مهلة الـ60 يوماً بين طهران وواشنطن تنتهي غداً بدون اتفاق… ماذا بعد؟

تنتهي غداً الاثنين مهلة الستين يوماً، المنصوص عليها في مذكرة التفاهم المؤلفة من ثلاثة عشر بنداً بين إيران والولايات المتحدة

ميدل ايست نيوز: تنتهي غداً الاثنين مهلة الستين يوماً، المنصوص عليها في مذكرة التفاهم المؤلفة من ثلاثة عشر بنداً بين إيران والولايات المتحدة، والتي كانت قد وقعت في 18 يونيو/حزيران الماضي، وهي مذكرة لم تعش فعلياً سوى ثلاثة أسابيع، بعدما تخلى الطرفان عن التزاماتهما في ظل اتهامات متبادلة بانتهاك بنودها.

وبذلك لم تنفذ المذكرة، ولم تبدأ خلال مهلة الستين يوماً أي مفاوضات بشأن قضايا الاتفاق النهائي كما نصت عليه، بل تراجعت الأوضاع إلى الخلف، إذ أغلقت طهران مضيق هرمز احتجاجاً على محاولة الولايات المتحدة إنشاء مسار ملاحي بديل للمسار الإيراني، فيما أعادت واشنطن فرض الحصار البحري.

ما الذي سيحدث بعد انتهاء المهلة؟

ومع انتهاء مهلة الشهرين المنصوص عليها في المذكرة للتفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات وقضايا أخرى، وبعد أن أصبحت المذكرة بحكم الملغاة وغير المنفذة، يبرز السؤال حول ما الذي سيحدث بعد هذا التاريخ؟

ويأتي ذلك في وقت يختلف فيه الطرفان بشأن تفسير هذه المهلة، إذ يعتبر الجانب الأميركي أن انتهاءها يعني نهاية وقف إطلاق النار، بينما تقول إيران إن المذكرة كانت تتعلق بإنهاء الحرب وليس بوقف إطلاق النار. وكانت الهدنة قد دخلت حيز التنفيذ في الثامن من إبريل/نيسان الماضي لمدة أسبوعين، قبل أن تمدد تلقائياً من دون اتفاق جديد، في حين لم يرد في مذكرة التفاهم أي حديث عن هدنة، بل أكد بندها الأول إنهاء الحرب في جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان.

وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مقابلة أمس السبت، إن ما ورد في مذكرة تفاهم إسلام أباد كان “إنهاء الحرب” وليس “وقف إطلاق النار”، مضيفاً أن الولايات المتحدة انتهكت هذه المذكرة وأن الاشتباكات استؤنفت مجدداً، وبالتالي لم يكن هناك ما يسمى بوقف إطلاق نار لمدة ستين يوماً يحتاج إلى تمديد.

وأضاف عراقجي أن الولايات المتحدة خرقت مذكرة التفاهم، وأن إيران شهدت مجدداً استئناف الهجمات، لكنه أوضح أنه “لم يكن لدينا وقف لإطلاق النار حتى يجري تمديده، بل كان هناك إنهاء للحرب، إلا أن الوضع اكتسب الآن طابعاً جديداً”. وتابع أن مهلة الستين يوماً التي جرى الحديث عنها كانت مهلة مخصصة للتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي. وأشار إلى أن الوسطاء، سواء قطر أو باكستان، يواصلون تبادل الرسائل وهم على اتصال مع طهران، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني إطلاقاً وجود مفاوضات، مضيفاً أن قراراً لم يتخذ بعد بشأن استئناف التفاوض مع الولايات المتحدة.

وفي ما يتعلق بالمحادثات بين إيران وسلطنة عمان، أوضح عراقجي أن هذه المفاوضات مستمرة، لكنها منفصلة تماماً عن الملف الأميركي، واصفا إياها بأنها نقاش فني وتقني يتعلق بتحديد الخطوط البحرية في مضيق هرمز لتنظيم عبور السفن.

لا حل يلوح في الأفق

ويرى الخبير الإيراني مهدي ملكي، أن مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن “كانت بمثابة إنجاز دبلوماسي كان من الممكن المضي به إلى الأمام والبناء عليه، لكن المشهد الراهن يكشف غياب أي بارقة أمل من الجانب الأميركي، إذ انتهت المذكرة في الواقع مع توقف تنفيذها وإعادة فرض الحصار ومحاولة فتح مسار جديد في مضيق هرمز وتنفيذ هجمات أخرى”.

وأضاف أن المذكرة كان يفترض أن تقود إلى وقف الحرب في إيران وفي ساحات المنطقة كافة، وأن يفتح مضيق هرمز لمدة شهر لتعود حركة الملاحة إلى سابق عهدها، إضافة إلى عودة الأصول الإيرانية وبحث ملف العقوبات المفروضة على طهران.

وتابع أنه كان من المقرر خلال مهلة شهرين إجراء مفاوضات بين الطرفين بشأن الملف النووي ورفع العقوبات، غير أن ذلك لم يتحقق على أرض الواقع، لا على صعيد وقف الحرب ولا على صعيد فتح الممر البحري ولا على صعيد عودة الأصول، لأن الولايات المتحدة حسب قوله خالفت البند الخامس من المذكرة بعد ثلاثة وعشرين يوما من توقيعها، مشيراً إلى أن ذلك البند كان ينص على أن تتفاوض إيران وعمان في إدارة مضيق هرمز وإدارة حركة السفن فيه، وهو ما قبلته واشنطن وما زالت تلك المفاوضات قائمة مع تحقيق تقدم في هذا المسار.

وأشار ملكي إلى أن الجانب الأميركي أطلق “الممر الجنوبي” ووجه بعض السفن إلى العبور منه مع إطفاء أجهزة تحديد المواقع لديها، ما دفع إيران بطبيعة الحال إلى الرد وإغلاق مضيق هرمز مرة أخرى، موضحاً أن البند العاشر المرتبط بالعقوبات النفطية خُرق كذلك.

التفكير الإيراني لما بعد المذكرة

وفي ما يتعلق بالخطة الإيرانية لما بعد مهلة الشهرين، قال ملكي إن إيران أعلنت ستة شروط عبر المجلس الأعلى للأمن القومي، مؤكدة أنها لن تجري أي مفاوضات مع الطرف الأميركي ما لم تتحقق تلك الشروط، ورأى أن كفة التوتر العسكري المحدود بين الطرفين ترجح على المسار الدبلوماسي في ظل النهج الأميركي القائم على التصعيد والمطالب المفرطة، مشيراً إلى أن احتمال وقوع توتر عسكري محدود بين الجانبين يظل أقرب من تحقق أي اختراق دبلوماسي في الوقت الراهن.

ولفت الخبير الإيراني إلى أن دول المنطقة تواصل بذل جهود معلنة وخفية لإحياء مذكرة إسلام أباد، غير أن احتمال نجاح تلك الجهود “ضعيف”، وإن كانت التجارب في تعقيدات العلاقات الدولية تظهر أن بعض الأمور ذات الاحتمالات المتدنية قد تتحقق في بعض الأحيان، وأكد أنه يتحدث عن الاحتمالات فحسب وأن فرصة إحياء المذكرة تبقى “ضئيلة”، في وقت تبقى فيه المنطقة أمام مرحلة حساسة تتطلب متابعة دقيقة في غياب أفق واضح لعودة التفاوض قبل تحقق الشروط الإيرانية.

شروط إيرانية ستة

وفي الثامن من الشهر الجاري، أكد الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محمد باقر ذو القدر في رسالة أن مضيق هرمز لن يُفتح ما لم تصحح الولايات المتحدة سلوكها، موضحاً أن المجلس لن يتراجع، سواء في الحرب أو في المفاوضات.

وتتمثل معايير تصحيح السلوك وفقاً لما ذكره ذوالقدر في رسالته التي ذكرها التلفزيون الإيراني في “الكف عن تهديد إيران أو الإساءة لمقدسات الشعب الإيراني بأي لغة كانت، وكذا الإنهاء الدائم للحرب والعدوان على إيران وحلفائها في لبنان وفلسطين واليمن والعراق، إضافة إلى رفع الحصار البحري وسحب القوات العسكرية الأميركية (البحرية والجوية) من محيط إيران، وكذا دفع التعويضات الكاملة عن الحربين اللتين فُرضتا على إيران، ورفع العقوبات المفروضة على الشعب الإيراني، وأخيراً الإفراج غير المشروط عن الأصول الإيرانية المجمدة.

إيران تريد بقاء المذكرة شكلياً

غير أن الخبير الإيراني صلاح الدين خديو، إن إيران في ضوء التجارب التي اكتسبتها خلال الأشهر الماضية وبالنظر إلى التطورات الميدانية التي شهدتها المرحلة الأخيرة، تسعى في المقام الأول إلى إبقاء تفاهم إسلام أباد حيا من الناحية الشكلية والسياسية، دون أن تقدم في الوقت الراهن على أي خطوة باتجاه التوصل إلى اتفاق نهائي أو الدخول في مفاوضات جادة حول البرنامج النووي قبل الحصول على امتياز ما في ما يتعلق بمضيق هرمز.

وأضاف خديو أنه من المتوقع أن تحاول إيران عبر الوسطاء والدول المنخرطة في هذه الأزمة، التوجه نحو شكل من أشكال تمديد وقف إطلاق النار ومواصلة الدبلوماسية من خلال الأطراف الوسيطة، من دون أن تخطو خطوة جدية نحو بلورة حل نهائي ودائم، الأمر الذي يعني تأجيل الأزمة واستمرار سياسة كسب الوقت وإرجاء التسوية الشاملة من جديد.

وأوضح أن الإشكالية الأساسية تكمن في أن الأجواء الراهنة التي تعيشها المنطقة تشبه حالة توقف الحرب لا نهايتها، مشيرا إلى أن هذا التوقف قد يتواصل على الأرجح لأشهر عدة أخرى، وأن المنطقة إذا لم تصل إلى اتفاق نهائي في المتناول فإنها ستتجه مجددا نحو مواجهة أوسع وأكبر.

حالة من الحرب والسلام

إلى ذلك، قال المحلل الإيراني علي صالحيان إن سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في دورته الرئاسية الثانية تتبع مع إيران حالة من الحرب والسلام في آن واحد، إذ تنفذ الدول إجراءات عسكرية ضد بعضها البعض في حين تتواصل المفاوضات بالتوازي بشكل غير مباشر أو عبر نقل الرسائل وتبادلها.

وتابع صالحيان أن إيران تميل تقليديا إلى عدم توسيع نطاق الصراع، وأن هذا النهج ما زال قائما حتى اليوم، غير أن فهمه يؤكد أن الخيار العسكري والعمليات العسكرية بات أكثر قربا وسهولة بالنسبة إلى إيران بعد التهديد الوجودي الذي شعرت به في طهران إثر الثامن والعشرين من فبراير/شباط الماضي. وأوضح أن الحرب في نهاية المطاف “هي اختبار للصمود والتحمل، فمن يستطع من البلدين الحفاظ على موقفه يوما أو ساعة أو حتى دقيقة أكثر فهو الذي سيجني مكاسب أكبر”.

وفي ما يتعلق بملف مضيق هرمز رأى صالحيان أن موقف إيران حاسم بشأن التنازل أو عدم التنازل أو التفاوض، إذ يوجد إجماع داخلي يمتد من مستوى السيادة وعملية صنع القرار إلى المستويات الاجتماعية، ويتمثل هذا الإجماع في تثبيت السيادة الإيرانية على المضيق.

وأكد أنه لن تتراجع إيران إطلاقاً عن هذا الموقف، وأنها ستسعى بالتأكيد إلى ترسيخ سيادتها على المضيق، مشيرا إلى أن الملف في جوهره ليس ماليا أو قضية اقتصادية فحسب، بل هو ملف أمني وسيادي بالنسبة إلى إيران.

غير أن المحلل الإيراني لفت إلى أنه إذا توفر مقترح يحترم الخطوط الحمراء الإيرانية فإن تفاهما سيكون ممكنا حتى قبل نشوب الحرب، لكنه شدد على ضرورة إدراك أن التفاهمات في النظام الدولي الذي يمر بمرحلة انتقال، ولا سيما مع الإدارة الأميركية الحالية، هي تفاهمات موضعية وعابرة ومقيّدة بالوقت وظرفية، ويمكن نقضها أو تجاوزها بسهولة، وبالتالي فإن هذا الوضع سيبقى قائماً على الأقل حتى الانتخابات الأميركية أو تغير مستويات صنع القرار في الولايات المتحدة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى