كيش.. واجهة إيران الاقتصادية تتصدع تحت وطأة الحرب وسوء الإدارة

تمثل أوضاع جزيرة كيش نموذجاً مصغراً لأزمة التنمية الأكبر في إيران: استثمارات ضخمة من دون ضمان لاستقرار القوانين، وإدارات تتغير مع تغير الحكومات.

ميدل ايست نيوز: كان من المفترض أن تكون كيش واجهة إيران الاقتصادية، جزيرة جرى الاستثمار فيها لتتحول إلى رمز للتجارة والسياحة والاستثمار والارتباط باقتصاد المنطقة. إلا أن التقارير الصادرة من الجزيرة اليوم تقدم صورة مختلفة تماماً: فنادق تعاني من تراجع الإيرادات، وتسريح للموظفين في الشركات العاملة بقطاع السياحة، ومشاريع غير مكتملة، ومستثمرون ينتظرون منذ سنوات حسم مصير أصولهم، وإدارة تبدو، في واحدة من أصعب المراحل في تاريخ المناطق الحرة، بلا خطة واضحة وتعيش حالة من التخبط.

وفاقمت ظروف الحرب خلال عامي 2025 و2026 الوضع المتردي في جزيرة كيش جنوب إيران، لكن لا يمكن إرجاع جميع مشكلات الجزيرة إلى الحرب. فجذور الأزمة الحالية وما يشبه الموت التدريجي لكيش أقدم بكثير، إذ أسهم عدم استقرار القوانين، وتدخلات الحكومة المركزية، والتغيير المستمر للمديرين، وأزمة البنى التحتية، وتقليص المزايا القانونية والاجتماعية للمناطق الحرة، وتحويل الإدارة الاقتصادية للجزيرة إلى جزء من منظومة التعيينات السياسية، على مدى عقدين، في تشكيل واقع كيش كما نراه اليوم.

الحرب توجه الضربة القاضية لاقتصاد الجزيرة الهش

خلال حرب الأيام الاثني عشر عام 2025، توقفت الرحلات الجوية إلى كيش اعتباراً من 13 يونيو/حزيران، قبل أن يعود مطار الجزيرة إلى شبكة الرحلات الجوية في 4 يوليو/تموز. وأظهر هذا التوقف مدى هشاشة اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على السياحة والاتصالات الجوية أمام الأزمات الأمنية.

وفي الأزمة العسكرية التالية، ازدادت الظروف صعوبة. فقد أثرت الهجمات على جنوب إيران وقشم وبندر عباس ومناطق أخرى في محافظة هرمزغان، إلى جانب التقارير عن وقوع انفجارات في كيش، بشدة في الأوضاع الاقتصادية والسياحية للمنطقة. وأفادت مصادر محلية ودولية بوقوع هجمات متعددة على مناطق جنوبية وسماع دوي انفجارات في كيش وقشم.

وقال المدير التنفيذي لشركة المياه والكهرباء في كيش، في أغسطس/آب 2026، إن الجزيرة شهدت «إخلاء استمر نحو شهرين»، مع توقف كامل لأنشطة الفنادق والأسواق، وتراجع ملحوظ في أعداد السياح الوافدين، وخسائر اقتصادية كبيرة ناجمة عن الحرب.

كما أعلن رئيس جمعية أصحاب الفنادق في إيران أن العديد من مرافق الإقامة في كيش وقشم لم تعد إلى دورة نشاطها الطبيعية حتى بعد انتهاء الأزمة، وأن إيرادات الفنادق تراجعت بشدة، بل وصلت في بعض الحالات إلى الصفر، فيما استمرت الضغوط الضريبية.

وإلى جانب أزمة السياحة، تواجه كيش إرثاً من المشاريع التي لا يزال مصير بعضها مجهولاً حتى بعد مرور أكثر من عقد على انطلاقها. ومن أبرز الأمثلة «مدينة بديده كيش الحلمية»، وهو مشروع مر نحو 15 عاماً على انطلاقه، لكن تقريراً نشر في أغسطس/آب من العام الجاري أظهر أن نسبة إنجازه لا تزال تقل عن 10%، فيما ارتبط توقفه بفقدان أكثر من 3500 شخص وظائفهم.

ويعد مشروع «ياران كيش» مثالاً آخر، إذ يضم 207 وحدات سكنية، ورغم الإعلان عن وصول نسبة الإنجاز فيه إلى نحو 90%، لا يزال مشترو هذه الوحدات، بعد أكثر من عقد، يواجهون مشكلات قانونية وتنفيذية.

وتتحدث منظمة المنطقة الحرة نفسها حالياً عن تسوية أو حسم أوضاع 18 ملفاً كبيراً ومتراكماً، إلى جانب متابعة خمسة ملفات أخرى.

لكن الأزمة لا تقتصر على كيش وحدها، فلا وزارة الاقتصاد ولا الحكومة الإيرانية ولا المسؤولون الحاليون في أمانة المجلس الأعلى للمناطق الحرة يعرفون حتى الآن كيف ينبغي إدارة المناطق الحرة في الظروف الراهنة. وفي الوقت نفسه، تعيش أمانة المجلس الأعلى للمناطق الحرة نفسها واحدة من أكثر مراحل عدم الاستقرار الإداري في تاريخها.

ويأتي هذا التخبط رغم أن القوانين المعمول بها تنص على تمتع أمانة المجلس الأعلى للمناطق الحرة بشخصية قانونية مستقلة. بعبارة بسيطة، لم تحسم الحكومة بعد مكانة هذه المؤسسة من الناحية التنظيمية، رغم أنها يفترض أن تكون محركاً للاستثمار والتجارة الحرة في البلاد.

وفي هذا السياق، تمثل أوضاع جزيرة كيش نموذجاً مصغراً لأزمة التنمية الأكبر في إيران: استثمارات ضخمة من دون ضمان لاستقرار القوانين، وإدارات تتغير مع تغير الحكومات، وسياسة تلقي بظلالها على الاقتصاد، ومستثمر لا يعرف ما إذا كان قرار الحكومة اليوم سيظل سارياً غداً أم لا.

وظلت كيش لأكثر من ثلاثة عقود واجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، واجهة يراد من خلالها إظهار إمكانية العمل في جزء من إيران بطريقة مختلفة عن النموذج الاقتصادي المغلق السائد في البلاد، لكن تلك الواجهة نفسها بدأت اليوم تتصدع وتتكسر.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 − 9 =

زر الذهاب إلى الأعلى