار اضطراري لرفع أسعار الوقود، إذ لم تعد القضية مجرد معالجة تقنية للفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، لكن القرار في ظل الحرب والحصار والأزمة الاقتصادية، صار في حكم معادلة بالغة الحساسية تضع ضرورات الإصلاح المالي في مواجهة مع مقتضيات الأمن الداخلي والاستقرار الاجتماعي.

تبدأ المعضلة بأرقام يصعب تجاهلها. فالإنتاج اليومي من البنزين يستقر عند نحو 121 مليون ليتر، في حين يتراوح الاستهلاك بين 139 مليوناً و144 مليون ليتر، ما يترك عجزاً يومياً يراوح بين 18 مليوناً و23 مليون ليتر. ويصعب سد هذا العجز عبر الاستيراد في ظل الحصار البحري، كما أنه يفرض عبئاً مالياً على موازنة الدولة، في وقت تتراجع فيه مواردها المالية وتزداد الحاجة إلى توجيه ما يتاح منها نحو قطاعات أكثر أولوية.

تُتيح إيران البنزين لمواطنيها بأرخص الأسعار عالمياً، إذ تعتمد حالياً نظاماً ثلاثي الأسعار: الأول 15 ألف ريال لليتر (0.008 دولار) ضمن حصة 60 ليتراً شهرياً لكل مركبة، والثاني 30 ألف ريال (0.016 دولار) لحصة 50 ليتراً، والثالث 50 ألف ريال (0.027 دولار) من دون قيود كمية باستثناء المناطق الحدودية.

وفي مسعى لإضافة سعر رابع مع تخصيص السعر الثالث لخمسين ليتراً في الشهر فقط، أجرت الحكومة اختباراً ميدانياً في محافظة كرمان، طرحت فيه سعراً بلغ 872000 ريال لليتر (0.45 دولار)، وهو ما يعادل أكثر من 17 ضعفاً لأعلى سعر حالي. وقد أثارت هذه الخطوة مخاوف واسعة في الشارع، مما دفع السلطات إلى التراجع عن هذا الاختبار.

المنطق المالي واضح: خفض الاستهلاك، وتقليص الدعم، والحد من استنزاف الموارد الوطنية. لكن الحكومة، رغم إدراكها أن البنزين الرخيص يشجع الهدر والتهريب إلى دول الجوار (10 ملايين لتر يومياً) والاستهلاك المفرط، لا تزال عاجزة عن إجراء جراحة اقتصادية، بسبب خشيتها من التداعيات الاجتماعية، حيث يمكن أن يتحول أرخص بنزين في العالم إلى أكثره كلفة اجتماعياً وأمنياً، إذ إن أي زيادة في سعره تنتقل سريعاً إلى النقل والسلع والخدمات، وتطلق موجة تضخمية جديدة في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية. وهنا يستعاد شبح احتجاجات عام 2019 التي أشعلتها زيادة أسعار الوقود، فضلاً عن الاحتجاجات الاقتصادية في يناير/كانون الثاني 2026، التي تحولت إلى أكثرها دامية في البلد ما عزز لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرهان على أن الحرب بالتزامن مع الاضطراب الداخلي يتيح إنهاء حكم الجمهورية الإسلامية وهو ما لم يحصل. لذلك، لن تكون أي احتجاجات جديدة مجرد غضب معيشي، بل أزمة قابلة للاستغلال الخارجي في ظرف الحرب. وتجد الحكومة نفسها أمام خيارين قاسيين: إبقاء الأسعار المتدنية وتحمل العجز والهدر، أو رفعها والمجازفة بالتضخم والاحتقان.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر − 17 =

زر الذهاب إلى الأعلى