هرمز يعيد رسم تجارة العراق.. هل تقتنص تركيا السوق على حساب الخليج؟

لا يقتصر تأثير اضطراب الملاحة في مضيق هرمز على صادرات النفط وأسواق الطاقة، بل يمتد إلى شبكة التجارة اليومية التي تربط العراق بدول الخليج.

ميدل ايست نيوز: لا يقتصر تأثير اضطراب الملاحة في مضيق هرمز على صادرات النفط وأسواق الطاقة، بل يمتد إلى شبكة التجارة اليومية التي تربط العراق بدول الخليج، مهدداً بإعادة رسم مسارات توريد السلع إلى السوق العراقية ودفع التجار نحو بدائل إقليمية، تتقدمها تركيا.

هذا هو الاستنتاج الرئيسي لـدراسة حديثة نشرها معهد الدراسات الإقليمية والدولية (IRIS) في الجامعة الأمريكية في العراق- السليمانية، تناولت تداعيات اضطراب مضيق هرمز على التجارة العراقية الخليجية، محذرة من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى تحولات أعمق من مجرد تغيير مؤقت في طرق الشحن، وصولاً إلى انتقال شبكات التجارة والعلاقات الاقتصادية نفسها بعيداً عن الموانئ الخليجية.

وتشير الدراسة إلى أن العراق يعتمد بدرجة كبيرة على موانئ الخليج، ولا سيما الإمارات وميناء جبل علي، في استيراد طيف واسع من السلع، من الإلكترونيات والمنتجات الاستهلاكية إلى مواد البناء والأنابيب والأدوات الصحية والأثاث. غير أن ارتفاع تكاليف الشحن نتيجة اضطراب الملاحة يضع هذه التجارة أمام اختبار جديد.

وترصد الدراسة، التي أعدها الباحث عبد الله القليصي، أن التأثير لا يقع بالتساوي على جميع التجار. فالشركات التي تتعامل بالسلع مرتفعة القيمة، مثل الهواتف والإلكترونيات وأجهزة الألعاب، تستطيع في كثير من الأحيان تمرير الزيادة في كلف الشحن إلى المستهلك النهائي، بينما تواجه القطاعات ذات هامش الربح المحدود أزمة أكثر تعقيداً.

وبحسب مقابلات أجراها الباحث مع تجار عراقيين، ارتفعت كلفة شحن بعض الحاويات من الصين أو سنغافورة من نحو 3 آلاف دولار قبل الحرب إلى قرابة 12 ألف دولار. وبالنسبة إلى تاجر يستورد بضائع تصل قيمة الحاوية منها إلى نحو نصف مليون دولار، قد لا تمثل هذه الزيادة تهديداً وجودياً، إذ يمكن توزيعها على أسعار المنتجات.

لكن الصورة تختلف بالنسبة إلى مستوردي الأنابيب والوصلات والمواد الصحية والأثاث ومواد البناء. فارتفاع كلفة الشحن إلى هذا المستوى قد يلتهم جزءاً كبيراً من هامش الربح، فيما يصعب تمرير الزيادة إلى المستهلك بسبب طبيعة السوق وانخفاض قيمة هذه السلع قياساً بحجمها وكلفة نقلها.

التجار يبحثون عن طريق آخر

في ظل هذه الظروف، بدأت تركيا تبرز، وفق الدراسة، بوصفها البديل الأكثر واقعية أمام عدد من التجار العراقيين، سواء باعتبارها مورداً للسلع أو ممراً تجارياً أقل عرضة لاضطرابات مضيق هرمز.

ويعزو التجار هذا التحول إلى عدة عوامل، أبرزها القرب الجغرافي، ووجود طرق برية جاهزة، فضلاً عن طبيعة المنتجات التركية التي يرون أنها أكثر ملاءمة لمتطلبات السوق العراقية من بعض المنتجات الخليجية مرتفعة الكلفة.

وتحذر الدراسة من أن الخطر لا يكمن في خسارة مؤقتة لحركة الشحن عبر الخليج فقط، بل في إمكانية حدوث تحول طويل الأمد في “شبكات التجارة والائتمان والثقة”.

فكثير من التجار الصغار يعملون ضمن علاقات ائتمانية متراكمة بين الموردين وتجار الجملة وتجار التجزئة، ومع انتقال هذه العلاقات تدريجياً نحو تركيا، قد يصبح من الصعب إعادة بنائها مجدداً حول الممرات الخليجية، حتى بعد انتهاء الأزمة وعودة الملاحة إلى طبيعتها.

وتنقل الدراسة عن أحد التجار قوله إن استمرار إغلاق المضيق جعله يفكر في التخلي عن الاعتماد على الأسواق الصينية والتايلاندية والانتقال إلى تركيا، التي توفر منتجات تناسب القدرة الشرائية في العراق، مع وجود طريق بري مباشر وجاهز لنقلها.

الفجيرة ليست بديلا كاملا لجبل علي

ومن بين الحلول المطروحة إعادة توجيه حركة التجارة إلى ميناء الفجيرة والمناطق الساحلية الواقعة خارج مضيق هرمز، إلا أن الدراسة تشير إلى أن هذا الخيار لا يزال يواجه قيوداً لوجستية.

فإعادة توجيه إحدى الحاويات إلى خورفكان ثم نقلها براً إلى جبل علي، بحسب أحد التجار الذين تحدث إليهم الباحث، أضافت ما بين 7 و8 آلاف دولار إلى الكلفة، من دون احتساب أجور الشحن الأصلية من شرق آسيا.

وتوضح الدراسة أن البنية التحتية في الفجيرة وخورفكان لم تصل بعد إلى مستوى ميناء جبل علي والمنطقة الحرة المحيطة به من حيث الحجم والكفاءة والتنوع اللوجستي، كما أن نقل البضائع عبر الطرق البرية يضيف تكاليف جديدة، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار الوقود والنقل خلال الأزمة.

ورغم وجود مشاريع لتطوير البنية التحتية وربط الموانئ بشبكة السكك الحديدية الإماراتية، ترى الدراسة أن هناك نافذة زمنية حساسة قد تسمح لتركيا باكتساب حصة من السوق العراقية إذا استمر التجار في نقل سلاسل توريدهم شمالاً.

تجارة تحت مستوى الاتفاقيات الحكومية

وتلفت الدراسة إلى أن جانباً مهماً من التكامل الاقتصادي بين العراق ودول الخليج لا يظهر في مذكرات التفاهم والاتفاقيات الحكومية أو مشاريع الطاقة العملاقة.

فهناك، تحت مستوى العلاقات الرسمية، شبكة واسعة من التجار الصغار وتجار الجملة وشركات النقل والعلاقات الائتمانية التي تربط السوق العراقية بمراكز التجارة الخليجية، ولا سيما الإمارات.

وترى أن هذه العلاقات قد تكون أكثر هشاشة من المشاريع الحكومية الكبرى؛ لأن الطاقة والنفط تحكمهما عقود طويلة ودعم حكومي، بينما تعتمد التجارة اليومية على استقرار الكلف، وسهولة النقل، والثقة بين الأطراف.

وحذرت الدراسة من أن استمرار الاضطراب قد يؤدي إلى تآكل هذا المستوى من التكامل، بما يقوض جانباً من الجهود التي بذلت خلال السنوات الماضية لزيادة الارتباط الاقتصادي بين العراق ودول مجلس التعاون الخليجي.

ماذا ينبغي أن يفعل العراق؟

تقترح الدراسة على الحكومة العراقية عدم الاكتفاء بالاتفاقيات السياسية والاقتصادية الكبرى، بل فتح قنوات اتصال مباشرة مع غرف التجارة وجمعيات التجار وشركات النقل، من أجل تحديد المشكلات العملية التي تواجه حركة البضائع.

كما تطرح إمكانية تقديم دعم مؤقت للقطاعات الأكثر تضرراً، مثل تخفيض بعض الرسوم، وتسريع الإجراءات الجمركية، أو المساهمة في تخفيف كلفة نقل الحاويات القادمة عبر الفجيرة إلى المنافذ العراقية، إلى حين تطوير البنية التحتية أو انتهاء أزمة الملاحة.

وتدعو الدراسة أيضاً إلى إنشاء قاعدة معلومات مشتركة بالتعاون مع المؤسسات الخليجية، توفر للتجار بيانات محدثة عن كلف شحن الحاويات، وأوقات النقل، وفعالية المسارات البديلة بين الفجيرة وجبل علي والموانئ التركية والمنافذ العراقية.

تركيا تترقب الفرصة

وتخلص الدراسة إلى أن استمرار التحول نحو تركيا قد لا يكون مجرد استجابة مؤقتة لإغلاق مضيق هرمز، بل قد يؤدي إلى إعادة توجيه جزء من التجارة العراقية على نحو دائم.

وتشير إلى أن تركيا تمتلك بالفعل موقعاً مهماً في التجارة العراقية، وتوفر للتجار طريقاً برياً ومنتجات تلائم مستويات الأسعار المطلوبة في السوق المحلية، ما يمنحها فرصة للاستفادة من الفراغ الذي قد تخلفه اضطرابات الممرات الخليجية.

وترى الدراسة أن كل حاوية تُحوّل إلى طريق جديد، وكل علاقة ائتمانية تنتقل إلى مورد آخر، وكل تاجر يقرر تغيير سلسلة توريده، تجعل العودة إلى النموذج التجاري السابق أكثر صعوبة.

وتحذر في ختامها من أن مستقبل التكامل الاقتصادي العراقي الخليجي لن يتحدد فقط بمشاريع الطاقة والاستثمارات الكبرى، بل أيضاً بقدرة بغداد وشركائها الخليجيين على حماية شبكة التجارة اليومية التي تربط الأسواق العراقية بالخليج.

وبحسب الدراسة، فإن الوقت يضيق: فإما أن تُوجد حلول سريعة للحفاظ على هذه الطرق التجارية، أو قد تجد دول الخليج أن جزءاً من السوق العراقية بدأ يتحرك تدريجياً نحو تركيا، في تحول قد يستمر حتى بعد انتهاء أزمة هرمز.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − سبعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى