ملامح الاتفاق الإيراني العُماني حول هرمز: طبيعة المفاوضات ومكونات التفاهم

في الوقت الذي تطالب فيه واشنطن بفتح المضيق وضمان حرية الملاحة فيه دون قيد أو شرط، تصرّ طهران على التعامل مع الممر الحيوي كقضية أمن قومي ملحّة.

ميدل ايست نيوز: في ظل الجمود الذي يطبع المسار الدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب في المنطقة، يبرز مضيق هرمز كحلقة وصل حاسمة وعقدة رئيسية في المشهد؛ ففي الوقت الذي تطالب فيه واشنطن بفتح المضيق وضمان حرية الملاحة فيه دون قيد أو شرط، تصرّ طهران على التعامل مع الممر الحيوي كقضية أمن قومي ملحّة، رابطةً قرار إعادة فتحه بتنفيذ حزمة من الشروط تشمل:

  • إنهاء الحروب في المنطقة بأكملها
  • ورفع الحصار والعقوبات المفروضة من واشنطن

وهي الشروط التي لا تزال الأخيرة تتجنّب الالتزام بها حتى الآن.

تتعامل إيران حالياً مع مضيق هرمز كعامل ردع وورقة ضغط في مواجهة الضغوط الخارجية، وقد تمكّنت عبر إبراز هذه الورقة من تهميش ملفها النووي حتى الآن. بيد أنّ هذا المضيق يمثل أحد أهم مسارات نقل الطاقة بالنسبة للولايات المتحدة والاقتصاد العالمي، لذا فإنّ أي اتفاق بشأن وضعه يرتبط عملياً بموازين القوى بين الطرفين، وهو ما يجعل المسألة شديدة التعقيد. ويعد المضيق الممر الرئيسي لنحو خمس إمدادات النفط العالمية وسلع حيوية أخرى، ولا يزال نقطة خلاف رئيسية في جهود إنهاء الحرب على إيران.

تجدّد النزاع حول هرمز

كان مضيق هرمز مفتوحاً قبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية في 28 فبراير/ شباط، إلا أنّ إيران أقدمت على إغلاقه مع بدء الحرب ومنعت الملاحة فيه. وعقب وقف إطلاق النار في 8 إبريل/ نيسان، فُتح المضيق مؤقتاً، ثم أُغلق مجدداً مع بدء الحصار البحري الأميركي على إيران، إلى أن أُعيد فتحه مع توقيع مذكرة تفاهم بين طهران وواشنطن في منتصف يونيو/ حزيران.

غير أنّ النزاع تجدد بشأن المضيق الذي تحوّل إلى عنوان للصراع الحالي بعد 23 يوماً من إبرام مذكرة التفاهم إثر الهجمات الإيرانية على سفن تجارية، وذلك في أعقاب اتهامات طهران لواشنطن بالسعي نحو إنشاء مسار ملاحي جديد في جنوب المضيق؛ مما أدى إلى تعليق العمل بالمذكرة وإغلاق المضيق مرة أخرى.

اتهمت طهران واشنطن بأنها خلافاً لنص المذكرة الذي يمنح إيران مسؤولية ترتيبات إعادة فتح المضيق (المادة الخامسة)، قد شرعت في إنشاء مسار جنوب المضيق، وهو ما اعتبرته إيران تقويضاً لسيادتها على المضيق، مما استدعى مهاجمتها السفن. وتبع هذا الخلاف انهيار التفاهم وتوقف العمل به؛ إذ أعلنت إيران إغلاق المضيق، بينما تحدثت الولايات المتحدة أولاً عن عودة الحصار الاقتصادي، وأخيراً أعلنت عن أكبر هجوم مالي على إيران يستهدف شركائها التجاريين، كما شهدت تلك الفترة أياماً من المواجهات المحدودة بين الطرفين.

في الأثناء، تجري منذ نحو شهرين مفاوضات فنية بين إيران وعُمان بشأن الملاحة في مضيق هرمز، والتي أكدت مصادر إيرانية أنها أفضت إلى اتفاق يبدو أنه لم يحظَ بعد بموافقة الولايات المتحدة؛ ويستدل على ذلك بتهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 17 أغسطس/ آب بضرب سلطنة عُمان إذا تدخلت فيما وصفه بالجهود الأميركية المتعلقة بمضيق هرمز.

بناءً على ذلك، يتداخل في مضيق هرمز ملفان مترابطان: الأول هو إعادة فتح المضيق، والثاني هو الاتفاق الإيراني العُماني بشأن قواعد الملاحة في هذا الممر الدولي الحساس. وكلا الملفين مرتبط بالتوتر والمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة؛ فمن جهة، من المستبعد أن يكتسب اتفاق طهران ومسقط قابلية التنفيذ دون موافقة واشنطن، كما أنّ القضية لا تقتصر على فتح المضيق فحسب، بل تكمن في منْ سيديره وبناءً على أي قواعد. ومن جهة أخرى، يرتبط مثل هذا الاتفاق بنظام المقايضة بين واشنطن وطهران في ملفات أخرى تتراوح بين الحرب والحصار، وهي ملفات لم تبدِ واشنطن موافقة على شروط إيران بشأنها حتى الآن.

وفي هذا السياق، تجد سلطنة عُمان نفسها في موقف صعب ومعقد للغاية؛ فمسقط من ناحية تحتاج إلى الاتفاق مع طهران لاستعادة الملاحة الآمنة، ومن ناحية أخرى، فإن أي آلية تؤدي إلى تعزيز السيطرة الإيرانية على المضيق قد تضع البلاد في مواجهة مباشرة مع واشنطن.

طبيعة المفاوضات الإيرانية العُمانية

تتركز المفاوضات بين إيران وعُمان بشأن الملاحة في مضيق هرمز على إنشاء مسار ملاحي جديد. ولا تقتصر هذه المفاوضات على وزارتَي خارجية البلدين فحسب، بل كما صرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 17 أغسطس/ آب، فإنها تجرى بين القوات العسكرية والبحرية للبلدين بناءً على الخرائط المتاحة. وفي هذا الصدد، كشف نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، في مقابلة مفصلة مع التلفزيون الإيراني، ليلة الثلاثاء الماضي، عن وجود لجنة عمل مشتركة لإدارة هذه المفاوضات.

ووفقاً لغريب آبادي، تضم هذه اللجنة من الجانب الإيراني كلاً من: وزارة الخارجية، والحرس الثوري، وهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، والقوات البحرية. وتتم المفاوضات بشأن إنشاء مسار جديد بناءً على خرائط عسكرية قدمتها القوات المسلحة.

وعليه، يمكن القول إن المفاوضات ليست سياسية ودبلوماسية فحسب، بل هي بالأحرى ذات طابع عسكري؛ إذ أشار نائب وزير الخارجية الإيراني إلى أن هذه المباحثات تتعلق بالجانب الفني، وهي ليست ضمن اختصاص وزارة الخارجية، بل هي مهمة القوات المسلحة.

الشروط الإيرانية لفتح هرمز

وفيما يخصّ هذه الشروط، أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف مؤخراً أن مضيق هرمز لن يفتح ما لم تنفذ الولايات المتحدة التزاماتها الواردة في مذكرة التفاهم، بما فيها:

  • رفع الحصار
  • والإفراج عن الأموال المجمدة
  • ورفع العقوبات النفطية
  • وإنهاء التهديدات والعمليات العسكرية في كل الجبهات، وباقي الشروط التي تعهدت بها أميركا.

غير أنّ الأمين الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي أضاف أخيراً، وفي أكثر من مناسبة، وقف الحرب في غزة إلى جانب وقف الحرب في لبنان ضمن الشروط، كما أثار كاظم غريب آبادي ضرورة حسم مسألة اليمن وتحديد وضع البلاد فيها كجزء من اتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز.

رغم أن المسؤولين الإيرانيين كانوا يتحدثون حتى قبل أيام قليلة عن قرب التوصل لاتفاق مع عُمان، إلا أنه بناءً على التصريحات الإيرانية الأخيرة، يبدو أن الاتفاق قد أُعد بالفعل، وأن ما أدى إلى تأخير إعلانه هو رفض الإدارة الأميركية للشروط الإيرانية. وفي السياق، قال المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، حسين محبي، الأربعاء الماضي، إنّ الولايات المتحدة “تعرقل هذا المسار، وهو ما أدى إلى تأخر سير العمل” بالاتفاق الإيراني العُماني.

ملامح الاتفاق

في أول مقابلة له منذ تعيينه في المنصب قبل أسابيع مع وسيلة إعلام تابعة لحزب الله اللبناني، والتي يحمل اختيارها دلالات خاصة، صرّح أمين مجلس الأمن القومي الإيراني محسن رضائي، أمس الخميس، بأنّ طهران ومسقط توصلتا إلى اتفاق بشأن إنشاء ممر جديد في مضيق هرمز، وأوضح “جزء من هذا الممر يقع في مياهنا والجزء الآخر في مياه عُمان. نحن ندير عملية الدخول والخروج بشكل مشترك. المسار محدد بدقة، وإذا نفذ الأميركيون شروطنا وعملوا وفقاً لها، فسيُفتح مضيق هرمز، وستعبر السفن عبر هذا المسار الجديد الواقع في وسط المضيق”.

ما تسعى إليه إيران الآن هو إجراء تغيير جذري في مسار الملاحة في مضيق هرمز، بعد أن كانت الملاحة تتم بالكامل تقريباً منذ عام 1968 عبر المياه الإقليمية العُمانية؛ إلا أن طهران لم تعد تقبل بهذا الوضع. وفي هذا السياق، صرح غريب آبادي، الثلاثاء الماضي، بأن هذا المسار الملاحي على مدار الـ58 عاماً الماضية ألحق “أضراراً جسيمة” بالبلاد، مؤكداً أن من حق إيران مواجهة الأضرار والتهديدات، وأنّ مضيق هرمز “أصبح الآن قضية أمن قومي بالنسبة لنا”.

المكونات الأساسية للاتفاق

وبناءً على المعطيات المتاحة، يمكن تلخيص مكونات الاتفاق بين الطرفين وفقاً للمعلومات الواردة من الجانب الإيراني، مع ملاحظة أن العُمانيين يلتزمون حتى الآن الصمت المطبق تجاه تفاصيل الاتفاق.

  • إنشاء مسار ملاحي أوسط

وفقاً للمسؤولين الإيرانيين، سيكون مسار الدخول إلى الخليج عبر المضيق بالكامل عبر المياه الإيرانية، ومسار الخروج عبر المياه الإقليمية العُمانية، ولكن جزء من الخروج أيضاً سيمر عبر المياه الإيرانية. وذكر غريب آبادي أن هذا الممر يبلغ حوالى 7 أميال، وهو ليس خطاً واحداً في أعلى المضيق وآخر في أسفله، بل يشبه طريقاً سريعاً ذا اتجاهين.

  • مسار مؤقت

الاتفاق الذي توصل إليه الطرفان هو مسار مؤقت، إذ من المقرر التفاوض مع عُمان خلال فترة تتراوح بين 30 إلى 60 يوماً للوصول إلى مسار ملاحي دائم بدلاً من هذا المسار المؤقت. وقد أعلنت الخارجية الإيرانية أن المفاوضات مع مسقط لإدارته مستقبلاً يجب أن تبدأ خلال هذه الفترة لتحديد الترتيبات المشتركة. وأكد البيان المشترك الإيراني العُماني الأخير الصادر عقب زيارة البوسعيدي لطهران على استمرار المباحثات الفنية بهدف الاتفاق على ممر ملاحي دائم وآلية للإدارة المستقبلية للمضيق. ويبدو أن جعل هذا المسار مؤقتاً هو محاولة إيرانية لربط المسألة بمسار المفاوضات بين إيران وأميركا. وتتماشى هذه الخطوة مع المادة الخامسة من مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، التي تنص على البدء فوراً في المباحثات الإيرانية خلال 60 يوماً مع عُمان لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية وفق القانون الدولي والحقوق السيادية للدول الساحلية.

  • إزالة الألغام

أكد البيان المشترك بين إيران وسلطنة عُمان على الاتفاق على تنفيذ مشروع مشترك لتطهير مضيق هرمز من الألغام، في حين ظلت طهران تصف ادعاءات المسؤولين الأميركيين بشأن عمليات إزالة الألغام في المضيق بأنها “كاذبة”.

  • آلية لتبادل المعلومات وإدارة الحركة الملاحية والخدمات الأمنية

شدد البيان الإيراني العُماني المشترك أيضاً على إنشاء هذه الآلية.

  • تقاسم الإيرادات

صرّح المتحدث باسم الحرس الثوري، حسين محبي، الأربعاء الماضي، بأن الجانبَين توصلا إلى اتفاقيات مع عُمان بشأن حصة كل من البلدين من مياه المضيق، وحصة كل منهما من الإيرادات الناتجة عنها، لكنه لم يعلن عن النسب المحددة لكل طرف.

  • حظر مرور السفن العسكرية

تؤكد أكثر من جهة إيرانية من الخارجية إلى الحرس أن الاتفاق مع سلطنة عُمان ينص على عبور السفن التجارية فقط من مضيق هرمز وحظر مرور أي سفينة عسكرية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة عشر + 6 =

زر الذهاب إلى الأعلى