ممرات التجارة في سوريا تدفع نحو انتعاش محفوف بالمخاطر بعد مرحلة الأسد

إن الجغرافيا نفسها التي تجعل سوريا جذابة للمستثمرين من الخليج وتركيا وأوروبا تعرضها أيضاً لتصاعد المنافسات حول الجهات التي تموّل هذه الممرات وتشغّلها وتؤمّنها.

ميدل ايست نيوز: ممرات التجارة السورية قد عادت لتصبح متغيراً مركزياً في عملية التعافي غير المؤكدة للبلاد بعد النزاع. وتشير إعادة فتح الطرق العابرة للحدود لنقل الوقود العراقي، وإعادة تطوير سكة حديد الحجاز المقترحة، وخط أنابيب النفط المخطط بين كركوك وبانياس، إلى تحول سريع من العزلة التي فرضتها الحرب نحو الترابط الإقليمي. ومع ذلك، فإن الجغرافيا نفسها التي تجعل سوريا جذابة للمستثمرين من الخليج وتركيا وأوروبا تعرضها أيضاً لتصاعد المنافسات حول الجهات التي تموّل هذه الممرات وتشغّلها وتؤمّنها.

وحسب تقرير لموقع “فورين أفيرز” أفاد به موقع “ميرو” تحركت دمشق بسرعة لجذب رأس المال الأجنبي، مقدمة حقوق ملكية، وتخفيضات ضريبية، وعقوداً طويلة الأجل لإدارة الموانئ. وقد يولد هذا النهج إيرادات ضرورية ويحسن مكانة سوريا إقليمياً، لكنه يحيي أيضاً أنماط السيطرة المركزية القديمة وممارسات فرض النفوذ الخارجي. ومن دون اتفاقيات شفافة، ورقابة مستقلة، وإعادة استثمار في الاقتصادات المحلية، قد تركز البنية التحتية الجديدة للنقل الثروة في العاصمة، بينما تترك المجتمعات الطرفية واللاجئين العائدين أكثر تهميشاً. والمخاطر السياسية واضحة: إذا لم توزع فوائد إعادة الإعمار من خلال مؤسسات موثوقة، فقد يتبع ذلك تفكك متجدد بدلاً من الاستقرار الدائم. وبالتالي، تمثل ممرات التجارة السورية فرصة استراتيجية ومخاطرة هيكلية للدولة السورية ما بعد الأسد.

ممرات التجارة السورية تعيد فتح الروابط الإقليمية

في أوائل أبريل، عبرت قافلة تضم 299 صهريج وقود عراقي إلى سوريا في طريقها إلى ميناء بانياس على البحر الأبيض المتوسط، وهو أحد المسارات القليلة المتبقية إلى الأسواق الدولية في ظل إغلاق مضيق هرمز. وكانت هذه المرة الأولى التي يعبر فيها النفط العراقي الأراضي السورية بشكل قانوني منذ عام 2003، عندما أدى الغزو الأميركي للعراق إلى إغلاق تدفق النفط عبر الحدود بين العراق وسوريا فعلياً. وفي أواخر أبريل، وسّعت العراق المسار وأعادت فتح معبر ربيعة الشمالي مع سوريا، وهو معبر ظل مغلقاً لأكثر من عقد خلال الحرب الأهلية السورية. وبين أبريل وأواخر يوليو، نُقل أكثر من 2.1 مليون طن متري من الوقود العراقي إلى الساحل السوري.

وقبل اندلاع الحرب الأهلية السورية عام 2011، كانت البلاد تعمل كمفترق تجاري بين العراق والأردن ولبنان وتركيا والبحر الأبيض المتوسط، وتربط دول الخليج بالأسواق الأوروبية. لكن بعد عام 2011، تحولت سوريا إلى نوع مختلف من مراكز النقل. وأصبحت التجارة تهيمن عليها الأسلحة الإيرانية والدعم اللوجستي المتجهان إلى حزب الله في لبنان، إلى جانب الوقود والمخدرات وغيرها من الأنشطة التجارية غير المشروعة التي ملأت خزائن ديكتاتور البلاد، بشار الأسد، لكنها لم توفر للسوريين سوى فوائد محدودة.

وبعد أن أطاحت هيئة تحرير الشام، الجماعة المسلحة التي كان يقودها الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، بنظام الأسد في نهاية عام 2024، بدأت التجارة الإقليمية تعود تدريجياً. وبحلول أغسطس 2025، عبرت نحو 327 ألف شاحنة تحمل أكثر من سبعة ملايين طن من البضائع إلى سوريا، وفقاً لتقديرات وكالة الجمارك السورية. وبدأت الأردن وقطر والسعودية وتركيا تطبيع علاقاتها مع سوريا واستئناف الأنشطة التجارية فيها.

وتحركت السلطات الجديدة في دمشق بسرعة لاستعادة علاقات البلاد مع مجموعة متنوعة من الشركاء الإقليميين والدوليين، بهدف إنهاء العزلة الاقتصادية لسوريا. وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة، فإنها لا تكفي لإعادة بناء البلاد بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية. وقدّر البنك الدولي في عام 2025 أن تكلفة إعادة إعمار سوريا ستبلغ 216 مليار دولار، أي ما يقرب من عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لسوريا في عام 2024.

ويعمل قادة سوريا الآن على تهيئة البلاد للاستفادة من تداعيات الاضطرابات الإقليمية. ومنذ اندلاع الحرب الإيرانية في أواخر فبراير، تزايدت فرص الاستثمار الأجنبي الجديد في سوريا. ونظراً إلى أن الاصطفاف مع الولايات المتحدة وإسرائيل والاعتماد على مضيق هرمز ينطويان على مخاطر متزايدة للتعرض لانتقام إيراني، تتجه دول عديدة نحو سوريا، التي تمتلك مجموعة متنوعة من الطرق البرية والبحرية المناسبة.

وتستخدم السلطات السورية التدفق المحتمل لرأس المال والتجارة لإنشاء مصدر جديد للإيرادات، بما يسمح للدولة بإعادة تشكيل صورة البلاد من مصدر للاجئين والإرهاب والفوضى الإقليمية إلى قوة عبور تؤدي دوراً مهماً في الربط الإقليمي. لكن سرعة وحجم الاستثمارات قد يتجاوزان أيضاً قدرة المؤسسات اللازمة على إدارتها. وإذا لم تخضع هذه الاستثمارات للرقابة المناسبة أو توزع بصورة عادلة، فإن تدفق الاستثمار الجديد، الذي يبدو واعداً الآن، قد يقوض التعافي الهش للبلاد.

الهزات الارتدادية

ليست الحاجة إلى تحسين وسائل النقل وتنويعها عبر الشرق الأوسط جديدة، لكن الحرب الأهلية السورية جعلت المرور عبر البلاد مستحيلاً على مدى نحو 15 عاماً. وفي عام 2009، بدأت الحكومتان السعودية والتركية مناقشات حول إعادة تطوير مسار سكة حديد الحجاز، التي أنشأتها الإمبراطورية العثمانية ودُمرت إلى حد كبير خلال الحرب العالمية الأولى، لكنهما تخلتا عن هذه الخطط مع اندلاع الحرب الأهلية السورية.

وبين عامي 2010 و2021، انخفضت صادرات سوريا بنحو 90 في المئة. وأُغلقت طرق النقل الرئيسية عبر البلاد تماماً مع تفكك الدولة إلى مناطق متنافسة على السيطرة. وفي عام 2023، اقترحت الهند والسعودية والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة وشركاء أوروبيون ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الاقتصادي، وسيلةً لتعزيز الاتصال داخل المنطقة وبين مناطقها، ودمج إسرائيل، باعتبارها نقطة على الممر، مع جيرانها.

وجعل الاضطراب في مضيق هرمز توسيع هذه المشاريع أكثر إلحاحاً. وفي أبريل ويونيو من هذا العام، اتفقت حكومات الأردن والسعودية وسوريا وتركيا على إعادة تطوير سكة حديد الحجاز خلال ثلاث إلى أربع سنوات. وتقدر تحليلات لممرات حديدية إقليمية مماثلة، مثل تلك التي أجراها المجلس الأطلسي، أن السكك الحديدية يمكن أن تنقل في البداية نحو 1.5 مليون حاوية سنوياً، مع إمكانية رفع القدرة إلى ثلاثة ملايين حاوية مع توسيع شبكة السكك الحديدية والقدرة المينائية.

ويتوافق هذا الاقتراح مع الرؤية الفضفاضة التي طرحها الشرع في قمة غير رسمية للاتحاد الأوروبي في أبريل، بين قادة من أوروبا والشرق الأوسط، بشأن مبادرة البحار الأربعة والممرات التسعة، التي تضع سوريا في مركز شبكة تربط الخليج وبحر قزوين والبحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط، بما يسهل التجارة البرية والبحرية في السلع والكهرباء والنفط. ثم، في يوليو، اتفق العراق وسوريا على إعادة تأهيل خط أنابيب النفط كركوك-بانياس، الذي دُمر خلال الغزو الأميركي للعراق عام 2003، لإنشاء منفذ دائم للنفط العراقي إلى البحر الأبيض المتوسط.

وإذا دخل خط الأنابيب الخدمة وفق الجدول الزمني المقدر بأربع سنوات، فقد ينقل مليوني برميل يومياً بحلول عام 2030، وهو ما يعادل نحو 60 في المئة من صادرات العراق من النفط الخام قبل الحرب الإيرانية، ونحو 9 في المئة من إجمالي النفط الذي كان يمر عبر مضيق هرمز. ومع وجود طرق جديدة مخطط لها أيضاً عبر تركيا، يصبح العراق في وضع يمكنه من توجيه أكثر من 80 في المئة من حجم صادراته بعيداً عن هرمز، ما ينهي اعتماده شبه الكامل على الموانئ الخليجية.

ومع ذلك، فإن هذه الاتجاهات لا تضمن تحسين الأوضاع الاقتصادية والسياسية للسوريين. فعلى الرغم من أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها نفوذاً جيوسياسياً لدى الفاعلين الأجانب الساعين إلى تنويع طرق التصدير، فإنه يضع البلاد أيضاً في قلب تنافسات ناشئة، مع تقارب السعودية وتركيا في المجال الأمني، وتزايد الدور التجاري للإمارات العربية المتحدة في الموانئ والخدمات اللوجستية، ومحاولة إسرائيل منع تركيا من إقامة نفوذ بالقرب من حدودها. ويمكن أن تؤدي المنافسة حول الجهات التي تمول هذه الممرات وتشغلها وتحميها إلى جر سوريا إلى نزاعات لا تملك القدرة على تحملها.

من يتحكم في الممرات الجديدة؟

حاولت دمشق الحد من تعرضها لهذه المخاطر من خلال العمل مع كل قوة تقريباً مستعدة لدعم إعادة إعمارها وإعادة دمجها، بما في ذلك قطر والسعودية وتركيا والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة، إضافة إلى الصين وروسيا. لكن هذه الاستراتيجية تثبت أنها أكثر صعوبة مع مرور الوقت. إذ يدفع نفوذ أكبر داعمي سوريا الماليين بدمشق نحو كوكبة قطرية-سعودية-تركية. وإذا نمت المنافسة على الممرات بوتيرة أسرع من قدرة سوريا على إدارتها، فقد تقع البلاد ضحية لمزيد من السيطرة الأجنبية والاستنزاف.

وقد تمثل إسرائيل أيضاً عقبة كبيرة أمام عودة سوريا كقناة موثوقة للتجارة. فإذا نجحت إعادة بناء سكة حديد الحجاز، فإنها ستقلل من أهمية إسرائيل في الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، كما ستقلل من دورها كبوابة إلى البحر الأبيض المتوسط للدول العربية. وقد تحاول إسرائيل مقاومة هذا التطور.

وفي فبراير، حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من «محور سني راديكالي ناشئ» مع تقارب سوريا مع قطر والسعودية وتركيا. وفي يونيو، حذرت وزيرة النقل الإسرائيلية ميري ريغيف من أن الشراكات التجارية والطاقة الإقليمية المصممة لتجاوز إسرائيل تشكل «تهديداً استراتيجياً حقيقياً للأمن القومي»، ما يضع ظهور سوريا كممر تجاري بديل ضمن التصور الإسرائيلي الأوسع للتهديدات.

وأظهرت إسرائيل استعدادها لاستخدام القوة ضد تلك الدول. ففي عام 2025، قصفت مجمعاً تابعاً لحماس في الدوحة، ونفذت هجمات واسعة النطاق في سوريا، بما في ذلك على قواعد جوية كانت فرق عسكرية تركية تدرس نشر قوات فيها، واستولت على أراض إضافية في جنوب البلاد. وفي أغسطس 2026، ضربت إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية السورية بعدما زعمت أن دمشق كانت تستعد للسماح بنشر قوات تركية هناك بهدف «إيذاء إسرائيل»، وفقاً لما قاله وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس.

وتجنبت دمشق، التي لا تستطيع تحمل حرب مع إسرائيل، الرد العسكري وسعت إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من خلال المشاركة في مفاوضات بوساطة أميركية. ومع ذلك، قد لا يردع هذا النهج المعتدل إسرائيل عن توسيع احتلالها غير القانوني للأراضي السورية، أو استهداف البنية التحتية السورية، أو إثارة عدم الاستقرار من خلال علاقاتها مع الأقليات السورية، وهي أمور تعيق جميعها المشاريع الحيوية لتعافي سوريا. وكما جادل محللا الشرق الأوسط شيرا إيفرون وداني سيتريونوفيتش في مجلة «فورين أفيرز»، فإن محاولات الحكومة السورية الجديدة مواجهة هذه العمليات قد تؤدي إلى تحول إسرائيل وسوريا إلى خصمين دائمين. وستتطلب هذه المحاولات أيضاً مزيداً من الدعم من الفاعلين الأجانب.

الدفع للعب

يؤثر النفوذ المتزايد للقوى الأجنبية في سوريا أيضاً في الأبعاد السياسية المهمة لإعادة إعمار البلاد. وطوال فترة الحرب الأهلية، منح الأسد الدول التي دعمت نظامه القمعي إمكانية الوصول إلى الأراضي السورية والأصول الاقتصادية. وبنت روسيا قواعد عسكرية وحصلت على امتيازات مربحة في مجالات الفوسفات والنفط والغاز والموانئ. واستخدمت إيران سوريا جسراً برياً إلى لبنان، ونشرت آلاف الجنود في البلاد.

وتجري جهود إعادة تشكيل الدولة السورية بعد سقوط الأسد في ظل هذا الإرث. وأنهت الحكومة التي يقودها الشرع إلى حد كبير هذه الطريقة في تفويض السيادة السورية، وطردت القوات الإيرانية وحزب الله من سوريا، وحطمت الشبكات التي دعمت الممر العسكري الإيراني في البلاد، واستعادت السيطرة على القواعد العسكرية التي كانت تحت سيطرة روسيا سابقاً، رغم أن هذه القواعد ستظل تُدار بشكل مشترك. لكن خطر تفويض السيادة لم يختفِ.

ولا تزال دمشق تتعامل مع نظام حكومي وطني مجزأ. ولسنوات، كانت أنظمة إدارة الجمارك عبر الأراضي السورية تخضع لجهات حكومية وغير حكومية متنافسة، من أبرزها الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا. وعلى الرغم من أن دمشق استعادت السيطرة على المعابر الحدودية مع العراق في الأراضي التي كانت خاضعة لسيطرة الإدارة الكردية، فإن المعبر الرئيسي إلى تركيا من تلك الأراضي لم يُعد فتحه بعد.

ولجذب التمويل اللازم لإعادة إعمار سوريا، خففت الحكومة الجديدة القيود أمام القوى الإقليمية والدولية للوصول إلى الاستثمارات في طرق سوريا وموانئها وأراضيها، وهي مشاريع يمكن أن تسهم في ربط مناطق البلاد المتقطعة. وفي يونيو الماضي، وقع الشرع مرسوماً يسمح للمستثمرين الأجانب بحقوق ملكية كاملة في معظم القطاعات، وقدرة غير محدودة على إعادة أرباحهم، وتنازلات واسعة في الضرائب والجمارك. ويركز المرسوم سلطة منح تراخيص الاستثمار، وإتاحة الوصول إلى الأراضي الحكومية، وتحديد أهلية الحصول على حوافز ضريبية كبيرة، في مؤسسات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالرئيس، ما يمنحه قوة كبيرة في تحديد الجهات التي يمكنها الاستثمار في الاقتصاد السوري بعد الحرب.

ومن المرجح أن تساعد هذه المركزية في تسريع الاستثمار. لكن من دون إشراف مستقل على مثل هذه القرارات، وهو ما لم تنشئه سوريا بعد، قد تعيد المركزية أيضاً إحياء ممارسة عهد الأسد المتمثلة في تقديم الوصول الاقتصادي مكافأةً على الولاء السياسي. ويمكن لمثل هذا النظام أن يجعل إعادة الإعمار مصدراً جديداً للولاء السياسي، ما يقوض شرعية الحكومة الجديدة في نظر السوريين الذين يخسرون من هذه العملية، وربما يعيد إنتاج الفجوات نفسها التي ساعدت في تفتيت البلاد قبل الحرب الأهلية.

طلب تدقيق في أموال إعادة الإعمار

تمنح الامتيازات طويلة الأجل الشركات الأجنبية نفوذاً كبيراً على البنية التحتية الحيوية. وتمتلك شركة الشحن الفرنسية «CMA CGM» امتيازاً لمدة 30 عاماً لإدارة أكبر موانئ سوريا، ميناء اللاذقية، وهو ترتيب يمنح الحكومة السورية 60 في المئة من إيرادات الميناء. وستقوم شركة «DP World» للخدمات اللوجستية، ومقرها الإمارات، بتمويل وبناء بنية تحتية جديدة في ثاني أكبر موانئ سوريا مقابل السيطرة التشغيلية على المنشأة لمدة 30 عاماً، وبعد ذلك ستعود السيطرة إلى دمشق. لكن في ظل غياب أي شروط منشورة لتقاسم الإيرادات بموجب هذا الاتفاق، لا يزال من غير الواضح مقدار الدخل الذي ستتلقاه الدولة، أو كيفية إدارة هذا الدخل وتوزيعه.

ويجعل حجم إعادة إعمار سوريا من الصعب مقاومة التمويل الأجنبي. وعلى الرغم من أن البنك الدولي وجه نحو 500 مليون دولار على شكل منح لمشاريع الخدمات العامة التي تستهدف الكهرباء والمياه والصحة والمؤسسات المالية، فإن هذا المبلغ سيغطي أقل من واحد في المئة من احتياجات البلاد لإعادة الإعمار. وفي أكتوبر، قال الشرع إن حكومته جذبت التزامات بقيمة 28 مليار دولار من مزيج من المستثمرين الأتراك والخليجيين خلال الأشهر العشرة الأولى، وهو ما يعادل نحو 13 في المئة من إجمالي احتياجات سوريا المقدرة.

ومع ذلك، توجه الالتزامات الأكبر نحو مشاريع البنية التحتية والتنمية الحكومية، مثل محطات الطاقة والموانئ والمطارات والاتصالات والعقارات الحضرية، لكنها تولي اهتماماً ضئيلاً لاستعادة الخدمات الأساسية وإعادة بناء المنازل المدمرة في المجتمعات الأكثر تضرراً في سوريا. علاوة على ذلك، يأتي جزء كبير من هذا المبلغ في صورة اتفاقيات أولية.

وأنشأت حكومة الشرع صندوقين لإدارة إعادة الإعمار: صندوق التنمية السوري، المخصص للتبرعات والمنح لإعادة بناء البنية التحتية العامة، مثل الطرق والجسور وشبكات المياه والكهرباء، وصندوق السيادة السوري، المستوحى من صناديق الثروة السيادية الخليجية، لإدارة أصول الدولة والاستثمار في الممتلكات العامة والحصول على حصص في المشاريع الاستراتيجية.

وتعد صناديق إعادة الإعمار ممارسة شائعة في الدول التي شهدت صراعات، وقد يكون من المبرر وجود صندوق للثروة السيادية لتبسيط إدارة الأصول العامة المشتتة والمضطربة، والتي أُديرت بشكل سيئ تاريخياً. إلا أن القلق يكمن في أن صندوق السيادة السوري، بصيغته الحالية، يضع إدارة الأصول العامة مباشرة تحت سلطة الرئيس، من دون إشراف مستقل، ومع محدودية الإفصاح العام عن هيكله وإدارته، على غرار ما حدث في برامج إعادة الإعمار المماثلة في أفغانستان والعراق والصومال. وحتى الإصلاحات التي تهدف إلى تعزيز المساءلة تتركز تحت سلطة الرئيس.

فعلى سبيل المثال، سيقع المركز المخطط له للتحكيم في النزاعات الاستثمارية والتجارية ضمن الهيئة السورية للاستثمار، التي ترتبط بدورها بالرئاسة. وقد يمنح هذا الهيكل الرئيس نفوذاً غير مبرر على الجهات التي تستفيد من التعافي، وكذلك على المناطق والمجتمعات المستفيدة منه. وفي بلد عانى من إساءة استخدام الدولة للسلطة والثروة منذ ستينيات القرن الماضي، فإن هذا النمط من السيطرة يبدو مألوفاً على نحو يثير القلق.

دفع العوائد

لا يمكن لممرات النقل والاستثمارات أن تحقق عوائد مستدامة إذا استمر التفكك المتجدد في تكريس الانفصال بين دمشق القوية والغنية والمناطق الطرفية الفقيرة والمتخلفة. وفي نهاية المطاف، يعتمد نجاح سوريا في تحويل الاستثمارات الأجنبية إلى مكاسب محلية على قدرة دمشق على إقامة نظام سياسي يمكن التنبؤ به. وحتى الآن، يبدو أن الحكومة تحقق مكاسب ثابتة، لكنها لا تزال أمامها طريق طويل.

وعلى مدى العامين الماضيين، اتسمت حملة الشرع لإعادة توحيد البلاد بالعنف. وقد عمق القتال على طول الساحل الذي تهيمن عليه الطائفة العلوية، وفي منطقة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، وعبر شمال شرق سوريا الذي تسيطر عليه القوات الكردية، انعدام الثقة بين الدولة والمجتمعات التي تسعى إلى حكمها.

وقدمت المواجهة المتجددة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، وهي ائتلاف مدعوم من الولايات المتحدة ويقوده الأكراد وحكم معظم شمال شرق سوريا بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية، المعروف أيضاً باسم «داعش»، من المنطقة، التحذير الأكثر وضوحاً من تجدد الحرب الأهلية. وعلى الرغم من أن الحكومة المركزية وقوات سوريا الديمقراطية وقعتا اتفاقاً للاندماج في مارس 2025، فإن النزاعات حول التكامل العسكري والحكم الذاتي الكردي حالت في البداية دون تنفيذ الاتفاق، ما أدى إلى اندلاع القتال في يناير، الذي شرد أكثر من 170 ألف شخص.

وبعد أن أوقف وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة تقدم الحكومة شمالاً، وقعت دمشق وقيادة قوات سوريا الديمقراطية اتفاقاً ينص على نقل السيطرة على المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز والمؤسسات المحلية إلى دمشق، ودمج مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري. وفي أغسطس، وبعد أشهر من التنفيذ التدريجي، أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي حل الائتلاف كقوة مستقلة وإنهاء الحكم الذاتي الذي يقوده الأكراد في شمال شرق سوريا.

وحتى البنية التحتية والموارد التي كانت تحت السيطرة الفعلية للأكراد تُسلّم الآن إلى دمشق. وعلى الورق، يوفر الاتفاق الذي تم التوصل إليه في يناير بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية إطاراً لحل مشكلات الحدود غير الرسمية التي نشأت خلال الحرب، وإعادة فتح الطرق المغلقة، وتنسيق المهام المتنافسة وأنظمة الحكم المتوازية. ومع ذلك، إذا اعتبرت الأغلبية الكردية التي تعيش في شمال شرق سوريا أن هذا الاندماج غير كافٍ أو أنه فشل في الحفاظ على حقوق الأكراد وتمثيلهم، فقد تبدأ في المقاومة، ما يعيق محاولات دمشق لتوحيد السيطرة الكاملة على البلاد وممرات النقل فيها.

هل يمكن أن توفر ممرات التجارة السورية فوائد محلية؟

إن إعادة توطين ملايين السوريين ترفع من المخاطر السياسية. وبحلول نهاية مايو، عاد نحو 1.67 مليون لاجئ و1.92 مليون سوري نازح داخلياً إلى مجتمعاتهم الأصلية. ويعود كثير منهم من فقر مديد في الدول المجاورة إلى مجتمعات تكافح بالفعل لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان، ما يزيد من حدة المنافسة على السكن والوظائف والخدمات العامة، وقد يخلق مصادر جديدة للغضب المحلي والصراع مع استمرار هذه العملية.

ولدمج هؤلاء العائدين بنجاح، يتعين على دمشق تمكين المحافظات والبلديات من الموارد والاستقلالية اللازمة لحل المشكلات المتعلقة بتقديم الخدمات، وخلق الوظائف، والتعليم في الوقت المناسب.

ولتجنب إعادة إنتاج اقتصاد ريعي يعتمد على رسوم العبور والامتيازات الأجنبية، يجب على الدولة السورية إعادة استثمار عائدات المشاريع في الاقتصادات المحلية. وقد ضيّق اعتماد الأسد على إيران وروسيا هامش المناورة أمامه، لكن الحكومة الجديدة يمكنها التفاوض مع أوروبا ودول الخليج وتركيا والولايات المتحدة والمؤسسات الدولية التي تسعى إلى الوصول إلى الأسواق السورية وطرق العبور. وتمنح المنافسة بين هؤلاء الشركاء دمشق نفوذاً للتفاوض على شروط تحافظ على أكبر قدر ممكن من قيمة الاستثمارات داخل سوريا.

لكن استخدام هذا النفوذ بفعالية سيتطلب اتفاقيات شفافة مرتبطة بأولويات واضحة لسياسة الدولة في إعادة الإعمار والتعافي. ولربط العاصمة بشكل أفضل بالمدن والبلدات البعيدة، يجب على الحكومة المركزية الاستثمار في تحسين الطرق وشبكات الكهرباء، كما يتعين عليها مطالبة المستثمرين الأجانب بدعم التوظيف المحلي وإبرام اتفاقيات لتقاسم الإيرادات. كما سيتعين عليها التوصل إلى تسويات دائمة وعادلة مع قادة الأقليات والمجتمعات القبلية لتعزيز الثقة المحلية.

وقد منح الاهتمام المتجدد بسوريا باعتبارها نقطة عبور مفيدة للتجارة الإقليمية دمشق دخلاً وأهمية ونفوذاً في وقت تحتاج فيه إلى هذه العناصر الثلاثة. لكن هذه الموارد ليست ثابتة. ويتمثل التحدي الذي تواجهه دمشق في استخدام العوائد الناتجة عن أهميتها الجديدة في التجارة الإقليمية لبناء مؤسسات فعالة، وتوزيع الموارد اللازمة للتعافي، والتغلب على العداوات التاريخية. وإلا، وبعد عقود من الاستبعاد، قد تعود سوريا إلى الخريطة الإقليمية باعتبارها قناة هشة لاستغلال المصالح التجارية للآخرين.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
MERO

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر − 11 =

زر الذهاب إلى الأعلى