لماذا لا تعود الزيادة في أسعار النفط بالفائدة على إيران؟
خلقت الحرب صدمة ناجمة عن ارتفاع أسعار النفط بالنسبة إلى العالم، لكنها تحولت بالنسبة إلى إيران إلى صدمة ناجمة عن انخفاض الإيرادات.

ميدل ايست نيوز: لا يعني امتلاك احتياطيات نفطية ضخمة بالضرورة امتلاك قوة نفطية. إذ تتشكل القوة عندما تتمكن الدولة من إنتاج النفط وبيعه بحرية وتحويل عائداته إلى رأسمال وقوة اقتصادية.
وفي عدده الصادر لهذا الأسبوع، تناول موقع تجارت فردا الإيراني، سؤالاً يتمحور حول سبب عدم تمكن إيران من استغلال أزمة ارتفاع أسعار النفط العالمي، وقالت: يشعر العالم بالقلق من تصاعد التوترات في الخليج وارتفاع أسعار النفط، لكن إيران، بسبب الحصار البحري والقيود المفروضة على صادراتها، لا تستطيع بيع النفط كما في السابق والاستفادة من ارتفاع الأسعار.
وخلقت الحرب صدمة ناجمة عن ارتفاع أسعار النفط بالنسبة إلى العالم، لكنها تحولت بالنسبة إلى إيران إلى صدمة ناجمة عن انخفاض الإيرادات.
لماذا لم يؤدِّ تحويل النفط إلى أداة للقوة إلى بناء قوة مستدامة لإيران؟
قبل 66 عاماً، في سبتمبر/أيلول 1960، اجتمع ممثلو إيران والعراق وفنزويلا والسعودية والكويت في بغداد، وأسسوا منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك». وكانت الدول المنتجة للنفط تهدف، من خلال إنشاء هذه المنظمة، إلى تعزيز قدرتها في مواجهة القرارات الأحادية الجانب التي تتخذها شركات النفط الكبرى، والدفاع عن مصالحها، والحصول على دور في تحديد سعر أهم أصولها. لكن بعد مرور أكثر من ستة عقود، بدأت تثار تساؤلات حول تراجع دور هذه المنظمة، بل وحتى احتمال انهيارها. ومن هنا، يتمثل أحد الأسئلة الرئيسية لهذا العدد في ما إذا كان حلم مؤسسي أوبك قد تحقق.
وقبل 51 عاماً، وفي مثل هذه الأيام، ظهر أحد أهم الخلافات النفطية بين إيران والولايات المتحدة من خلال تبادل للرسائل. ففي 9 سبتمبر/أيلول 1975، طلب الرئيس الأميركي جيرالد فورد من محمد رضا بهلوي استخدام نفوذ إيران داخل أوبك لمنع رفع أسعار النفط مجدداً.
كان فورد يخشى أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الضغوط على اقتصادات الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، التي كانت لا تزال تكافح التداعيات التضخمية والركودية للصدمة النفطية التي وقعت عام 1973. لكن الشاه رفض هذا الطلب، وبعد يومين، رد على فورد بالقول إن التضخم في الدول الصناعية قضى على نحو 35 في المئة من القوة الشرائية للإيرادات النفطية الإيرانية، معتبراً بذلك أن رفع أسعار النفط مبرر. وبعد أيام قليلة، أقر أعضاء أوبك زيادة بنسبة 10 في المئة في أسعار النفط، وتجاهلوا عملياً طلب الرئيس الأميركي.
وكان الشاه الإيراني قد توصل في السنوات الأخيرة من حياته إلى قناعة مفادها أن استقلاله في السياسة النفطية ومقاومته للمطالب الغربية كانا من أسباب تغير سلوك القوى الغربية تجاه حكومته. ومن هنا يبرز سؤال مهم: هل لعبت السياسة النفطية للشاه ومقاومته للمطالب الغربية دوراً في إسقاط نظام البهلوي؟
واليوم، وبعد نصف قرن من تلك الأحداث، تستخدم إيران مجدداً مزيتها في مجال الطاقة وموقعها الجغرافي في صراعها مع القوى الكبرى. لكن الفارق هذه المرة هو أن مضيق هرمز، إلى جانب النفط، أصبح أيضاً جزءاً من الصراع.
فمن جهة، أدت الحرب والحصار البحري إلى خفض صادرات النفط الإيرانية بشدة، ومن جهة أخرى، أدى اضطراب حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز إلى الحد من إمدادات دول المنطقة ورفع أسعار النفط العالمية.
ونتيجة لذلك، نواجه مفارقة تتمثل في أن الحرب أحدثت للعالم صدمة ناجمة عن ارتفاع أسعار النفط، بينما تحولت بالنسبة إلى إيران إلى صدمة ناجمة عن انخفاض الإيرادات النفطية. وبمعنى آخر، يمكننا من خلال زيادة مخاطر عبور النفط عبر هرمز تحميل الاقتصاد العالمي تكاليف أكبر، لكننا في الوقت نفسه نحد من قدرتنا على بيع النفط وتحقيق الإيرادات بالعملة الأجنبية.
والأهم من ذلك أن استمرار انعدام الأمن في هذا المسار يدفع دول المنطقة إلى زيادة استثماراتها في خطوط الأنابيب والموانئ والمسارات التي تتجاوز مضيق هرمز.
وبذلك، ترتبط ثلاث محطات تاريخية ببعضها بعضاً. فقد لعبت إيران عام 1960 دوراً في إنشاء مؤسسة كان من المفترض أن تعزز القدرة التفاوضية للدول المنتجة للنفط. وفي عام 1975، حاولت استخدام القوة النفطية للدفاع عن مصالحها الاقتصادية في مواجهة الضغوط الأميركية، واليوم، إلى جانب النفط، تحول موقعها الجغرافي في مضيق هرمز أيضاً إلى جزء من معادلة القوة.
ويحدث ذلك في وقت لا يعني فيه امتلاك احتياطيات نفطية ضخمة بالضرورة امتلاك قوة نفطية. إذ تتشكل القوة عندما تتمكن الدولة من إنتاج النفط وبيعه بحرية وتحويل عائداته إلى رأسمال وقوة اقتصادية.
والآن، يشعر العالم بالقلق من ارتفاع أسعار النفط والاضطرابات في الخليج، لكن إيران نفسها لا تستطيع الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط بالقدر الذي كانت تستفيد منه في السابق.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: هل يصنع النفط ومضيق هرمز قوة لإيران، أم أن استخدامهما أداةً للصراع يؤدي إلى استنزاف هذه القوة؟



