رغم موقعها الاستراتيجي… لماذا تفشل إيران في استثمار موقعها الجغرافي؟
رغم وقوعها على مسارات ممرات نقل مهمة، تواجه إيران فجوة كبيرة تفصلها عن هدف الوصول إلى 40 مليون طن من البضائع العابرة سنوياً.

ميدل ايست نيوز: رغم وقوعها على مسارات ممرات نقل مهمة، تواجه إيران فجوة كبيرة تفصلها عن هدف الوصول إلى 40 مليون طن من البضائع العابرة سنوياً.
تقول وكالة تسنيم في تقرير لها، إن عبارة «إيران، ملتقى طرق النقل العابر في المنطقة» تتكرر منذ سنوات في تصريحات المسؤولين الاقتصاديين ومسؤولي قطاع النقل، إذ تتمتع البلاد بإمكانية الوصول إلى المياه المفتوحة جنوباً، وإلى أسواق آسيا الوسطى والقوقاز وتركيا وأوروبا من جهة أخرى.
ويُعد هذا الموقع الجغرافي ميزة مهمة لإيران، لكن عندما يتعلق الأمر بالعبور الفعلي للبضائع وجذب شحنات الترانزيت، تدخل عوامل أخرى في المعادلة، بدءاً من البنية التحتية ومدة التوقف على الحدود، وصولاً إلى تكاليف النقل والعلاقات المصرفية والتأمين وظروف العقوبات.
وبموجب قانون خطة التنمية السابعة، حُدد هدف يتمثل في رفع حجم الترانزيت السنوي في البلاد إلى 40 مليون طن بحلول نهاية فترة تنفيذ الخطة. وأعلن المدير العام لمكتب التسويق والشؤون النقابية في وزارة الطرق والتنمية الحضرية أن تحقيق الهدف النهائي يتطلب نقل 70 بالمئة من الشحنات عبر الطرق و30 بالمئة عبر السكك الحديدية.
وقال المسؤول إن تطوير واستكمال البنية التحتية للطرق والسكك الحديدية، وتسهيل حركة العبور في المحطات الحدودية، ورقمنة العمليات التجارية، من المتطلبات الأساسية لزيادة حجم الترانزيت.
ومع ذلك، تظهر الإحصاءات الرسمية خلال السنوات الأخيرة أن حجم الترانزيت في البلاد لا يزال بعيداً عن هدف 40 مليون طن، ما يعني ضرورة تحقيق نمو ملحوظ في حجم البضائع العابرة عبر إيران خلال السنوات المتبقية من أجل بلوغ هدف خطة التنمية السابعة.
الممر ليس مجرد خط على الخريطة
يمكن لممر الشمال – الجنوب، وممر الشرق – الغرب، وربط دول آسيا الوسطى بالمياه المفتوحة، أن يعزز مكانة إيران في التجارة الإقليمية، لكن نشاط أي ممر لا يعتمد فقط على وجود طريق أو خط للسكك الحديدية.
ولكي تعبر شحنة عبر إيران، يجب أن تمر عبر سلسلة من الحلقات تشمل الميناء، وشبكات السكك الحديدية والطرق، والمحطات الحدودية، والجمارك، وأسطول النقل، والخدمات المصرفية والتأمينية. ويمكن أن يؤدي وجود ضعف في أي من هذه الحلقات إلى زيادة مدة وتكلفة النقل وتقليص جاذبية المسار الإيراني.
وفي هذا السياق، تشكل مدة توقف البضائع على الحدود أحد أبرز التحديات أمام تطوير قطاع الترانزيت. ووفقاً لتقييمات أجراها مركز أبحاث مجلس الشورى الإسلامي، تبلغ مدة استكمال الإجراءات الحدودية لاستيراد البضائع في إيران 141 ساعة، وللتصدير 101 ساعة، بينما تبلغ في تركيا نحو 6.5 ساعة و9.8 ساعة على التوالي.
وفي معادلات التجارة الدولية، تعني كل ساعة من التوقف على الحدود تجميداً لرأس المال، وغرامات تأخير مرتفعة، وتراجعاً في القدرة التنافسية للبضائع. ويبحث أصحاب رؤوس الأموال عن ثلاثة عوامل رئيسية هي السرعة وانخفاض التكلفة وإمكانية التنبؤ.
وعندما يتحول العبور عبر الحدود الإيرانية إلى عملية غامضة وبطيئة، قد تبدو حتى المسارات البديلة الأطول أكثر جدوى اقتصادية لأصحاب البضائع من الطريق الإيراني الأقصر.
ويعني هذا الفارق بالنسبة إلى العاملين في قطاع التجارة زيادة التكاليف وتراجع القدرة على التنبؤ بموعد تسليم البضائع. وفي سوق الترانزيت، لا يبحث صاحب الشحنة عن انخفاض تكاليف النقل فحسب، بل عن مسار يكون وقت العبور عبره محدداً ويمكن الاعتماد عليه. ولهذا، حتى عندما يكون أحد المسارات أقصر جغرافياً، فإن إطالة الإجراءات الحدودية قد تفقده جزءاً من ميزته.
إن استكمال خطوط السكك الحديدية، وتطوير شبكة الطرق، وربط الموانئ بشبكة السكك الحديدية، وزيادة قدرة المحطات الحدودية، من بين الاحتياجات الرئيسية لتطوير قطاع الترانزيت في إيران. وفي قطاع السكك الحديدية، يكتسب استكمال مشاريع مثل خط رشت – آستارا أهمية خاصة لإنشاء مسار حديدي متصل ضمن ممر الشمال – الجنوب.
ومع ذلك، اعتبر المدير العام لمكتب التسويق والشؤون النقابية في وزارة الطرق والتنمية الحضرية أن المشكلات المرتبطة بالعقوبات والتحويلات المالية والتغطية التأمينية تشكل أيضاً عوائق دفعت جزءاً من الشحنات التي كان يمكن أن تمر عبر إيران إلى اختيار مسارات أخرى.
وقال إن أصحاب البضائع وشركات النقل يختارون في بعض الحالات، بسبب هذه العوائق، مسارات تستغرق وقتاً أطول أو تنطوي على تكاليف أعلى.
ويظهر ذلك أن المنافسة بين الممرات لا تقتصر على إنشاء البنية التحتية، بل تلعب العوامل التجارية والمالية والتأمينية أيضاً دوراً في اختيار مسار نقل البضائع.
منافسة إقليمية جادة
ليست إيران الدولة الوحيدة التي تسعى إلى الاستفادة من نمو التجارة الإقليمية وتغير مسارات النقل، إذ تعمل دول المنطقة أيضاً على تطوير طرق بديلة، من بينها «الممر الأوسط» (Middle Corridor)، الذي يمر عبر آسيا الوسطى وبحر قزوين والقوقاز، ويمكن أن يستحوذ على جزء من حركة التجارة بين الشرق والغرب.
وفي ظل هذه الظروف، لا تتحول الميزة الجغرافية لإيران إلى ميزة اقتصادية إلا إذا كان مسار عبور البضائع عبر البلاد جذاباً لأصحاب الشحنات من حيث الوقت والتكلفة وإمكانية التنبؤ.
ويمكن لهدف الوصول إلى 40 مليون طن من الترانزيت سنوياً، في حال تحقيقه، أن يعزز مكانة إيران في التجارة الإقليمية ويرفع إيراداتها من قطاع النقل العابر، لكن الوصول إلى هذا الرقم لا يمكن أن يتحقق بمجرد زيادة القدرة الاسمية للبنية التحتية.
ويشكل تقليص مدة التوقف على الحدود، واستكمال حلقات شبكات السكك الحديدية والطرق، وتأمين أسطول النقل، وإزالة العوائق المصرفية والتأمينية، وإنشاء مسارات تجارية مستقرة، أجزاءً أساسية من هذه المعادلة.
ويبقى السؤال الرئيسي: كيف يمكن لإيران تحويل ميزتها الجغرافية إلى حصة فعلية من سوق الترانزيت الإقليمي؟



