هل يدفع القطع الإيراني لكابلات الإنترنت بالعراق ليكون ممر العالم البديل؟

توجد سبعة كابلات بحرية رئيسة على الأقل في مضيق هرمز لم تتأثر يوماً بعملية عسكرية أو تخريب متعمد وتكاد تكون من بين الكابلات الأكثر استقراراً

ميدل ايست نيوز: شكلت التسريبات الصحفية التي تضمنت نية الجانب الإيراني قطع الكابلات البحرية للإنترنت كجزء من التصعيد الدائر في حربها ضد الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي أثار القلق ليس فقط على صعيد المنطقة، بل على مستوى قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا.

وكانت وسائل إعلام إيرانية قد أشارت في أيار مايو الماضي، إلى احتمال تحول الكابلات البحرية في الخليج إلى أهداف محتملة، وطرحت كابلات الإنترنت بوصفها ورقة ضغط قد تكون مفيدة في مرحلة ما، وهو أمر لا يقل حساسية عن عرقلة تدفقات الطاقة والتجارة عبر المضيق.

أهمية هرمز الرقمي

توجد سبعة كابلات بحرية رئيسة على الأقل في مضيق هرمز لم تتأثر يوماً بعملية عسكرية أو تخريب متعمد وتكاد تكون من بين الكابلات الأكثر استقراراً، إلا أن فرق الصيانة فيها متوقفة بسبب المخاطر الأمنية الأخيرة، وهو ما يجعل عملية إصلاحها أكثر قلقاً من عملية تخريبها.

وتعتمد دول عدة على الكابلات المارة من المضيق بشكل رئيس، مثل حركة الطيران والبنوك والتجارة والنفط والغاز والخدمات الحكومية، في حين تكون الأنظمة الأكثر أهمية في هذه المنطقة لدول الخليج هي:

أولاً: AAE-1 وهو نظام كابلات بحرية ضخم للاتصالات ونقل بيانات الإنترنت، يمتد لمسافة 25 ألف كيلومتر.

ثانياً: FALCON هو نظام كابلات بحرية ضخم يمتد بطول يقارب 11,859 كيلومتراً. يربط دولاً عدة تشمل الهند، الخليج العربي (بما فيها العراق عبر الفاو)، السعودية، مصر، وأوروبا.

ثالثاً: نظام جسر الخليج الدولية (GBI) هو أول شبكة كابلات بحرية وأرضية للألياف الضوئية مملوكة للقطاع الخاص في الشرق الأوسط. يربط النظام دول الخليج العربي ببعضها، ويمتد ليربط الشرق بالغرب وصولاً إلى أوروبا وآسيا وأفريقيا، بهدف توفير خدمات الإنترنت ونقل البيانات عالية السرعة لشركات الاتصالات والحكومات.

من المتضرر ومن المستفيد؟

المتضرر الأكبر من قطع هذه الكابلات هي دول الإمارات وقطر والبحرين والكويت بسبب الحساسية الجغرافية، لأن جزءاً مهماً من الاتصال الدولي يدخل الخليج عبر شبكات بحرية تعبر المضيق، بينما السعودية وضعها أفضل نسبياً، لأنها دولة كبيرة جغرافياً، ولديها اتصالات بالبحر الأحمر ومسارات أخرى، ولذلك لا تعتمد على مدخل الخليج وحده.

أما العراق فوضعه مختلف ومثير للاهتمام جداً: فهو ليس مجرد مستهلك للمسارات البحرية، بل بدأ يتحول إلى طريق التفافي بري للخليج.

وأعلنت وزارة الاتصالات العراقية في حزيران يونيو الماضي، أن مشروع طريق الحضارات يستخدم مسار ألياف ضوئية من الفاو إلى ربيعة، ثم تركيا لنقل بيانات الخليج وآسيا إلى أوروبا براً، وذكرت أن دولاً خليجية بدأت بالفعل تطلب استخدام هذا المسار.

وهنا تظهر مفارقة مهمة جداً: إذا تضررت كابلات هرمز، فقد يتضرر العراق من اضطراب الإنترنت، لكنه في الوقت نفسه قد ترتفع أهميته الاستراتيجية كطريق بديل للبيانات الخليجية نحو أوروبا.

والطريق العراقي ليس مجرد مشروع نظري؛ فهناك مسارات برية تعمل بالفعل، أحدها يخفض زمن انتقال البيانات بين الخليج وأوروبا تقريباً من 150 ملي ثانية عبر المسارات البحرية التقليدية إلى نحو 70 ملي ثانية عبر العراق، والعراق قد يربح أهمية لأنه يصبح ممراً بديلاً للخليج إلى أوروبا عبر الفاو- تركيا.

أقصر المسارات البرية

المفارقة الأكبر هي أن الخطر الذي يهدد الكابلات البحرية الخليجية قد يزيد القيمة الاقتصادية للممرات البرية العراقية، أي أن الأزمة بالنسبة للعراق ذات وجهين:

الأول: أي اضطراب كبير للاتصال الدولي يمكن أن يؤثر في المصارف والدفع الإلكتروني والشركات والخدمات الحكومية والسحابية والمستخدمين.

الثاني: تزايد مخاطر المسارات البحرية يجعل شركات الاتصالات الخليجية تبحث عن تنوع جغرافي، والعراق يقع على أقصر المسارات البرية المنطقية من الخليج باتجاه تركيا وأوروبا.

وفي هذا الشأن، يرى مصطفى كامل الشريف، مستشار أمن المعلومات والسيادة الرقمية، أن “العراق هو أحد أهم المسارات البديلة، لا الطريق الوحيد؛ لأن دول الخليج تمتلك مسارات أخرى”.

ويؤكد الشربف، في حديث لـ”العالم الجديد”، أن “ذلك قد يعود عليه بالفائدة، بصفته ممراً بديلاً لنقل البيانات الخليجية إلى أوروبا عبر الفاو وتركيا”، دون أن يحدد مقدار الإيرادات المالية، لعدم إعلان السعات المتعاقد عليها أو التعرفة ومدة العقود وحصة الدولة.

طريق الحضارات العراقي

العراق يمتلك بالفعل طريق الحضارات، وهو مسار بري من الفاو إلى ربيعة ينقل حركة البيانات القادمة من آسيا والخليج باتجاه أوروبا عبر تركيا.

وفي 25 حزيران يونيو 2026 أعلنت وزارة الاتصالات العراقية أنها سوقت سعات Transit عبر هذا الطريق مع شركة GBI القطرية بنظام IRU طويل الأمد، وأنها تسلمت الدفعة المالية الأولى بالعملة الصعبة. والأكثر أهمية أن الوزارة قالت إن طلبات من دول الخليج بدأت تصل للاستفادة من المسار، لكن هل يستطيع العراق تعويض الحاجة التي يمكن للعالم أن يفقدها بسبب هرمز؟ نعم وفقاً للبنى التحتية التي تأسست بفعل استثمار القطاع الخاص في الكابل الضوئي داخل العراق وتعدد مساراته الحدودية مع توسعة مراكز البيانات وبوابات النفاذ.

يذكر أن قطر احتاجت إلى ترانزيت خلال كأس العالم 2022، وتم ذلك بالفعل عبر شركة عراقية محلية حيث زودتها بالسعات بكفاءة عالية جداً.

لكن ما يثير القلق هو القطوعات التي يتبعها العراق خلال امتحانات البكالوريا، حيث تمثلت الخسائر عام 2023 نحو 328 مليون دولار، وفي عام 2024 بلغت القطع 122 ساعة وقدرت الخسائر حينها بأكثر من 229 مليون دولار، في حين عالمياً قدرت الدراسة بأن انقطاعات الإنترنت عام 2025 كبدت خسائر بنحو 19.7 مليار دولار وتأثر قرابة 798 مليون شخص بذلك.

سمعة العراق التقنية

وهذا ما يؤكده الشريف، قائلاً: “قد تضر قطوعات الإنترنت بسمعة العراق التقنية وتهز ثقة الشركات الدولية التي تستخدم الممر العراقي أو تستثمر فيه؛ لأنها تبحث عن مسار يعمل على مدار الساعة بضمانات واضحة، ولا يمكن تسويق العراق بوصفه ممراً رقمياً دولياً موثوقاً، ثم يقطع الإنترنت داخلياً لمعالجة مشكلة امتحانية قابلة للحل تقنياً، بما يربك شبكة الاتصالات ويعطّل الخدمات والمصالح العامة”.

ويقدم الشريف، وهو مؤسس ومدير المركز الدنماركي للدراسات الاستراتيجية والتكنولوجية، حلاً تقنياً للمشكلة، من خلال “عزل خطوط الترانزيت الدولية عن الإنترنت المحلي وإبقائها فعّالة، واستبدال القطوعات بتوزيع رقمي مشفّر للأسئلة، ومفاتيح فتح محددة زمنياً، وعلامات مائية وسجلات تدقيق”.

مشروع رقمي كبير

وفي شباط فبراير 2026 تم الكشف عن مشروع كبير جداً يحمل اسم worldlink بين العراق والإمارات، بقيمة 700 مليون دولار للاستثمار بشبكة الكابل البحري، تبدأ من الإمارات إلى الفاو ثم تعبر العراق براً إلى تركياً وأوروبا، والمشروع سينفذ على مراحل لخمس سنوات بإجمالي بنية تحتىة تصل إلى خمسة آلاف كيلومتر.

ويستهدف المشروع إمرار 900 تيرابت بالثانية، وسيعتمد العراق على مسارين أرضيين للألياف الضوئية، وهذا أفضل من الاعتماد على مسار واحد فقط، ويستهدف المشروع شركات الاتصالات الدولية والشركات التي تشغل بنية حوسبة سحابية هائلة ومراكز البيانات وتطبيقات وبنى الذكاء الاصطناعي والخدمات التي تتأثر بزمن انتقال البيانات.

اقتصادياً سيكسب العراق Transit Fees فالشركات الدولية تدفع مقابل تمرير السعات عبر البنية العراقية. ومراكز البيانات عندما تصبح دولة ما عقدة اتصال دولية، يصبح إنشاء Data Centers بالقرب من هذه الشبكات أكثر جاذبية، وقد تصبح إقامة بنية لـcloud وAI داخل العراق أكثر منطقية إذا كانت هناك سعات دولية ضخمة وموثوقة، فضلاً عن الوظائف والصيانة والخدمات التقنية.

لكن الخبير التقني مصطفى كامل الشريف، يفضّل المسار القطري، كونه “أكثر نضجاً تجارياً حالياً، لأن GBI دخلت في عقد فعلي مع العراق وتسلمت الحكومة الدفعة الأولى، بينما لا تزال تفاصيل عرض (إي آند) الإماراتية غير منشورة، ومشروع WorldLink الإماراتي مخطط للتنفيذ على مراحل”، إلا أنه يرجح “اعتماد المسارين مستقبلاً مع ضمان استقلالهما فعلياً؛ لأن تعدد الكابلات والمشغلين هو ما يمنح الممر العراقي المرونة والاستمرارية”.

والسؤال الأكثر إلحاحاً والذي قد يظهر من أصحاب القرار وأصحاب الحاجة، هل العراق سيطرح نفسه بديلاً في حال أضرت إيران بالكابلات البحرية المارة عبر مضيق هرمز؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى