سلسلة بشرية في شمال إيران وموجة تشميع مقاهٍ في طهران.. هل يشتعل جدل الحجاب مجددًا؟

مع أنه لا يمكن تعميم التصريحات الحادة لبعض الشخصيات بشأن الحجاب على أنها سياسة رسمية للسلطات الإيرانية، فإن مجرد طرح مثل هذه الخطابات علناً يمثل جزءًا من الأجواء نفسها التي تعيد ملف الحجاب إلى مستوى المجتمع.

ميدل ايست نيوز: تداول مستخدمون إيرانيون مقطع فيديو يظهر مجموعة من الإيرانيين وهم يشكلون سلسلة بشرية على ساحل میانکاله شمالي البلاد، في تحرك قيل إنه جاء للمطالبة بمواجهة ما يصفونه بـ«عدم الالتزام بالحجاب».

تقول صحيفة توسعه إيراني، إن المشهد قد يبدو للوهلة الأولى احتجاجًا محدودًا من جانب مجموعة من المحافظين، إلا أن ظهوره في هذا التوقيت يكتسب دلالة أوسع عند وضعه في سياق التطورات الأخيرة المرتبطة بملف الحجاب في إيران. فقد تزامن تداول الفيديو مع تشميع عدد من المقاهي والمنشآت التجارية، واحتجاجات رسمية وشعبية في بعض المحافظات الإيرانية لمتابعة الالتزام بالحجاب، وتجدد دعوات شخصيات سياسية ودينية إلى تشديد الرقابة على ملابس المواطنين، إلى جانب إعلان المدعي العام في طهران تشديد الإجراءات بحق ما وصفه بـ«الجرائم المنافية للعفة» في المقاهي والمطاعم. وتعيد هذه التطورات قضية الحجاب إلى واجهة الجدل الاجتماعي والسياسي في إيران، بعد تراجعها نسبيًا عن صدارة المشهد خلال الفترة الماضية.

سلسلة بشرية

بدأت الحكاية عندما تداول مستخدمون إيرانيون على مواقع التواصل خبر “سلسلة بشرية على ساحل ميانكاله”، لتصل المشاهد بشكل سريع إلى وسائل إعلام رسمية ويتصدر المشهد الإيراني ويحتل العناوين الرئيسية. نشرت وكالة فارس مساء 20 أغسطس الجاري مقطع فيديو للاحتجاج، ووصفته بأنه «سلسلة بشرية على ساحل میانکاله دعمًا لمواجهة خلع الحجاب». كما نشرت بعض وسائل الإعلام والقنوات المقربة من التيارات المؤيدة للسياسات المتشددة بشأن الحجاب اللقطات نفسها تحت عنوان دعم «خطة النور» التابعة للشرطة الإيرانية. لم يصدر حتى الآن توضيح رسمي واضح بشأن منظمي الاحتجاج والجهة التي نسقت تنظيمه.

لعل هذا الغموض يمثل أحد أبرز جوانب القضية. فما شهدته میانکاله لم يكن تدخلًا مباشرًا من الشرطة؛ بل دخلت مجموعة من المواطنين إلى مجال يقع تنفيذ القانون والحفاظ على النظام العام فيه أساسًا ضمن مسؤوليات المؤسسات الرسمية. كما أظهرت تجارب السنوات الماضية أن دخول مجموعات غير رسمية في قضية الحجاب، ولا سيما في الأماكن العامة، يمكن أن يحول خلافًا ثقافيًا واجتماعيًا إلى مواجهة مباشرة بين المواطنين.

من الإغلاق إلى «الرصد المستمر»

لكن القضية لم تبدأ من ساحل میانکاله. فقد ظهرت مؤشرات الموجة الجديدة من الإجراءات قبل ذلك بأسابيع على الأقل. ففي 17 أغسطس، أعلن علي صالحي، المدعي العام في طهران، خلال اجتماع المجلس الأعلى للقضاء، أن التعامل مع «المخالفات والجرائم المنافية للعفة» في بعض مقاهي ومطاعم طهران، وكذلك المتاجر التي تبيع «الملابس غير المألوفة»، أصبح مدرجًا على جدول الأعمال بشكل جدي. وكان الجانب الأهم في تصريحاته هو نشاط «النيابة الخاصة بالأمن الأخلاقي» ولجنة قال المدعي العام في طهران إنها تراقب الفضاء الإلكتروني «بشكل مستمر». كما عكست وكالة تسنيم في تقريرها عن الاجتماع التصريحات نفسها.

ولم تُنشر إحصاءات رسمية وموحدة عن إجمالي عمليات التمشيع في أغسطس، لكن رصد الحالات التي نشرتها وسائل الإعلام بشكل منفصل يظهر أنه حتى 12 أغسطس، تم الإبلاغ عن ما لا يقل عن 42 حالة إغلاق أو ختم بالشمع الأحمر لمنشآت تجارية وثقافية ورياضية في 17 مدينة إيرانية. والتالي، حتى مع استبعاد الحالات التي لم يتضح سبب إغلاقها، فإن عدد هذه الإجراءات وانتشارها جغرافيًا يبدوان لافتين بما يكفي لعدم اعتبارها مجرد حوادث فردية.

عودة تفعيل اللجان

بالتزامن مع ذلك، يجري جزء آخر من هذه التحركات عبر المؤسسات الثقافية والدينية. ففي 23 يوليو، أعلن حسين مظفري، إمام جمعة قزوين، تشكيل «لجنة مشتركة للعفة والحجاب» في المحافظة، بالتعاون بين المؤسسات الحكومية و«النشطاء الشعبيين»، وفي 8 أغسطس أُعلن أن هذه اللجنة بدأت نشاطها المستمر.

على المستوى السياسي، عادت القضية إلى الواجهة أيضًا. ففي 16 أغسطس، طالب علي مطهري، النائب السابق لرئيس البرلمان الإيراني، في رسالة وجهها إلى مسعود بزشكيان، بـ«المراقبة والتنبيه» بشأن نوع ملابس النساء والرجال، مشيرًا إلى أمثلة من بينها السراويل الضيقة والملابس الكاشفة للجسم بالنسبة إلى النساء، والسراويل القصيرة بالنسبة إلى الرجال.

القانون متوقف، لكن الإجراءات مستمرة

هنا يكمن التناقض الرئيسي. فما يسمى قانون «دعم الأسرة من خلال تعزيز ثقافة العفة والحجاب» لم يصدر بعد. وكان محمد باقر قاليباف قد أكد في يونيو 2025 أن أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي طلبت خطيًا عدم إصدار القانون في الوقت الراهن. كما أكدت الحكومة مرارًا ضرورة تجنب الإجراءات القسرية، وقالت فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة، إن تجربة فرض الحجاب بالقوة فشلت، وإنه لا ينبغي تقسيم المجتمع إلى معسكرين.

لكن عدم إصدار القانون الجديد لا يعني غياب الأدوات القانونية لاتخاذ الإجراءات. فلا يزال البند الملحق بالمادة 638 من الكتاب الخامس لقانون العقوبات الإسلامي يعتبر ظهور النساء «من دون الحجاب الشرعي» في الأماكن العامة وأمام الأنظار العامة جريمة، كما تستند المؤسسات القضائية والأمنية، في تعاملها مع المنشآت التجارية، إلى اللوائح الخاصة بالأنشطة التجارية، إضافة إلى عناوين قانونية أكثر عمومية مثل «العفة العامة» و«الشؤون الإسلامية».

من جهة أخرى، لا يمكن حتى الآن الحديث عن بدء رسمي لخطة وطنية جديدة. إذ اضطرت قيادة الشرطة الإيرانية في 6 أغسطس إلى إصدار بيان أعلنت فيه أن عددًا من مقاطع الفيديو التي نُشرت في الأيام الأخيرة باعتبارها تعكس موقفًا جديدًا للشرطة بشأن الحجاب تعود في الواقع إلى أبريل 2024، وأن بعض الأخبار المنسوبة إلى المتحدث باسم الشرطة جرى إعدادها باستخدام الذكاء الاصطناعي. يظهر هذا النفي ضرورة التمييز بين الزيادة الفعلية في الإجراءات وبين الشائعات التي يجري إنتاجها في ظل هذه الأجواء.

ومع أنه لا يمكن تعميم التصريحات الحادة لبعض الشخصيات بشأن الحجاب على أنها سياسة رسمية للسلطات الإيرانية، فإن مجرد طرح مثل هذه الخطابات علناً يمثل جزءًا من الأجواء نفسها التي تعيد ملف الحجاب إلى مستوى المجتمع.

وبعد ثلاث سنوات من تحول الحجاب إلى واحدة من أكثر النزاعات الاجتماعية كلفة في إيران، فإن إعادة القضية إلى الشوارع والمقاهي والسواحل قد تعيد تنشيط خط الانقسام نفسه، ولا سيما في ظل عدم وضوح القواعد وتطبيقها بصورة متساوية على الجميع. وعليه، تبدو تحذيرات رمضان زاده بشأن الاستقطاب بين «من ترتدي الحجاب ومن لا ترتديه» جديرة بالتأمل. ومن غير المرجح أن يستفيد مجتمع يواجه في الوقت نفسه صعوبات اقتصادية واجتماعية متعددة من تحويل ملابس النساء مجددًا إلى ساحة للتجاذب السياسي وفرض الإرادة. إلا أن أخبار أغسطس تظهر أن هناك من لا يزال مستعدًا لخوض هذه التجربة المكلفة مرة أخرى.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إحدى عشر + 11 =

زر الذهاب إلى الأعلى