الصحافة الإيرانية: انتقادات تتصاعد.. سياسة بكين المزدوجة تجاه طهران تحت المجهر
لا ينبغي وضع علامة مساواة بين دعم الصين لإيران واستعدادها لتحمل تكاليف الدخول في صراع إلى جانب إيران. فهما أمران مختلفان في السياسة الخارجية لبكين.

ميدل ايست نيوز: ربما يكون «الحذر الصيني» الوصف الأدق للسياسة الخارجية الصينية تجاه إيران في أيام الضغوط وتصاعد الحصار، وهو ما أدى إلى تصاعد الانتقادات بشأن طبيعة العلاقات بين طهران وبكين. ويمكن رؤية صورة هذه السياسة الصينية على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك، حيث جاء لقاء مسعود بزشكيان وشي جين بينغ، خلافاً للتوقعات من شريك استراتيجي في مثل هذه المرحلة، قصيراً وعلى هامش القمة، رغم أن البلدين يضعان «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» على أجندة علاقاتهما، وهي أعلى مستوى من التعاون بين الصين وشركائها وحلفائها الإقليميين.
تضيف صحيفة دنياي اقتصاد في تقرير لها: سرعان ما أُعيد تداول هذا الأمر على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، وسط انتقادات واسعة، فيما حذر بعض المحللين والمستخدمين من عدم التعامل ببساطة مع هذا اللقاء القصير. وتصاعدت الانتقادات أكثر بعد نشر أجزاء من حديث حسين مرعشي، الأمين العام لحزب كوادر البناء، بشأن العلاقات مع الصين. وتحدث مرعشي في المقابلة عن أربعة شروط مسبقة وضعتها الصين لتطوير العلاقات مع إيران، وهي فتح إيران مضيق هرمز، وعدم فرض أي رسوم عبور، وإنهاء الخلافات مع السعودية، وإنهاء الخلافات مع الولايات المتحدة.
وسرعان ما نفى مكتب الممثل الخاص لإيران في الشؤون الصينية هذه الشروط. وجاء في البيان الصادر عنه: «إن نسب مثل هذه الشروط إلى الجانب الصيني، والقول إن تطوير العلاقات بين البلدين مشروط بتحقيق البنود المطروحة، لا أساس له من الصحة. كما أن المعارضة القاطعة والصريحة لجمهورية الصين الشعبية للعقوبات الأمريكية أحادية الجانب تظهر نهج الصين الداعم تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية».
ومع ذلك، وعلى الرغم من كل هذه الانتقادات التي لطالما أثيرت بشأن العلاقات الإيرانية-الصينية، فإن أهمية المسألة لا تكمن في قصر لقاء شي وبزشكيان بحد ذاته، بل في مقارنته بمجمل تحركات شي في علاقاته مع الشركاء الإقليميين الآخرين. فبعد قمة شنغهاي، توجه الرئيس الصيني مباشرة إلى مصر، في زيارة تكتسب، في خضم أزمة الشرق الأوسط واضطراب مسارات الطاقة، دلالات تتجاوز مجرد زيارة ثنائية اقتصادية.
وجاءت زيارة القاهرة في وقت تقل فيه مستوى العلاقات بين الصين ومصر درجة واحدة عن مستوى علاقاتها مع إيران، إذ تندرج في إطار «الشراكة الاستراتيجية» وليس «الشراكة الاستراتيجية الشاملة». وحتى قبل قمة شنغهاي، كانت الصين تعمل على تعزيز علاقاتها مع لاعب عربي مهم آخر. فقد زار العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الصين، بدعوة من شي، خلال الفترة من 18 إلى 24 أغسطس، والتقى في بكين الرئيس الصيني، وبحث معه العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية.
وهنا تحديداً تبرز أهمية المسألة بالنسبة إلى الصين، وتظهر في سياستها الخارجية، أي مضيق هرمز. فقد كانت إيران لسنوات أحد المصادر المهمة للنفط الرخيص بالنسبة إلى المصافي الصينية المستقلة. لكن تصاعد الحصار البحري الأمريكي واضطراب حركة ناقلات النفط غيّرا المعادلة. ووفقاً لتقرير لوكالة رويترز، تراجعت واردات الصين من النفط الإيراني، التي وصلت في بعض الفترات إلى نحو 1.58 مليون برميل يومياً، إلى نحو 534 ألف برميل يومياً في أغسطس.
ومن الواضح أن بكين تعمل على إدارة المخاطر. فقد ابتعدت شركات الشحن الحكومية الصينية عن العبور عبر مضيقي هرمز وباب المندب، وجرى توجيه ناقلات النفط الصينية نحو مسارات أقل خطورة. وفي الأيام الأخيرة، زادت شركة سينوبك أيضاً مشترياتها من النفط الروسي لتعويض جزء من النقص في إمدادات النفط القادمة من الشرق الأوسط. ولعل هذا السلوك هو أوضح مؤشر على السياسة الصينية الفعلية: دعم سياسي لإيران، مع تنويع اقتصادي لتجنب تداعيات الأزمة.
ومن هذا المنظور، فإن الادعاء المتعلق بالشروط الصينية الأربعة لتطوير العلاقات مع إيران، حتى وإن نفاه مكتب الممثل الخاص، يكشف عن حقيقة أكبر، وهي أن بكين في الظروف الحالية تسعى، أكثر من توسيع علاقاتها، إلى إدارة مخاطر هذه العلاقات؛ أي الحفاظ على الشركاء مع إبقاء مسافة منهم وتنويع علاقاتها في الوقت نفسه.
لذلك، لا ينبغي تفسير هذه التطورات مجتمعة على أنها ابتعاد صيني عن إيران، بل ينبغي النظر إليها باعتبارها جزءاً من سياسة أوسع تتبعها بكين للحفاظ على علاقاتها في الوقت نفسه مع جميع الأطراف المؤثرة في معادلة الشرق الأوسط. وتسعى الصين إلى ترسيخ مكانتها كقوة اقتصادية ودبلوماسية في منطقة لا تزال الولايات المتحدة تتمتع فيها بحضور عسكري واسع، من دون التورط في التزامات أمنية مكلفة.
ولا ينبغي وضع علامة مساواة بين دعم الصين لإيران واستعدادها لتحمل تكاليف الدخول في صراع إلى جانب إيران. فهما أمران مختلفان في السياسة الخارجية لبكين. يمكن للصين أن تدعم طهران في مجلس الأمن وعلى الساحة الدبلوماسية، وأن تعتبر العقوبات الأمريكية غير قانونية، وأن تواصل شراء النفط الإيراني؛ لكنها في الوقت نفسه تستطيع توخي الحذر بشأن عبور ناقلات نفطها مضيق هرمز، وزيادة مشترياتها من النفط الروسي، ومواصلة توسيع علاقاتها مع مصر والأردن وسائر الدول العربية.
وبالتالي، فإن المسألة الأساسية بالنسبة إلى بكين ليست الاختيار بين إيران والولايات المتحدة، وإنما المفاضلة بين أنواع مختلفة من المخاطر. فلا تريد الصين أن تترك إيران وحيدة في لحظة تعرضها للضغوط، لكنها في الوقت نفسه لا تريد ربط مصير مصالحها في مجال الطاقة والتجارة العالمية بنتيجة الحرب.
من هنا، فإن ما يظهر في تحركات شي الأخيرة هو، قبل كل شيء، سياسة ذات مستويين: على المستوى السياسي، دعم إيران ومعارضة الضغوط الأمريكية أحادية الجانب، وعلى المستوى العملي، الابتعاد عن النقاط عالية المخاطر في الأزمة والحفاظ على خيارات بديلة.
في النهاية، ربما يكون الوصف الأدق للسياسة الصينية تجاه إيران في الظروف الراهنة هو: لا التخلي عن طهران ولا الدخول في الحرب؛ دعم إيران مع إدارة مسافة آمنة عنها.



