سقوط علي الطاهر يثير الجدل في طهران.. من يدفع ثمن اتفاق لبنان؟
يرى منتقدو قاليباف أن الاتفاق الأخير أدى إلى فقدان حزب الله جزءاً من مواقعه، ومنح إسرائيل فرصة للتقدم في جنوب لبنان.

ميدل ايست نيوز: أعادت مزاعم سقوط مرتفعات في جنوب لبنان، مرة أخرى، فتح فجوة الخلاف بين معارضي اتفاق لبنان ومؤيديه في إيران.
وأعاد سقوط مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان إسقاط جدار نزاع قديم داخل إيران؛ وهو الخلاف نفسه الذي بدأ على خلفية اتفاق إسلام آباد والهجوم الذي شنته تيارات متشددة على المفاوضين تحت شعار «المتاجرة بحزب الله» في يونيو/حزيران، قبل أن يطفو على السطح مجدداً هذه المرة مع سقوط علي الطاهر.
علي الطاهر؛ سقوط مرتفع وانحسار فجوة قديمة في إيران
لا تزال المعركة على علي الطاهر في جنوب لبنان موضع خلاف من الناحية العسكرية. إذ تزعم إسرائيل أنها سيطرت على هذا المرتفع الاستراتيجي وشبكة الأنفاق الموجودة تحته، في حين ينفي حزب الله هذا الادعاء، ولا تزال هناك شكوك بشأن مدى السيطرة الإسرائيلية على المنطقة.
لكن بعيداً عن حقيقة الوضع الميداني، فإن سقوط علي الطاهر في إيران تأكد عملياً من خلال تصاعد المواجهة بين التيارات المتنافسة.
وبالنسبة إلى معارضي اتفاق لبنان الأخير، فإن سقوط علي الطاهر يمثل مؤشراً على نتيجة الثقة بالمفاوضات والتراجع عن مبادئ المقاومة والمتاجرة بحزب الله مقابل إنهاء الحرب. أما المدافعون عن الاتفاق، فيرون في هذه الهجمات نموذجاً آخر لمحاولات التيارات المتشددة تحويل أي تطور إقليمي إلى خلاف داخلي، بل وما هو أبعد من ذلك، باعتباره نتيجة لفشل الاتفاق، أو في إشارة غير مباشرة إلى الهجوم الغريب على ناقلات النفط في مضيق هرمز بالتزامن مع إقامة مراسم تشييع المرشد الإيراني وإعلان نهاية التفاهم بين إيران والولايات المتحدة.
في الواقع، فإن الهجوم على علي الطاهر هو امتداد للنزاع نفسه الذي نشب في وقت سابق حول اتفاق لبنان؛ وهو نزاع بين الراديكاليين والراديكاليين المتشددين من أصحاب الزي العسكري، الذين ارتدى أحد التيارات المنبثقة عنهم اليوم الرداء الدبلوماسي.
تكرار جدل الاتفاق أم المقاومة
قال ثلاثة مسؤولين إقليميين لوكالة رويترز، يوم الخميس 3 سبتمبر، إن طهران كانت قد أعلنت أنها سترد بـ«هجوم واسع» في حال بدأت إسرائيل عملية عسكرية واسعة في هذه المرتفعات. وذكرت رويترز أن هذه الرسالة نُقلت إلى واشنطن في أواخر أغسطس بوساطة عُمانية.
وكان المكتب الإعلامي لحزب الله قد أعلن في ذلك الوقت أن الجمهورية الإسلامية تعتبر أي عملية برية إسرائيلية في جنوب لبنان، ولا سيما توسيع المناطق الخاضعة لسيطرتها، انتهاكاً خطيراً لاتفاق إسلام آباد.
لكن المعادلات تغيرت فجأة. ففي يوم الخميس، زعم الإسرائيليون السيطرة على علي الطاهر.
وكانت الأخبار الرسمية في إيران بشأن هذا الادعاء متناقضة. وتتمثل الرواية الرسمية لوسائل الإعلام الإيرانية في أنه، نظراً إلى صمت حزب الله، لا ينبغي تصديق الرواية الإسرائيلية بشأن سقوط المنطقة. وكتبت وكالة فارس في تقرير لها أن الرواية الإسرائيلية بشأن ما حدث في علي الطاهر، ولا سيما ما يتعلق بالبنية التحتية تحت الأرض في المنطقة وحجم خسائر المقاومة، تختلف بشكل جوهري عن المعلومات التي حصلت عليها الوكالة.
كما كتبت صحيفة كيهان في تقرير لها أن السيطرة على تلة «علي الطاهر» المهمة في لبنان، أكثر من كونها حقيقة أو انتصاراً ميدانياً، هي عملية نفسية وإعلامية ذات أهداف انتخابية وسياسية داخل الأراضي المحتلة.
إلا أن حسين باك، الصحفي الميداني التابع للمقاومة والموجود في لبنان، حسم الأمر أمام الجميع، إذ أكد سقوط المنطقة. وسجل باك مقطع فيديو في جنوب لبنان ومنطقة علي الطاهر، وقال مشيراً إلى المرتفعات الواقعة خلفه: «تُطرح أسئلة كثيرة بعد الصور التي نشرها العدو؛ رواية العدو تقول إنه قتل جميع المدافعين عن علي الطاهر واستولى على جميع المنشآت الاستراتيجية في هذه المنطقة الجغرافية الاستراتيجية. وبطبيعة الحال، لا يمكننا قبول رواية العدو هذه، ونحن بانتظار رواية المقاومة، لكن التحركات على الأرض وفي الميدان تظهر أن المنطقة الجغرافية لعلي الطاهر قد سقطت عسكرياً».
والآن، مع الادعاء بسقوط علي الطاهر، عاد الخلاف حول الاتفاق إلى الواجهة. يقول المنتقدون إن السقوط كان نتيجة للاتفاق، والتراجع ميدانياً، وإضعاف موقع حزب الله؛ في المقابل، يرى الطرف الآخر أنه لا يزال من غير الواضح ما كانت عليه الحقيقة العسكرية، وأن تحويل عملية عسكرية إلى تصفية حسابات سياسية سيؤدي، بدلاً من مساعدة المقاومة، إلى تعميق الانقسام الداخلي.
وقد بلغ الانقسام حداً جعل التحذيرات من تعميقه تصدر سريعاً. وكتبت صحيفة فرهيختغان في مقال لها: «إن تشكيل عدة أطراف في النزاعات الإعلامية والسياسية، بالتزامن مع تبادل النصوص ودخول الأتباع تحت عنوان مستشارين وخبراء في أمر يخالف رسالة القيادة ومطالبها، لن يكون مقبولاً من أي طرف. ولا تعني المراجعات المتخصصة دفع البلاد نحو جدالات ونقاشات ستبقى في نهاية المطاف بلا جدوى. فالنقد الحاد والمسيس، بدلاً من أن يساعد على توسيع النقد ونشره، يؤدي إلى انكماش وانسداد مساحة النقد؛ وربما إذا طُرح نقد منصف وواضح، فإنه يدفع مؤسسة ما إلى المراجعة، بينما إذا طُرح نقد صحيح بطريقة حادة، فقد يدفع مؤسسة ما إلى الرفض والرد بما يخالف الاتجاه المطلوب».
وحذر محمد سعيد أحديان، المساعد السياسي والإعلامي لرئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، أيضاً من هذا الاستقطاب، وقال إن بعض التيارات، بدلاً من تقديم حلول فعالة، تعمل، خلافاً لتوجيهات القيادة، على تأجيج الاستقطاب الداخلي.
وكتب أحديان على صفحته الشخصية في منصة «إكس»، في إشارة إلى التطورات الميدانية في لبنان: «أصحاب اللا-حلول، بسبب أحداث لبنان، وخلافاً لتوجيهات القيادة، بدلاً من مهاجمة العدو، أشعلوا الاستقطاب الداخلي للهروب إلى الأمام».
وأشار مساعد رئيس مجلس الشورى، في مواصلة حديثه، إلى دور مذكرة التفاهم في منع سقوط منطقة علي الطاهر الاستراتيجية، قائلاً: «كانت إسرائيل قد وصلت قبل مذكرة التفاهم إلى مشارف سقوط علي الطاهر. وبفضل شجاعة حزب الله، وتوقيع مذكرة التفاهم، والضغط الدبلوماسي، تم منع سقوط علي الطاهر».
وأكد أحديان ضرورة التركيز على الحلول العملية لإدارة الأزمة في لبنان وتجنب إثارة القضايا الجانبية داخلياً. لكن هذه القضايا الجانبية وجدت طريقها بالفعل، وأصبحت وسائل الإعلام التابعة للتيارين المتصارعين مركز هذا الخلاف.
وكتبت وكالة تسنيم، وهي وسيلة إعلام مرتبطة بالحرس الثوري وقريبة من رئيس مجلس الشورى وداعمة لاتفاق إسلام آباد، في تقرير بعنوان «آخر تطورات تلال علي الطاهر في جنوب لبنان»، نقلاً عن أحد خبرائها: «الواقع الميداني يختلف بشكل كبير عن هذه الصورة الدعائية، و… خلافاً للتهويل الذي جرى، لا توجد في هذه المنطقة كمية كبيرة من الأسلحة الاستراتيجية، كما لا توجد قوات خاصة بالحجم الذي تحاول وسائل الإعلام الإسرائيلية الإيحاء به».
وفي الواقع، قللت هذه الوسيلة الإعلامية من الأهمية الاستراتيجية لعلي الطاهر، لكنها حاولت في الوقت نفسه التحذير من المرحلة التالية لهذه الهجمات. وقال صادق الحسيني، الخبير في شؤون المنطقة، لوكالة تسنيم إن دخول القوات الإسرائيلية إلى الأنفاق الواقعة أسفل التلة ينطوي أيضاً على اعتبارات ومخاوف جدية من جانب إسرائيل.
وحذر من احتمال وجود قوات خاصة أو حتى قوات إيرانية في هذه المنطقة، وقال: «هناك اعتقاد بأن مداخل الأنفاق قد تكون مزروعة بالألغام ومجهزة بالفخاخ وبأنواع مختلفة من المواد المتفجرة؛ ولذلك فإن الدخول المباشر للقوات الإسرائيلية إلى الأنفاق ينطوي على مخاطر كبيرة».
في المقابل، تقوم وكالة فارس، وهي وسيلة إعلام أخرى مرتبطة بالحرس الثوري ومنتقدة لاتفاق إسلام آباد، بإعادة نشر محتويات على صفحتها في مواقع التواصل الاجتماعي تصف سقوط مرتفعات علي الطاهر بأنه تكلفة اتفاق إسلام آباد.
وأعادت الوكالة نشر تقرير لصحيفة «عصر إيرانيان» يقول: «تُظهر المعطيات الميدانية أن اختراق الصهاينة لخطوط دفاع حزب الله لم يكن بسبب ضعف تكتيكي لدى المقاتلين، بل كان نتيجة مباشرة لفتح ثغرات أمنية وفرض حالة من السلبية الميدانية تحت مظلة الاتفاقات السياسية؛ وهي مفاهيم تجسدت في التقدم التدريجي والواضح للعدو نحو القلاع الحيوية».
وجاء في المقال: «إن سقوط خطوط الدفاع واختراق القوات الصهيونية لأهم القلاع تحت الأرض التابعة للمقاومة، مثل قاعدتي الصواريخ “عماد 4″ و”عماد 2” في مرتفعات علي الطاهر، هو نتيجة مباشرة لهذا الخطأ الحسابي الجسيم، والسذاجة السياسية، والتفاؤل المفرط لدى فريق التفاوض برئاسة محمد باقر قاليباف. وبعد توقيع اتفاق إسلام آباد وخلق أجواء زائفة لوقف إطلاق النار، بدأ جيش الكيان الصهيوني، مستغلاً حالة السلبية السياسية الناجمة عن هذه الوثيقة، تقدمه التدريجي والهجومي على عدة محاور رئيسية».
وجاء في جزء آخر من المقال: «للأسف، اعتبر السادة وفريق التفاوض هذا النبل والكرم من جانب حزب الله والشيخ نعيم قاسم بمثابة انتصارات وهمية لهم، واعتبروه إنجازاً سياسياً في سجلهم السلبي!… فاحذروا اليوم الذي تقول فيه الصواريخ إنه بدلاً من إطلاقها على قلب العدو، جرى تدميرها في المخازن بسبب أوهامكم الدبلوماسية، أو وقعت في أيدي المعتدين!»
لكن وكالة فارس لم تتحدث في تقاريرها الرسمية بهذه الصراحة عن سقوط علي الطاهر ودور اتفاق إسلام آباد. كما أنها، على غرار تسنيم، لم تحاول نفي أهمية علي الطاهر، بل أكدت صراحة في أحد تقاريرها «أهمية سلسلة المرتفعات هذه»، وقالت: «ولا سيما أن مواجهات متجذرة وواسعة كانت قد نشبت منذ زمن طويل في هذه المنطقة بين حزب الله والكيان الصهيوني للسيطرة عليها، كما أن الأخير استهدف هذا الجزء مراراً بهجماته وصواريخه».
وعلى الرغم من إعادة فارس نشر تقارير من قبيل تقرير «عصر إيرانيان»، أشارت الوكالة في تقريرها إلى تحول قضية علي الطاهر إلى ساحة لصراع داخلي في إيران، وانتقدت ذلك. وكتبت أن «مهاجمة بعض الشخصيات السياسية واتهامها بالتقصير، في وقت لا تتوافر فيه معلومات دقيقة ومستقلة عن الوضع الميداني، يمكن عملياً أن يصب في مصلحة ما تريده وسائل إعلام العدو».
منتقدو قاليباف: هل تمت المتاجرة بجنوب لبنان؟
كان محمد باقر قاليباف وفريق التفاوض المرتبط بتفاهم لبنان من أبرز أهداف الهجمات الأخيرة.
ويرى منتقدو قاليباف أن الاتفاق الأخير أدى إلى فقدان حزب الله جزءاً من مواقعه، ومنح إسرائيل فرصة للتقدم في جنوب لبنان. ووفقاً لهذا التيار، فإن سقوط علي الطاهر ليس مجرد هزيمة عسكرية، بل نتيجة لخطأ في الحسابات؛ خطأ ناجم عن الثقة المفرطة بمسار التفاوض.
ويشير هذا التيار أيضاً إلى تصريحات حسين باك، الذي قال في وقت سابق عبر هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية إن المقاومة «حاربت إسرائيل وحدها لمدة 80 يوماً». ويقول المنتقدون إن هذه التصريحات تظهر أن حزب الله تُرك وحيداً خلال فترة من الفترات، وأن الاتفاق الأخير انتهى عملياً إلى الإضرار بجبهة المقاومة.
وكتب بعض المستخدمين على وسائل التواصل الاجتماعي، في إشارة إلى سقوط علي الطاهر: «سقط مرتفع علي الطاهر، وانتهك الصهاينة البند الثاني من وثيقة الوهم آلاف المرات، ولم تُقدّم أي تنازلات، ولم يُرفع الحصار البحري؛ أما آن الأوان لكي تعودوا إلى رشدكم؟ وكما قال الشهيد، إذا قاومتم ستنتصرون؛ والأمر متروك لكم».
وفي خضم هذه النقاشات، حاولت بعض الشخصيات ترسيخ رواية السقوط الكامل للمنطقة.
وادعى محمد مهدي صالحي، الذي يعرّف نفسه بأنه رجل دين وشخص عائد من لبنان، على منصة «إكس» أنه كان شاهداً على سقوط علي الطاهر.
وكتب: «سقوط علي الطاهر لا يهم مجموعتين: الأعزاء الذين لا يعرفون أهمية هذه التلة المهمة، والذين لا يريدون أن يعرف الناس أهمية هذه التلة حتى لا تتضرر آمالهم الوهمية بعودة ترامب إلى المفاوضات».
ولم يسلم محمد مرندي أيضاً من انتقادات التيار المعارض لقاليباف. فمرندي، نجل علي رضا مرندي، وأحد الشخصيات التي توجهت إلى إسلام آباد بصفته ناشطاً إعلامياً برفقة فريق قاليباف، كتب في تغريدة بعد توقيع تفاهم لبنان: «الأصدقاء اللبنانيون سعداء جداً، لكن البعض هنا غير راضٍ».
وبعد نشر الأخبار المتعلقة بعلي الطاهر، هاجمه بعض المستخدمين بشدة، وكتبوا: «السيد مرندي، لم نكن بحاجة إلا إلى بضعة أيام لتتضح أخطاؤكم في الحسابات. ليتكم، من خلال إعادة نشر مقتطف من هذه التغريدة، اعتذرتم للشعب عن رد فعلكم العاطفي والخاطئ».
ومن أغرب جوانب هذا الجدل الهجوم على أولئك الذين أشاروا إلى مواقف نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، بعد اتفاق لبنان.
وكان نعيم قاسم قد رحب بالاتفاق بعد إبرامه، واعتبره فرصة لإدارة الظروف. واليوم، وبعد سقوط مرتفعات علي الطاهر، يقول التيار المعارض للاتفاق، رداً على من يعتبرون الهجوم الإسرائيلي نتيجة لانهيار الاتفاق، إن نعيم قاسم استخدم تلك العبارات بعد توقيع تفاهم إسلام آباد «حتى لا تُخلق فتنة».
اقرأ ايضا
الصحافة الإيرانية: هل ترتبط معركة علي الطاهر بالمواجهة الأوسع بين إيران وإسرائيل؟



