“الضربة القاضية” لاقتصاد طهران.. مسار العقوبات على إيران منذ 1979

خلال نحو 5 عقود، توسعت أدوات الضغط الأمريكية والدولية لتنتقل من استهداف الأموال والمعاملات إلى قطاعات المصارف والطاقة والشحن، وصولا إلى الشركات والوسطاء والناقلات التي يُشتبه في توظيفها للالتفاف على القيود.

ميدل ايست نيوز: لم تعد العقوبات على إيران مقتصرة على تجميد الأصول أو الحظر التجاري المباشر؛ فخلال نحو 5 عقود، توسعت أدوات الضغط الأمريكية والدولية لتنتقل من استهداف الأموال والمعاملات إلى قطاعات المصارف والطاقة والشحن، وصولا إلى الشركات والوسطاء والناقلات التي يُشتبه في توظيفها للالتفاف على القيود.

ومع تصاعد القيود على النفط والمصارف وشبكات النقل، سعت واشنطن إلى تضييق منابع الإيرادات والتمويل لطهران. ومع تعطل مذكرة التفاهم وتزايد الهجمات الإيرانية في مضيق هرمز، يرى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أنه حان الوقت لتوجيه “ضربة قاضية” لاقتصاد إيران، عبر تقويض قدرتها على تصدير النفط والوصول للنظام المالي العالمي.

ويرصد تقرير أعدته نسيبة موسى للجزيرة هذا التحول منذ أزمة احتجاز الرهائن بالسفارة الأمريكية بطهران، وصولا إلى شبكات التجارة والنقل البحري التي باتت جزءا أساسيا من صراع العقوبات والعقوبات المضادة.

وبدأت العقوبات الأمريكية الواسعة على طهران عقب أزمة الرهائن عام 1979، عندما جُمّدت أصول للحكومة الإيرانية داخل الولايات المتحدة، قبل أن تُرفع قيود مرتبطة بالأزمة بعد الإفراج عن الرهائن.

وفي العقود التالية، ربطت واشنطن توسيع عقوباتها بملفات متعددة، منها اتهام طهران بدعم جماعات تصنفها الولايات المتحدة إرهابية، وبرنامجها الصاروخي، ثم برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي.

وفي منتصف التسعينيات، انتقل الاستهداف بوضوح إلى قطاع الطاقة؛ ففُرض حظر أمريكي أوسع على التجارة والاستثمار، ثم صدر قانون العقوبات على إيران وليبيا المعروف باسم قانون داماتو عام 1996، مستهدفا الاستثمارات الأجنبية في قطاعي النفط والغاز الإيرانيين.

الملف النووي والعزل المالي

مع تصاعد الخلاف حول برنامج إيران النووي، دخلت الأمم المتحدة على خط العقوبات ابتداء من عام 2006 عبر قرارات لمجلس الأمن، قبل أن تتوسع الإجراءات الأمريكية والأوروبية لتشمل شركات وقطاعات مالية وصناعية ونفطية.

وكان القطاع المصرفي في صميم هذه المرحلة؛ إذ استهدفت العقوبات بنوكا إيرانية والبنك المركزي، كما أضعفت قدرة طهران على إجراء التحويلات والتعاملات عبر الحدود.

وبرزت هنا شبكة سويفت، وهي نظام مراسلات تستخدمه المصارف لتبادل أوامر الدفع؛ ما جعل الوصول إليها مسألة حيوية للتجارة والتمويل، وليس مجرد إجراء تقني.

وتوضح وزارة الخزانة الأمريكية أن برامج العقوبات قد تكون شاملة أو انتقائية، وتشمل تجميد الأصول وقيود التجارة لتحقيق أهداف تتصل بالسياسة الخارجية والأمن القومي.

الاتفاق النووي والعقوبات الثانوية

وقعت إيران والقوى الكبرى الاتفاق النووي في يوليو/تموز 2015، الذي ربط تخفيف عقوبات نووية بقيود ورقابة على البرنامج النووي الإيراني. لكن رفع العقوبات ذات الصلة لم يبدأ عمليا عند التوقيع، بل في يوم التنفيذ بتاريخ 16 يناير/كانون الثاني 2016، بعد تحقق الوكالة الدولية للطاقة الذرية من خطوات إيرانية محددة.

وفي مايو/أيار 2018، انسحبت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من الاتفاق من جانب واحد، وأعادت فرض عقوبات واسعة، لتدخل إيران مجددا مرحلة ضغط مالي ونفطي أكثر حدة.

ولم تقتصر الإستراتيجية الأمريكية على التعاملات المباشرة مع إيران. إذ تقوم العقوبات الثانوية على تهديد شركات ومصارف وأطراف من دول أخرى بعقوبات أو بمنعها من الوصول إلى النظام المالي الأمريكي إذا تعاملت مع جهات إيرانية خاضعة للعقوبات.

وبذلك، امتد أثر العقوبات إلى شركات الشحن والوساطة والتأمين والتجارة ومكاتب الواجهة والتحويلات المالية. ولم يعد السؤال فقط: ما الذي تستطيع إيران بيعه أو شراؤه؟ بل: من يجرؤ على التعامل معها، وبأي وسيلة؟

النفط وناقلات “الظل”

مع استهداف صادرات النفط، برزت شبكات معقدة للالتفاف على القيود، تشمل تغيير ملكية السفن أو أسمائها وأعلامها، وإيقاف أو التلاعب بإشارات التتبع، ونقل الشحنات بين السفن في البحر، إلى جانب شركات وسيطة ووثائق تجارية مضللة. ويُطلق على جزء من هذه الشبكات تسمية “أسطول الظل” أو “الناقلات الشبحية”.

وهنا تحولت طبيعة العقوبات من قرارات استهداف مسمّى إلى مواجهة مستمرة مع شبكة دولية من الوسطاء والموانئ وشركات الشحن. وتُظهر مسيرة القيود أن الفاعلية تتوقف على قدرة الإنفاذ وملاحقة مسارات الالتفاف، لا على حجم القرارات الصادرة.

وتترك هذه القيود آثارا تتجاوز القطاع النفطي لتطال السعر والعملة والتضخم وتكاليف المعيشة داخل إيران. وبينما تراهن واشنطن على تقييد خيارات طهران المالية، تسعى الأخيرة لتوسيع منافذ بديلة؛ مما يجعل الصراع حاليا مباراة متحركة على المال والطاقة والممرات البحرية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر − تسعة =

زر الذهاب إلى الأعلى