هل تواجه إيران خطر المجاعة؟ أزمة تتجاوز امتلاء رفوف المتاجر
لا يقيس كثيرون في إيران الوضع الاقتصادي بالتصريحات الرسمية وحدها، بل بأسعار السلع اليومية، وما يجدونه على رفوف المتاجر، والأهم بما يستطيعون شراءه من دخلهم.

ميدل ايست نيوز: عاد الحديث عن احتمال وقوع مجاعة في إيران إلى واجهة النقاش العام، في ظل استمرار الحرب وتصاعد الضغوط الاقتصادية على البلاد.
تؤكد السلطات الإيرانية أن المخزونات وشبكة توزيع السلع تحول دون حدوث نقص واسع في المواد الغذائية، لكن خبراء اقتصاديين يرون أن الأمن الغذائي لا يتعلق فقط بتوافر السلع في الأسواق، بل بقدرة المواطنين على شرائها أيضاً.
رصد ميدل ايست نيوز تصاعداً للجدل بعد تصريحات لمسؤولين حكوميين وممثلين عن قطاعات تجارية أكدوا فيها أن إيران لن تواجه نقصاً واسعاً في السلع حتى في حال استمرار الحرب أو تصاعدها، مستندين إلى حجم المخزونات وقدرة شبكة التوزيع على إيصال السلع إلى الأسواق.
كما أكد وزير الزراعة الإيراني أن التوقعات اللازمة قد أُخذت في الاعتبار، وأن البلاد لن تواجه مشكلة المجاعة في ظروف الحرب.
لكن هذه التطمينات لم تنجح في إنهاء المخاوف. بل إن تكرار استخدام المسؤولين كلمات مثل «المجاعة» و«الجوع»، حتى في سياق نفي حدوثهما، جعل الرأي العام أكثر حساسية تجاه قضية الأمن الغذائي.
وزادت تصريحات مسؤولين إيرانيين آخرين من حدة النقاش، بعدما ربط بعضهم بين قدرة المجتمع على الصمود والوضع المعيشي للمواطنين، أو حذر من أن استمرار الضغوط الاقتصادية كان يمكن أن يدفع البلاد نحو أزمة غذائية.
وهكذا، تحول نفي خطر المجاعة نفسه إلى جزء من النقاش العام حول مدى قدرة الإيرانيين على تأمين احتياجاتهم الأساسية.
الطعام موجود، لكن الموائد تقلصت
تشهد بعض الأسواق أحياناً نقصاً مؤقتاً في بعض السلع أو فراغاً في رفوف معينة، لكن القضية الأوسع لا تتعلق فقط بوجود الغذاء من عدمه.
السؤال الأكثر أهمية هو: إلى أي حد يستطيع الإيرانيون شراء ما هو متوافر؟
يرى خبراء تحدثوا إلى وسائل إعلام إيرانية أن اختزال مفهوم المجاعة في غياب الطعام فعلياً عن المتاجر والمخازن يقدم صورة ناقصة عن الأزمة.
فإذا كان المقصود بالمجاعة هو الاختفاء الكامل للغذاء، فقد لا تكون إيران قد وصلت إلى هذه المرحلة. لكن الصورة تختلف إذا كان المعيار هو قدرة الأسر الإيرانية على الوصول فعلياً إلى غذاء كاف ومقبول.
بمعنى آخر، قد تكون المواد الغذائية موجودة في السوق، لكنها تصبح بعيدة عن متناول ملايين الأشخاص بسبب ارتفاع أسعارها وتراجع قدرتهم الشرائية.
ويشير خبراء إلى أن نفي وجود خطر غذائي يتطلب توافر شرطين في الوقت نفسه: استمرار الإنتاج المحلي أو الواردات بصورة مستقرة، وقدرة السكان على شراء ما يتوافر في الأسواق.
وكلا الشرطين يواجهان ضغوطاً متزايدة بفعل الحرب والعقوبات والأزمة النقدية والقيود المالية.
من هنا، يتجاوز النقاش مسألة المخازن وشبكات التوزيع ليصل إلى مفهوم «الفقر الغذائي». فقد لا تنقطع السلع عن الأسواق، لكن ارتفاع أسعارها يمكن أن يجعلها، عملياً، غير متاحة لشريحة واسعة من المجتمع.
الواردات الغذائية تحت ضغط الحرب والعقوبات
لا تقتصر مؤشرات الضغط على سوق الغذاء على الداخل الإيراني.
فقد أشارت تقارير إلى استمرار صادرات بعض الدول، ومنها الهند، إلى إيران خلال النصف الأول من عام 2026، بما في ذلك الأرز والشاي وسلع أخرى مسموح بتصديرها، إلا أن المصدرين يواجهون صعوبات متزايدة في عمليات التجارة والدفع.
وتتمثل إحدى المشكلات في اضطراب بعض المسارات المالية والتجارية الإقليمية، التي كانت تستخدم في تسديد المدفوعات ونقل البضائع والتأمين والوساطة التجارية.
وإذا أصبحت هذه الطرق أكثر تعقيداً أو أبطأ أو أعلى كلفة، فإن حتى استيراد السلع المسموح بها قد يستغرق وقتاً أطول ويكلف المستوردين مبالغ أكبر.
وتتعرض إيران لهذا الضغط في وقت يعاني فيه السوق المحلي أصلاً من ارتفاع التضخم وتراجع القوة الشرائية وقلق متزايد مرتبط بالحرب.
ولهذا، فإن استمرار الواردات لا يعني بالضرورة بقاء الأسعار مستقرة، إذ يمكن أن تنتقل كلفة النقل والتحويلات المالية والتأمين في النهاية إلى المستهلك.
ويرى اقتصاديون أن الأزمات الغذائية لا تبدأ دائماً برفوف فارغة.
فقد يبدأ شكل آخر من الأزمة عندما تتجاوز أسعار الغذاء قدرة جزء كبير من السكان على الشراء، فتتحول الحاجة إلى الطعام من مشكلة توافر إلى مشكلة قدرة على الوصول.
وقد أظهرت دراسات تاريخية لعدد من المجاعات أن وجود الغذاء في بلد ما لا يمنع بالضرورة وقوع كارثة إنسانية، إذا فقدت الفئات الفقيرة قدرتها على الحصول عليه.
وتقوم الفكرة ببساطة على أن حاجة الفقراء لا تتحول، في اقتصاد السوق، إلى طلب فعلي ما لم تكن مدعومة بالقدرة المالية.
وهكذا، قد تبقى السلع موجودة وتباع، فيما يُستبعد من السوق من لا يملكون المال الكافي لشرائها.
ولا يعني ذلك أن الظروف الإيرانية مماثلة لتجارب تاريخية أخرى، لكن خبراء يشيرون إلى أن اتساع الفجوة الاقتصادية وعدم المساواة في الوصول إلى الموارد يمكن أن ينتجا وضعاً تستطيع فيه بعض الفئات الحفاظ على استهلاكها، بينما تعيش فئات أوسع مع موائد أصغر وأكثر هشاشة.
الخوف من الجوع قبل وقوع المجاعة
تحاول الحكومة الإيرانية طمأنة المواطنين بأن المخزونات وشبكات التوزيع ستمنع حدوث نقص واسع في المواد الأساسية.
لكن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم المخزون، بل بدرجة الثقة العامة في الوعود الرسمية.
فقد مر الإيرانيون خلال السنوات الماضية بتجارب متكررة من التضخم والقفزات في سعر الصرف وأزمات الدواء والنقص المؤقت في بعض السلع، فضلاً عن الضغط المستمر على مستوى المعيشة.
لهذا، لا يقيس كثيرون الوضع الاقتصادي بالتصريحات الرسمية وحدها، بل بأسعار السلع اليومية، وما يجدونه على رفوف المتاجر، والأهم بما يستطيعون شراءه من دخلهم.
وعلى ضوء ماسبق، تكتسب كلمة «المجاعة» بُعداً نفسياً حتى قبل ظهور نقص واسع في الغذاء.
فعندما يتحدث مسؤولون عن احتمال وقوع أزمة غذائية في حال عدم اتخاذ إجراءات اقتصادية معينة، أو يربطون الجوع بقدرة المجتمع على الصمود، لا يتلقى الرأي العام هذه التصريحات باعتبارها تحذيرات اقتصادية مجردة، بل قد يراها مؤشراً إلى عمق الأزمة.
ولهذا، فإن السؤال الأساسي ربما لا يكون ما إذا كانت إيران تواجه اليوم «مجاعة» بالمعنى التقليدي للكلمة.
والإجابة، في الوقت الراهن، تبدو أقرب إلى النفي، إذ لا توجد مؤشرات على اختفاء شامل للغذاء أو انهيار كامل لشبكة توزيعه.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان الأمن الغذائي للأسر الإيرانية يتآكل تدريجياً.
وهنا تبدو الصورة أكثر إثارة للقلق.
فإذا بقي الغذاء موجوداً في الأسواق، بينما فقدت أعداد متزايدة من المواطنين القدرة على شرائه، وإذا أصبحت طرق الاستيراد أكثر صعوبة وكلفة، واستمر التضخم في الارتفاع بوتيرة أسرع من الدخول، وتعرضت سلاسل الإمداد لمزيد من الضغوط بسبب الحرب والعقوبات، فإن الخطر لا يقتصر على المجاعة بمعناها التقليدي.
الخطر الأكبر قد يكون تحول الجوع التدريجي إلى واقع يومي عادي، من دون أن تظهر بالضرورة الصورة الكلاسيكية لمجاعة تتمثل في متاجر فارغة أو انقطاع كامل للغذاء.
اقرأ ايضا
انخفاض الزبائن 45%.. الغلاء يعيد تشكيل سوق المطاعم والأغذية في إيران



