الصحافة الإيرانية: هل يفقد هرمز مكانته الاستراتيجية؟
يمثل هرمز بالنسبة إلى إيران أكثر من مجرد مضيق؛ فهو ثروة جيوسياسية. لكن هذه الثروة قد تفقد تدريجياً جزءاً من قيمتها إذا تعرضت لضغوط مفرطة.
ميدل ايست نيوز: يُعد مضيق هرمز منذ سنوات أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، وهو ممر مائي تعبره نسبة كبيرة من نفط المنطقة ومنتجات الطاقة فيها، وأي اضطراب في حركة السفن عبره يمكن أن يؤثر في الأسواق العالمية. ومع ذلك، لا يمكن ضمان الأهمية الجيوسياسية لأي طريق تجاري إلى الأبد. فإذا استمرت التوترات في هرمز، فسيُطرح بصورة أكثر جدية من أي وقت مضى سؤال عما إذا كان المضيق سيحافظ خلال السنوات المقبلة على المكانة نفسها التي يحتلها حالياً.
يقول جلال ساداتيان، الدبلوماسي الإيراني السابق، في مقال لصحيفة سازندكي، إنه في الأيام الأخيرة، طُرحت ادعاءات مختلفة بشأن إنشاء ممر بحري من جانب الولايات المتحدة وعبور ملايين براميل النفط عبر مضيق هرمز. وتؤكد واشنطن بقاء الممر مفتوحاً واستمرار حركة ناقلات النفط، إلا أن بيانات تتبع السفن تقدم صورة مختلفة. وهنا، ينبغي بدلاً من الاعتماد على الادعاءات السياسية الاستناد إلى بيانات مستقلة وقابلة للتحقق بشأن أعداد السفن العابرة ومساراتها. فلا يمكن تغيير واقع حركة الملاحة في هرمز بالتصريحات السياسية.
لكن المسألة الأهم تتمثل في التحول الذي قد يحدث على المدى الطويل. فإذا شعرت دول المنطقة بأن استمرار التوتر في هرمز يهدد أمن تجارتها وصادراتها، فمن الطبيعي أن تبحث عن مسارات بديلة. ويُعد خط أنابيب كركوك-بانياس، ومسارات نقل النفط العراقي إلى تركيا والبحر المتوسط، وزيادة قدرة خطوط الأنابيب السعودية إلى البحر الأحمر، من بين الخيارات التي يمكن أن تقلل اعتماد بعض الدول على هرمز.
بالطبع، لا يمكن تنفيذ أي من هذه المشاريع بين ليلة وضحاها، وقد تتطلب إعادة تشغيلها أو تطويرها عاماً أو عدة أعوام، فضلاً عن تكاليف كبيرة. لذلك، لا ينبغي الاعتقاد بأن هرمز سيفقد أهميته على المدى القصير. فالمضيق ليس مجرد ممر لنقل النفط؛ إذ يعتمد جزء كبير من تجارة المنطقة، بدءاً من المواد الغذائية والمنتجات الزراعية وصولاً إلى المعادن والسلع الصناعية، على النقل البحري. كما أن نقل هذه الكميات الهائلة من البضائع عبر الطرق البرية سيكون أكثر تكلفة ويستغرق وقتاً أطول. ولهذا السبب سيظل هرمز طريقاً حيوياً.
لكن هذه الحقيقة نفسها يجب ألا تؤدي إلى تجاهل خطر أكبر، يتمثل في إمكانية تراجع أهمية هرمز تدريجياً، ليس بسبب وجود مسار بديل واحد، وإنما نتيجة تراكم مجموعة من المسارات البديلة. وكلما طال أمد التوتر، زادت حوافز دول المنطقة للاستثمار في هذه المسارات، وكلما انخفض حجم التجارة العابرة عبر هرمز، تآكل جزء من القوة الجيوسياسية لهذا الممر المائي.
وعليه، لا تمثل الدبلوماسية خياراً ثانوياً، بل جزءاً من الحفاظ على المصالح الاستراتيجية لإيران. فبعد كل أزمة وحرب، يضطر الأطراف المعنيون في نهاية المطاف إلى العودة إلى طاولة المفاوضات. كان من الممكن أن تشكل مذكرة إسلام آباد خطوة باتجاه خفض التوتر، لكنها لم تصل إلى نتيجة. وفي الوقت الراهن أيضاً، فإن التشدد وإحداث اضطراب في مسار اتخاذ القرارات الدبلوماسية لن يخدما مصالح البلاد.
يجب أن تكون قرارات المؤسسات العليا في إيران، بما في ذلك رئاسة الجمهورية والمجلس الأعلى للأمن القومي، أساساً للتحرك.
يمثل هرمز بالنسبة إلى إيران أكثر من مجرد مضيق؛ فهو ثروة جيوسياسية. لكن هذه الثروة قد تفقد تدريجياً جزءاً من قيمتها إذا تعرضت لضغوط مفرطة. وفي نهاية المطاف، فإن الحفاظ على أهمية هرمز يعتمد، أكثر من القوة العسكرية، على قدرة إيران على تحويل هذا الممر المائي من ساحة للتوتر إلى طريق آمن للتجارة.



