3 سيناريوهات أمام إيران لمواجهة عجز البنزين.. أيها الأقل كلفة اجتماعيًا؟

يمكن القول إنه إذا كانت الحكومة الإيرانية تعتزم اتخاذ قرار بشأن أي من هذه السيناريوهات، فعليها أولًا أن تنظر إلى نفسها باعتبارها معنية بإصلاح الوضع بصورة كاملة، وليس مجرد معالجة أزمة المعروض بشكل عاجل.

ميدل ايست نيوز: يواجه سوق البنزين في إيران عجزًا يوميًا يبلغ نحو 14 مليون لتر، ما يضع الحكومة أمام ثلاثة سيناريوهات مختلفة لإدارة الاستهلاك وإصلاح آلية توزيع الدعم، لكل منها تداعيات اقتصادية واجتماعية مختلفة.

لا تمثل أزمة البنزين في إيران اليوم مجرد عجز رقمي بسيط، بل هي مزيج من اختلال التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، والتوزيع غير العادل للدعم، وتهريب الوقود، والضعف الهيكلي في نظام تخصيص الطاقة. ووفقًا لتصريحات سقاب أصفهاني، توصلت الحكومة في مواجهة هذا الوضع إلى ثلاثة حلول محددة، وهي بصدد اتخاذ قرار نهائي بشأنها. وتظهر الأرقام المقدمة أن الاستهلاك اليومي للبنزين في البلاد يبلغ نحو 135 مليون لتر، مقابل إنتاج يومي يبلغ 121 مليون لتر، ما يعني وجود عجز يومي يبلغ نحو 14 مليون لتر، ينبغي تعويضه من خلال الاستيراد أو إدارة الاستهلاك. يحلل هذا التقرير لإكوايران في ما يلي السيناريوهات الثلاثة المقترحة من الحكومة من حيث نقاط القوة والضعف، ومتطلبات التنفيذ، وسبل الحد من الأضرار الاجتماعية والاقتصادية.

السيناريو الأول: إغلاق مضخات الوقود بعد انتهاء الكمية اليومية

يقوم السيناريو الأول على توزيع 121 مليون لتر من البنزين بالسعر الحالي في محطات الوقود، ثم إغلاق المضخات بعد نفاد الكمية اليومية. ويبدو هذا الأسلوب ظاهريًا الخيار الأبسط للسيطرة على حجم المعروض.

وتتمثل الميزة الأبرز لهذا الأسلوب في أن السعر الاسمي للبنزين لن يتغير، ما يتيح للحكومة تجنب التداعيات الناجمة عن رفع الأسعار. كما أن سقف المعروض اليومي سيقتصر من الناحية الفنية على مستوى الإنتاج المحلي، وبالتالي سيُستبعد العجز البالغ 14 مليون لتر بالكامل من دورة التوزيع.

لكن هذا الأسلوب سيحوّل عمليًا إدارة الاستهلاك إلى سباق يومي للوصول مبكرًا إلى محطات الوقود. وسيؤدي التوزيع وفق ترتيب الوصول وليس وفق الاحتياجات الفعلية إلى طوابير طويلة، واحتكاكات محلية، وتخزين منزلي غير آمن، وظهور سوق سوداء.

وقد تواجه المهن المرتبطة بالنقل، وسيارات الأجرة عبر التطبيقات، وشاحنات نقل البضائع الصغيرة، وحتى خدمات الطوارئ نقصًا في الوقود خلال الساعات الأخيرة من كل يوم، ما قد يؤدي إلى اضطرابات خطيرة في النشاط الاقتصادي للبلاد.

إضافة إلى ذلك، ينطوي هذا الأسلوب على ظلم واضح، إذ سيحصل الأشخاص الذين لديهم وقت فراغ أكبر أو القدرة على التوجه مبكرًا إلى محطات الوقود على حصة أكبر من الوقود المدعوم، بينما ستتحمل الفئات العاملة وذوو الدخل المنخفض، الذين لا يملكون الوقت الكافي للانتظار في الطوابير، الجزء الأكبر من الأضرار.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن السيناريو الأول هو الخيار الأكثر خطورة اجتماعيًا بين السيناريوهات الثلاثة.

السيناريو الثاني: الحفاظ على الحصة وبيع الكمية الإضافية بالسعر الحر

يقترح السيناريو الثاني توزيع 121 مليون لتر من البنزين المتاح بين السيارات وفق الحصص وبالسعر الحالي من دون زيادة، على أن تُباع الكمية الإضافية بالسعر الحر، وهو النموذج الذي كان من المقرر تطبيقه تجريبيًا في كرمان.

وتتمثل نقطة القوة الرئيسية لهذا الأسلوب في الحفاظ على الحصة الأساسية للمستهلكين بسعر ثابت، مع توفير إشارة سعرية للاستهلاك الإضافي يمكن أن تسهم في تعديل سلوك المستهلكين.

ويقترب هذا النموذج من البنية التحتية الحالية لبطاقات الوقود، كما أن تطبيقه سيكون أسرع وأقل إثارة للتوتر مقارنة بالأساليب الأخرى. إلا أن السيناريو الثاني لا يزال يوزع دعم البنزين على أساس امتلاك السيارات، أي أن الأسر التي لا تملك سيارات لن تستفيد عمليًا من الدعم، بينما تحصل الأسر التي تمتلك عدة سيارات على حصة أكبر منه.

وفي هذا الأسلوب، سيؤدي ارتفاع سعر البنزين المباع بالسعر الحر إلى انتقال آثار تضخمية من قطاع الإنتاج إلى الاقتصاد، وستكون الشرائح الدنيا وذوو الدخل المنخفض الأكثر تأثرًا بهذا التضخم، لأن هذه الفئات لا تمتلك عادة سيارات، في حين أن التضخم العام في الاقتصاد، الذي يعتمد بدرجة أكبر على ارتفاع أسعار المواد الغذائية، سيكون تأثيره أكبر على هذه الفئات.

كما يمثل بيع بطاقات الوقود وبيع الحصص من بين الأضرار المعروفة لهذا النوع من نظام الحصص. ومع ذلك، يمكن الدفاع عن السيناريو الثاني على المدى القصير واعتباره جسرًا نحو إصلاحات هيكلية، لأنه يسبب صدمة أقل مقارنة بالسيناريو الأول، ويوفر إمكانية السيطرة التدريجية على الاستهلاك.

السيناريو الثالث: نقل الدعم من السيارات إلى الأفراد

يتجه السيناريو الثالث نحو قدر أكبر من العدالة الاجتماعية. وبموجب هذا الأسلوب، سيُخصص 30 مليون لتر من أصل 121 مليون لتر من الإنتاج اليومي للنقل العام، بينما ستُوزع الكمية المتبقية، البالغة 91 مليون لتر، بدلًا من تخصيصها للسيارات، على جميع السكان على أساس حصة الفرد.

وتتمثل الميزة الرئيسية لهذا الأسلوب في نقل دعم البنزين من السيارة إلى الإنسان، بحيث يستفيد جميع المواطنين، سواء كانوا يمتلكون سيارات أم لا، من هذا الدعم. ومن شأن ذلك تقليل الحافز إلى شراء سيارة إضافية لمجرد الحصول على حصة من الوقود، وقد يسهم على المدى الطويل في تخفيف الضغط على شبكة النقل واستهلاك الوقود.

وتظهر حسابات «إكوايران» أنه إذا وُزعت 91 مليون لتر على عدد سكان يبلغ نحو 85 مليون نسمة، فستبلغ حصة الفرد نحو 1.1 لتر يوميًا، أو نحو 32 لترًا شهريًا.

وستحصل أسرة مكونة من أربعة أفراد على حصة تبلغ نحو 128 لترًا شهريًا، وهي كمية قد تكون كافية لسيارة متوسطة، لكنها لا تكفي عادةً للاستهلاك الشهري لأسرة مكونة من شخص واحد يمتلك سيارة. ويشكل هذا التفاوت بين الحصة الفردية والاحتياجات الفعلية للسيارات، خصوصًا في المناطق الريفية والمهن المتنقلة، أحد أبرز نقاط ضعف السيناريو الثالث.

إضافة إلى ذلك، يتطلب التطبيق الكامل لهذا الأسلوب بنى تحتية معقدة، من بينها نظام وطني لبطاقات الوقود، وسوق رسمي لتبادل الحصص بين الأفراد، ورقابة دقيقة لمنع المخالفات.

وفي حال لم تكن الحصة الفردية قابلة للتحويل أو البيع، فقد تنشأ سوق سوداء ويحدث هدر للموارد، وإذا لم يكن النقل العام متطورًا بما يكفي، فإن القيود المفروضة على تنقل المواطنين قد تتحول إلى أزمة اجتماعية.

متطلبات التنفيذ الناجح لأي من السيناريوهات

ينبغي الانتباه إلى أن الحكومة يجب أن تأخذ متطلبات أي قرار في الاعتبار قبل اتخاذه. وهذه المتطلبات لا تتعلق بإصلاحات عاجلة ومفاجئة، بل ينبغي تنفيذها بالتوازي مع سياسة الحكومة بشأن البنزين. وتشمل هذه السياسات:

تطوير النقل العام بشكل فعلي قبل خفض حصص السيارات

التصدي بجدية لتهريب الوقود من خلال البطاقات الذكية، وتحديد سقف سعة خزانات الوقود، ومراقبة أنماط الاستهلاك؛

تحديد وضع المناطق الريفية والمهن الخاصة، مثل الزراعة ونقل البضائع وسيارات الأجرة عبر التطبيقات؛

تصميم آلية تعويضية للأسر منخفضة الدخل؛

تحقيق القبول الشعبي؛

ضمان الشفافية في تنفيذ العملية وآليات التسعير؛

حسم وضع السيارات المتهالكة وفتح المجال أمام استيراد السيارات الأجنبية؛

تنفيذ المشروع تجريبيًا في عدة محافظات قبل تعميمه على مستوى البلاد.

بشكل عام، يمكن القول إنه إذا كانت الحكومة الإيرانية تعتزم اتخاذ قرار بشأن أي من هذه السيناريوهات، فعليها أولًا أن تنظر إلى نفسها باعتبارها معنية بإصلاح الوضع بصورة كاملة، وليس مجرد معالجة أزمة المعروض بشكل عاجل. ولن يكون من الممكن تنفيذ أي من هذه السيناريوهات إلا عندما يشعر جميع أفراد المجتمع بأن الإصلاحات ستشمل جميع الجوانب، وأن مسار الاقتصاد في المستقبل سيعاد رسمه.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى