الصحافة الإيرانية: لقاء شي وبزشكيان يكشف فجوة بين «الشراكة الاستراتيجية» الإيرانية والنظرة الصينية
أكد الرئيس السابق للجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني أن لقاء الرئيسين الإيراني والصيني الأخير أظهر مرة أخرى حقيقة في السياسة الخارجية الإيرانية كان بعض المسؤولين في الداخل يرفضون الاعتراف بها خلال السنوات الماضية.
ميدل ايست نيوز: اختتمت قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكك، وسط اهتمام إيراني بصورة لم تكن لزيارة رسمية أو لقاء ثنائي، بل لمحادثة قصيرة بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس الصيني شي جين بينغ على هامش القمة.
وعلى خلاف اللقاءات الرسمية التي عقدها الرئيس الصيني مع بعض القادة المشاركين في بيشكك، لم يُعقد لقاء منفصل ومخطط له مسبقاً بين الرئيسين الإيراني والصيني، فيما تحدثت وسائل الإعلام عن محادثة قصيرة بينهما على هامش الاجتماع. وأكدت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها أنه في الوقت الذي تحدثت فيه وسائل الإعلام الإيرانية عن لقاء بزشكيان وشي على هامش القمة، يبدو أنه لم تكن هناك محادثات رسمية مخطط لها بينهما.
ولا يعتبر حشمت الله فلاحت بيشه، الرئيس السابق للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، أن قصر لقاء شي جين بينغ ومسعود بزشكيان ووقوفهما معاً لفترة وجيزة على هامش قمة شنغهاي حدثاً عابراً.
ويرى أن الرئيس الصيني، قبيل زيارته المرتقبة إلى الولايات المتحدة، بعث برسالة إلى واشنطن من خلال طريقة تعامله مع الرئيس الإيراني، مشيراً إلى أن من فوجئوا بهذا السلوك هم أولئك الذين خلطوا لسنوات بين السياسة الخارجية و«الخيال»، وعرّفوا علاقات طهران مع بكين وموسكو بأنها «استراتيجية»، خلافاً لنظرة هاتين الدولتين إلى تلك العلاقات.
وجاء هذا الحدث محل اهتمام لأن طهران عرّفت علاقاتها مع بكين خلال السنوات الأخيرة في إطار سياسة «التوجه شرقاً» و«الشراكة الاستراتيجية الشاملة»، واعتبرت الصين واحدة من أهم شركائها السياسيين والاقتصاديين. وفي الوقت الذي تواجه فيه إيران ضغوطاً اقتصادية وعقوبات أمريكية واسعة النطاق وتداعيات الحرب، أعادت طريقة تعامل بكين مع طهران طرح سؤال حول مدى استعداد الصين لتحمل تكلفة تعميق علاقاتها مع إيران في إطار علاقاتها الأوسع مع الولايات المتحدة وغيرها من القوى الإقليمية والدولية.
وازداد هذا التساؤل جدية بعدما زعم حسين مرعشي، الأمين العام لحزب كوادر البناء، في مقابلة مع «إكوإيران»، أن بكين وضعت شروطاً لتوسيع العلاقات مع طهران ولزيارة محمد باقر قاليباف إلى الصين. وقال مرعشي: «قالوا لنا بوضوح شديد: تفتحون مضيق هرمز، ولا تفرضون رسوماً، وتحلون مشكلتكم مع السعودية وأمريكا، وبعد ذلك يأتي قاليباف إلى الصين».
لكن مكتب الممثل الخاص لإيران في الشؤون الصينية نفى هذه المزاعم. وأعلن المكتب في بيان أن نسبة مثل هذه الشروط إلى الجانب الصيني، وربط زيارة قاليباف وتطوير العلاقات بين البلدين بها، «لا أساس له من الصحة»، مؤكداً أن العلاقات بين طهران وبكين تقوم على أساس «الشراكة الاستراتيجية الشاملة»، وأن التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري والاستثماري بين البلدين مستمر.
ومع ذلك، فإن النقاش حول المكانة الحقيقية لإيران في الاستراتيجية العامة للصين لا يقتصر على هذه المزاعم ونفيها. فسياسة الصين لا تقتصر على علاقاتها مع إيران وروسيا. وفي الوقت نفسه الذي عزز فيه شي جين بينغ التعاون مع الدول المناهضة للغرب، استضاف خلال العام الجاري عدداً من القادة الغربيين، من بينهم قادة ألمانيا وبريطانيا وكندا. ووصفت صحيفة نيويورك تايمز هذا السلوك بأنه جزء من حملة دبلوماسية لبكين للعمل مع «جانبي الانقسام الناشئ في السياسة العالمية»، وهي سياسة تقوم، بدلاً من الانحياز غير المشروط إلى كتلة واحدة، على زيادة خيارات الصين وأوراق ضغطها في العلاقات الدولية.
من هذا المنظور، يمكن النظر إلى اللقاء القصير بين بزشكيان وشي جين بينغ في إطار مجموعة أوسع من التطورات. فما تزال الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني وواحدة من أهم الشركاء الاقتصاديين لطهران، لكنها في الوقت نفسه تربطها علاقات اقتصادية واسعة بالولايات المتحدة والدول العربية وغيرها من الأطراف الإقليمية، كما أن الحفاظ على التدفق الحر للطاقة والتجارة يحظى بأهمية أساسية بالنسبة إلى بكين. لذلك، لم يعد السؤال الرئيسي يقتصر على مدى قرب العلاقات الإيرانية الصينية، بل يتعلق بالمكانة التي تحتلها هذه العلاقة تحديداً في سلم مصالح بكين، وما إذا كان تعريف طهران لـ«العلاقة الاستراتيجية» يتطابق مع تعريف الصين لهذه العلاقات.
ويرى حشمت الله فلاحت بيشه، الرئيس السابق للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، في مقابلة مع «رويداد 24»، أن التطورات الأخيرة يجب النظر إليها تحديداً من هذه الزاوية. وقال إن إيران عرّفت خلال السنوات الماضية علاقاتها مع الصين وروسيا بأنها «استراتيجية»، في حين أنه، بحسب اعتقاده، لم تعرّف بكين وموسكو علاقاتهما مع طهران بهذه الطريقة على الإطلاق.
الصين وروسيا ليستا شريكين استراتيجيين لإيران
وقال حشمت الله فلاحت بيشه، الرئيس السابق للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، حول اللقاء القصير والوقوف المتبادل بين الرئيس الصيني وبزشكيان في بيشكك: «لو كان هناك فهم صحيح لما يسمى استراتيجية الصين في عالم اليوم، لكان هذا السلوك متوقعاً».
وأضاف: «ربما منذ نحو 10 سنوات وأنا أكرر هذه الجملة، وهي أن الصين وروسيا لم تعرّفا في أي وقت علاقتهما مع إيران بأنها علاقة استراتيجية، لكن المسؤولين الإيرانيين لطالما أطلقوا على هذه العلاقة وصف العلاقة الاستراتيجية».
وتابع الرئيس السابق للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان: «حتى خلال العامين الأخيرين، عندما تعرضت إيران للحرب والأزمات المختلفة والعقوبات القصوى، ثبت للمسؤولين الإيرانيين مراراً أن نظرة الصين إلى علاقتها مع إيران ليست نظرة استراتيجية».
وأشار فلاحت بيشه، في معرض حديثه عن الظروف الراهنة للسياسة الخارجية الإيرانية ووضع البلاد أمام منعطف مهم، إلى أنه «عندما أعلنت الولايات المتحدة خطة الإنزال الاقتصادي، قلت في ذلك الوقت إن لهذه الخطة هدفاً واحداً، وهو أن تطلب أمريكا من الدول الأخرى تحديد موقفها، وما إذا كانت إلى جانب إيران أم إلى جانب أمريكا».
نظرة الصين إلى إيران تشبه لقاءها مع بزشكيان: عابرة وسطحية
وأضاف: «قلت آنذاك إن الأمريكيين يعولون كثيراً على موقف الصين، لأن الجزء الأكبر من علاقات إيران هو مع الصين. برأيي، كان مجرد تنسيق السيد شي لعقد لقاء حضوري مع الجانب الإيراني خلال قمة شنغهاي في قرغيزستان رسالة مهمة، لكن اللقاء جرى وقوفاً، وأظهر أن نظرة الصين إلى العلاقة مع إيران هي نظرة عابرة وسطحية، أو ما يمكن وصفه بعلاقة قائمة على الخندق».
وأكد الرئيس السابق للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان أن هذا الحدث أظهر مرة أخرى حقيقة في السياسة الخارجية الإيرانية كان بعض المسؤولين في الداخل يرفضون الاعتراف بها خلال السنوات الماضية.
عدم لقاء بزشكيان كان رسالة من شي إلى أمريكا قبل زيارته واشنطن
وتابع فلاحت بيشه: «يعلم السيد شي أنه من المقرر أن يسافر إلى أمريكا الشهر المقبل، وعلى أي حال، كانت هذه رسالة بعث بها إلى أمريكا».
وأشار فلاحت بيشه، في معرض تذكيره بأن الصين تحاصر تايوان بحرياً، إلى أن ترامب وإدارته لم يعترضا على هذا الحدث التاريخي المتواصل والمتسع يومياً، معتبراً أن «هذا الأمر بحد ذاته يوضح تحذيراً خفياً للعقلاء، مفاده أن هاتين القوتين تتواطآن خلف الكواليس، وقد ينتهي هذا التواطؤ ضد إيران وتايوان».
وحول أسباب النهج الصيني، قال: «السبب الرئيسي يعود إلى الأرقام والإحصاءات التي تحظى بأهمية بالنسبة إلى جميع الدول في علاقاتها الخارجية. فإجمالي العلاقات بين أمريكا والصين يزيد على 60 ضعفاً مقارنة بعلاقات إيران مع الصين».
وأضاف: «من جهة أخرى، في المنطقة نفسها، تزيد العلاقات السعودية الصينية بما يتراوح بين 9 و10 أضعاف العلاقات الاقتصادية بين إيران والصين».
وأكد فلاحت بيشه، في إشارة إلى هذه الأرقام، أنه لا يمكن في تحليل العلاقات بين الدول الاعتماد فقط على المواقف السياسية والشعارات الدبلوماسية، بل يجب أيضاً أخذ الوزن الحقيقي للعلاقات الاقتصادية ومصالح الدول في الاعتبار.
وأضاف: «فضلاً عن ذلك، فإن الصينيين يحتاجون إلى حل التحديات الإقليمية في جميع الممرات التي حددوها في خريطة ومشروع الحزام والطريق. وإذا أوقعت الصين نفسها في مأزق بسبب الخلاف بين إيران وأمريكا، فإن خريطة الحزام والطريق الخاصة بها ستواجه بالتأكيد تحديات».
وفي ختام حديثه، أكد الرئيس السابق للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان: «هذه حقائق موجودة في السياسة الخارجية، وبرأيي، كان هذا التعامل، أي اللقاء وقوفاً مع الرئيس الإيراني، تعاملاً طبيعياً. لقد فوجئ فقط أولئك الذين خلطوا السياسة الخارجية بنوع من الخيال».



