عمّان تحت الضغط: ضربات إيران تكشف عن أزمة داخلية في الأردن
يُعد الأردن الحلقة الأكثر هشاشة في سلسلة الشرق الأوسط الأمريكية. وإذا انكسرت تحت الضغط، فقد تطلق تأثيراً متتابعاً عبر المنطقة.
ميدل ايست نيوز: تُبرز الهجمات الإيرانية المتبادلة في يوليو الماضي، ثم مجدداً في 30 أغسطس، على المنشآت العسكرية الأمريكية في الأردن، حقيقة أن طهران تدرك وجود ثغرة في الاستراتيجية الأمريكية حظيت باهتمام أقل بكثير في الولايات المتحدة مقارنة بالأهمية الاستراتيجية للدول الخليجية أو إسرائيل. فبينما لطالما نظرت واشنطن إلى الأردن باعتباره أحد أكثر حلفائها العرب موثوقية، سلطت الضربات الضوء على واقع سياسي أعمق: أن التهديد الأكبر للموقع الأمريكي في الأردن قد لا يأتي من الصواريخ الإيرانية، بل من الهوة المتسعة بين تصورات الملكية الأردنية وقطاعات واسعة من المجتمع الأردني بشأن الحرب ضد إيران.
وحسب مقال للأستاذ المتقاعد للعلاقات الدولية بجامعة ميشيغان والزميل البارز في مركز السياسة العالمية محمد أيوب، بمجلة “ناشيونال إينترست” يفسر كثير من الأردنيين الهجمات الإيرانية على أنها نتيجة حتمية للشراكة العسكرية الوثيقة التي تربط الأردن بواشنطن. وقد فاقم الغضب الناجم عن الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة، وتكثيف العمليات الإسرائيلية وعنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، هذه المشاعر، مما وضع الملكية الهاشمية في موقع متزايد الصعوبة، لأن توجهها الاستراتيجي يتعارض مع الرأي العام.
لطالما اعتُبر الأردن أحد أكبر النجاحات الدبلوماسية لواشنطن في الشرق الأوسط. فقد حافظ على السلام مع إسرائيل منذ عام 1967، حتى خلال حرب أكتوبر 1973، ووقع اتفاقية سلام مع الدولة اليهودية عام 1994. كما تعاون بشكل واسع مع الاستخبارات الأمريكية وجهود مكافحة الإرهاب، واستضاف قوات أمريكية لعقود. وكان المملكة من أكبر المستفيدين من المساعدات الأمريكية للفرد، حيث تلقت مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية والاقتصادية.
لكن تحت صورة الاستقرار هذه تكمن هشاشة هيكلية متجذرة في التاريخ. فبخلاف مصر أو إيران أو تركيا أو حتى السعودية، لم ينبثق الأردن من دولة تاريخية راسخة، بل من تقسيم الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى. وقد شكلت الحسابات الإمبراطورية البريطانية، لا حركة قومية متماسكة، حدود شرق الأردن. وكثيراً ما يُستشهد بمقولة ونستون تشرشل الشهيرة، وإن كانت موضع شك، بأن إمارة شرق الأردن (التي أعيدت تسميتها الأردن عام 1949 بعد ضمها الضفة الغربية لنهر الأردن في نهاية الحرب العربية الإسرائيلية الأولى) خُلقت «بضربة قلم، في أحد أيام الأحد بعد الظهر في القاهرة»، لتوضيح الطبيعة المصطنعة لأصول الدولة.
أما الملكية الهاشمية نفسها فقد نُقلت من الخارج. فبعد أن فقدت عائلة حليف بريطانيا الشريف حسين السيطرة على الحجاز لصالح ابن سعود (مؤسس الدولة السعودية) في عشرينيات القرن الماضي، نصّبت بريطانيا عبدالله بن الحسين أميراً على شرق الأردن، التي أوكلت إليها تحت نظام الانتداب التابع لعصبة الأمم. وبالتالي لم تنبثق السلالة بشكل عضوي من المجتمع الأردني، بل اعتمد بقاؤها في البداية على الدعم البريطاني، ثم بعد الحرب العالمية الثانية على الدعم الأمريكي.
ومنذ نشأتها، استند بقاء الملكية إلى مزيج من الدعم الخارجي وتحالفات داخلية مدارة بعناية، تقوم أساساً على الاتحادات القبلية لا على مشاركة ديمقراطية واسعة.
وتفاقم الحقائق الديموغرافية الأردنية هذه الخصائص الهيكلية. فرغم عدم توفر أرقام دقيقة، فإن غالبية سكان الأردن من أصل فلسطيني. وقد نزح أفراد عائلاتهم خلال حربي 1948 و1967، ولدى كثير منهم أقارب مقربون يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وبالنسبة لهؤلاء الأردنيين، ليست القضية الفلسطينية مجرد مسألة سياسة خارجية. إنها قضية وطنية شخصية عميقة. وقد ولّد الدمار والتطهير العرقي الفعلي لغزة من قبل إسرائيل منذ أكتوبر 2023، والعمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية اللذان يؤديان إلى نزوح الفلسطينيين وقتلهم، غضباً استثنائياً في أوساط المجتمع الأردني بأسره.
وينظر المزاج العام بشكل متزايد إلى السياسة الأمريكية على أنها غير منفصلة عن الأفعال العسكرية الإسرائيلية. وقد عززت المساعدات العسكرية الأمريكية، والحماية الدبلوماسية لإسرائيل، والاستخدام المتكرر للفيتو في مجلس الأمن الدولي لإنقاذ إسرائيل من الإدانة، التصورات بأن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية مباشرة عن معاناة الفلسطينيين. وبالتالي، يرى كثير من الأردنيين المواجهة الأمريكية مع إيران صراعاً مدفوعاً بالتزام واشنطن بالحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي في الشرق الأوسط، لا تهديداً حقيقياً يواجه المنطقة من إيران.
وتحتل إيران مكانة معقدة في الرأي العام الأردني. فالأردنيون بالتأكيد لا يؤيدون الجمهورية الإسلامية بشكل موحد، ولا يؤيدون طموحاتها الإقليمية. وفي الوقت نفسه، أكسبها دعمها الخطابي والمادي المستمر للقضية الفلسطينية تعاطفاً كبيراً لدى قطاعات من الجمهور الأردني.
ويخلق هذا بيئة سياسية غير مريحة للملكية، لأن اعتمادها الاقتصادي والأمني المستمر على واشنطن يحد من هامش المناورة لديها. ويتحمل الملك عبدالله الثاني التكاليف السياسية للارتباط بالاستراتيجية الإقليمية الأمريكية، بينما يمتلك قدرة ضئيلة على التأثير في قرارات واشنطن بشأن إسرائيل أو إيران أو المنطقة.
ومن العوامل الأخرى التي تعقد المشهد الداخلي الأردني التأثير المستمر للتيارات الإسلامية. فرغم أن السلطات قيدت بشكل كبير أنشطة المنظمات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وحظرت مؤخراً ذراعها السياسي، جبهة العمل الإسلامي، فإن الحركة حافظت تاريخياً على أحد أقوى الشبكات الاجتماعية والسياسية في المملكة من خلال أنشطتها الاجتماعية والخيرية.
ولم يقضِ القمع الرسمي على القواعد الاجتماعية الأساسية التي تستمد منها الدعم. وبالتالي، تستمر الروايات الإسلامية التي تؤكد على مقاومة إسرائيل ومعارضة النفوذ الغربي في أن تجد صدى لدى قطاعات واسعة من المجتمع.
وتخلق هذه العوامل مجتمعة نقاط ضعف هيكلية يمكن للخصوم استغلالها. فإيران لا تحتاج إلى الإطاحة بالملكية الأردنية لإضعاف الموقع الأمريكي الإقليمي. يكفي أن تزيد الضغط الداخلي على عمّان من خلال تسليط الضوء على تكاليف الاصطفاف مع واشنطن، مما قد يعقد التخطيط العسكري الأمريكي والدبلوماسية الإقليمية.
وبالتالي تواجه واشنطن معضلة من صنع يديها. فالسياسات ذاتها التي تعزز العلاقة الأمنية الثنائية تقوض أيضاً الشرعية الداخلية للشراكة في الأردن. وتُعد الضربات الإيرانية على الأردن تذكيراً بأن الصراع بين واشنطن وطهران لا يُخاض بالأسلحة وحدها، بل أيضاً عبر الروايات المتنافسة. وفي هذا الصراع، يُعد الأردن الحلقة الأكثر هشاشة في سلسلة الشرق الأوسط الأمريكية. وإذا انكسرت تحت الضغط، فقد تطلق تأثيراً متتابعاً عبر المنطقة.



