إيران تحوّل العملات المشفرة إلى سلاح لكسر الحصار الأميركي
إن اعتماد إيران على "تيثر" لا يجعل الأموال بمنأى عن الإجراءات الأميركية، لأن الشركة المصدرة تستطيع تجميد العملات الموجودة في المحافظ المستهدفة.

ميدل ايست نيوز: وسعت إيران اعتمادها على العملات المشفرة للحفاظ على تدفق تجارتها الخارجية وتوفير النقد الأجنبي في ظل الحرب والحصار الأميركي، بالتزامن مع تخفيف البنك المركزي القيود المفروضة على عائدات الصادرات والسماح للتجار باستخدام قنوات أكثر مرونة في تسوية معاملاتهم العابرة للحدود.
وكشفت صحيفة “فاينانشال تايمز”، اليوم الأربعاء، أن البنك المركزي الإيراني شجع التجار خلال الأشهر الأخيرة، من دون إعلان رسمي، على إعادة عائداتهم إلى البلاد بأي وسيلة متاحة، بما يشمل استخدام العملات المشفرة، ولا سيما عملة “تيثر” المستقرة، إلى جانب “بيتكوين”، عبر منصات التداول الإيرانية.
ويمثل هذا التحول تغييرا في طريقة إدارة طهران النقد الأجنبي أكثر من كونه بداية لاستخدام العملات المشفرة، إذ استعانت إيران بالأصول الرقمية طوال سنوات للالتفاف على العقوبات والعزلة المصرفية. لكن السلطات كانت تفرض في السابق ضوابط مشددة على المصدرين، وتلزمهم بإعادة نسبة كبيرة من عائداتهم بالعملات الأجنبية وبيعها عبر منصة حكومية بأسعار تقل عن مستويات السوق المفتوحة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول تنفيذي مقرب من السلطات الإيرانية قوله، إن البنك المركزي لا يسأل عن كيفية تحويل الأموال، مشيرا إلى أن تخفيف القيود أصبح واسع الانتشار منذ اندلاع الحرب في فبراير/شباط. وأضاف أن تلقي العملات المشفرة مقابل الصادرات أصبح الآن ممارسة مستقرة بصورة كاملة.
ولم يعلق البنك المركزي الإيراني على المعلومات المتعلقة بالسماح الضمني باستخدام الأصول الرقمية في المعاملات التجارية. لكن وكالة الأنباء الإيرانية “إرنا” أوردت، قبل أيام، تفاصيل سياسة جديدة تسهل إعادة عائدات الصادرات، وتسمح بإجراء معاملات مباشرة بين المصدرين والمستوردين وفق أسعار صرف تفاوضية.
وأوضحت الوكالة أن السلطات كانت قد سهلت، منذ ديسمبر/كانون الأول 2025، إعادة عائدات الصادرات في صورة أوراق نقدية، ثم أتاحت، استنادا إلى المادة 11 من قانون خطة التنمية السابعة، تداول العملات الأجنبية مباشرة بين المصدرين والمستوردين. ويمنح هذا النظام الشركات قدرة أكبر على إعادة أموالها إلى الدورة الاقتصادية من دون بيعها بالسعر الحكومي المنخفض.
وبموجب الترتيبات الجديدة، يستطيع المصدرون استخدام إيراداتهم لتمويل وارداتهم مباشرة، بدلا من تمريرها أولا عبر النظام الرسمي للصرف الأجنبي. كما يمكنهم بيع العملات في السوق المفتوحة، ما يقلص الخسائر الناتجة عن الفارق الواسع بين أسعار الصرف الرسمية وسعر الدولار في السوق.
وقال مصدر صناعي يدير شركة متوسطة للصلب وتتاجر مع الصين مع الصين، بحسب “فاينانشال تايمز”، إن شركته لم تستخدم العملات المشفرة حتى الآن، لكنها حصلت على إذن باستخدام عائدات صادراتها في استيراد المواد اللازمة لنشاطها مباشرة.
وأضاف أن القواعد أصبحت أكثر مرونة بصورة عامة، موضحا أن المصدرين كانوا ملزمين سابقا بإعادة دخلهم بالعملات الأجنبية وبيعه عبر منصة خاصة بأسعار منخفضة، بينما أصبح بإمكانهم الآن توجيه الأموال إلى شراء احتياجات شركاتهم.
وساهم النظام السابق في إحجام مصدرين عن الإفصاح عن عائداتهم، إذ احتفظ بعضهم بالأموال خارج إيران، بينما أعاد آخرون جزءا منها عبر قنوات غير رسمية.
وتقدر السلطات القضائية الإيرانية قيمة الإيرادات غير المعلنة أو التي لم تتم تسوية التزاماتها الرسمية بأكثر من 100 مليار دولار.
وقال رئيس منظمة التفتيش العامة الإيرانية ذبيح الله خدائيان، في مقابلة مع برنامج “الحوار الإخباري الخاص” على قناة “خبر” الإيرانية في 26 يوليو/تموز 2026، إن أكثر من 20 ألف فرد وشركة لم يفوا بالتزامات تتعلق بإعادة عائدات تصدير تعادل 94 مليار يورو. وشملت القائمة شركات حكومية عاملة في قطاعي النفط والغاز، بينها الشركة الوطنية الإيرانية لتكرير وتوزيع المنتجات النفطية، وشركة الغاز الوطنية الإيرانية، وشركة النفط الإيرانية البحرية.
ووصف خدائيان حسابات بعض الشركات بأنها “فوضوية”، في وقت تجمع السلطات بين تخفيف القيود أمام الشركات الملتزمة وتشديد الملاحقات بحق الجهات التي تواصل الاحتفاظ بعائدات غير معلنة. وبحسب خدائيان، يخضع 219 فردا وشركة للتحقيق بشأن عائدات مفقودة تبلغ 23.5 مليار يورو.
وأعلن المتحدث باسم السلطة القضائية علي كاظمي، أمس الثلاثاء، اعتقال 22 شخصا مرتبطين بتجارة النفط، وإصدار مذكرات توقيف بحق 19 آخرين. وتظل شركات الصرافة في الدول المجاورة القناة الرئيسية التي تستخدمها الشركات الإيرانية لإعادة الأموال وتسوية المدفوعات الخارجية، لكن العملات المشفرة تمنح التجار مسارا إضافيا لا يعتمد مباشرة على المصارف أو شبكة المدفوعات الدولية الخاضعة للرقابة الأميركية.
وتحظى عملة “تيثر” بأهمية خاصة في هذه العمليات، لأنها عملة رقمية مستقرة مصممة للحفاظ على قيمة تعادل الدولار. ويستطيع التجار استخدامها لتسوية المدفوعات بسرعة ونقل القيمة بين المحافظ الرقمية، من دون المرور بالضرورة عبر البنوك التقليدية.
وتشير بيانات مجموعة “تي آر إم لابس” إلى انتقال عملات مشفرة بقيمة تقترب من 10 مليارات دولار عبر إيران خلال عام 2025، ما يعكس اتساع استخدام الأصول الرقمية داخل اقتصاد معزول منذ سنوات عن النظام المالي العالمي. لكن اعتماد إيران على “تيثر” لا يجعل الأموال بمنأى عن الإجراءات الأميركية، لأن الشركة المصدرة تستطيع تجميد العملات الموجودة في المحافظ المستهدفة.
وفي إبريل/نيسان، جمدت “تيثر”، بالتنسيق مع السلطات الأميركية، نحو 344.2 مليون دولار في محفظتين قالت واشنطن إنهما مرتبطتان بالبنك المركزي الإيراني.
وذكرت شركة “تشيناليسيس” لتحليل سلاسل الكتل في يوليو/تموز أن إجمالي العملات المجمدة في عناوين نسبت إلى البنك المركزي الإيراني ارتفع لاحقا إلى نحو 475 مليون دولار، بما يظهر قدرة السلطات الأميركية على تعقب جانب من التدفقات الرقمية وتعطيلها. كما فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على منصات وشبكات اتهمتها بمساعدة طهران على غسل مليارات الدولارات والحفاظ على وصولها إلى النظام المالي الدولي.
واستهدفت واشنطن في يونيو/حزيران منصة “نوبيتكس”، أكبر بورصة عملات مشفرة إيرانية، متهمة إياها بتسهيل نقل أموال لمصلحة البنك المركزي والحرس الثوري وجهات خاضعة للعقوبات. وقالت وزارة الخزانة إن النظام الإيراني يعتمد بصورة متزايدة على العملات المشفرة باعتبارها وسيلة للتهرب من العقوبات، وحذرت الأفراد والشركات من إجراء معاملات بالأصول الرقمية مع الجهات الإيرانية المحظورة.
واستفادت إيران كذلك من انخفاض تكلفة الطاقة محليا لتوسيع تعدين “بيتكوين”، وتحويل الكهرباء إلى أصول رقمية يمكن استخدامها في تمويل بعض الواردات. وتقدر شركة “إليبتيك” لتحليلات سلاسل الكتل أن إيران تستحوذ على نحو 4.5% من عمليات تعدين “بيتكوين” عالميا.
وترى الشركة أن التعدين يسمح لطهران بكسب مئات الملايين من الدولارات في صورة أصول مشفرة يمكن استخدامها لشراء السلع وتجاوز بعض القيود التجارية، إلا أن هذه التدفقات تظل محدودة مقارنة بحجم احتياجات الاقتصاد الإيراني وعائداته النفطية والتجارية.
وقال عضو جمعية التحول الرقمي الإيرانية علي رضا بزرگمهري إن البنك المركزي خفف تدقيقه في منصات العملات المشفرة ولم يعد يصر على التطبيق الصارم للقواعد. لكنه استبعد أن تصبح أحجام التداول عبر تلك المنصات كافية لتلبية الاحتياجات الضخمة للاقتصاد، وفق “فاينانشال تايمز”.
ويرى أستاذ الاقتصاد السياسي في طهران سعيد ليلاز أن أهمية الأصول الرقمية تزداد كلما أغلقت الولايات المتحدة مزيدا من قنوات إيران المالية مع العالم، قائلا إن “توسع الاقتصاد السري يزيد الحاجة إلى استخدام العملات المشفرة”، قبل أن يضيف أن الحصار مليء بالثغرات.



