الصحافة الإيرانية: هل تبني واشنطن «فخاً روسياً» لإيران عبر الضغط الأقصى؟

ينبغي ألا تختزل مقارنة إيران اليوم بروسيا قبل الحرب في أوكرانيا في القول إن «أميركا تكرر الخطأ نفسه الذي ارتكبه الناتو».

ميدل ايست نيوز: في السياسة الدولية، تتشكل أحياناً أخطر الأوضاع عندما تعتقد قوة كبرى أن بإمكانها إجبار منافسها على التراجع من خلال زيادة الضغط، لكنها في الواقع تضيق هامش الخيارات أمامه إلى درجة تجعل الخيارات الأكثر خطورة تبدو له، تدريجياً، أكثر عقلانية. وفي مثل هذه الظروف، يمكن لما يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ«المعضلة الأمنية»، وفي الأدبيات الاستراتيجية بـ«معضلة الإكراه والردع»، أن يتحول إلى حلقة مفرغة من تصعيد التوتر.

يقول علي أصغر بصيري جم، متخصص في العلاقات الدولية، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني: كانت تطورات العلاقة بين روسيا والغرب قبل الحرب في أوكرانيا نموذجاً مهماً لهذا المنطق. فقد اعتبرت موسكو توسع حلف شمال الأطلسي «الناتو» في محيط روسيا واقتراب الهياكل الأمنية الغربية من حدودها، بمثابة تراجع في العمق الاستراتيجي وزيادة في التهديد الذي يواجه الأمن القومي الروسي. وبالطبع، لا يجعل ذلك بأي شكل من الأشكال الهجوم الروسي على أوكرانيا مشروعاً أو حتمياً؛ فقد كان قرار بدء الحرب قراراً سياسياً، وكانت هناك خيارات أخرى أيضاً. لكن لفهم السلوك الروسي، لا يمكن تجاهل تصوره للتهديدات في محيطه.

وتكمن أهمية هذه التجربة اليوم بالنسبة إلى إيران، ليس في التشابه الكامل بين الأزمتين، وإنما في منطق إنتاج الضغط ورد الفعل.

استخدمت الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة، في البداية، الأداة العسكرية لزيادة الضغط على إيران وهي تعمل الآن، من خلال الإعلان عن جولة جديدة من الإجراءات الاقتصادية، على نقل هذا الضغط إلى نطاق أكثر شمولاً. ففي 24 أغسطس/آب 2026، كشفت الحكومة الأميركية عن مرحلة جديدة من العقوبات أطلقت عليها اسم «يوم الضغط الاقتصادي»، وهي خطة أُعلن أن هدفها قطع مصادر الإيرادات الإيرانية وممارسة الضغط على الشبكات المالية والتجارية المرتبطة بطهران.

وفي هذه المرحلة، فُرضت العقوبات على أكثر من 60 فرداً وكياناً وسفينة، كما شملت قطاعات من بينها التكنولوجيا والذهب والطيران والشحن والأصول الرقمية. والأهم من ذلك أن واشنطن وسعت نطاق استخدام العقوبات الثانوية، وحذرت الحكومات والشركات والمؤسسات المالية الأجنبية من أن مواصلة التعامل الاقتصادي مع إيران قد تفرض عليها هي أيضاً تكاليف.

ولا يمكن اعتبار هذا التطور مجرد حزمة أخرى من العقوبات. فمنطقه يقوم على الانتقال من فرض العقوبات المباشرة إلى ممارسة نوع من الضغط على البيئة الاقتصادية المحيطة بإيران؛ أي إن واشنطن لا تستهدف طهران فحسب، بل تحاول أيضاً جعل شبكة علاقات إيران مع العالم الخارجي أكثر كلفة.

ومن هنا تحديداً تبدأ المشكلة.

فالهدف المعلن لسياسة الضغط هو تغيير سلوك الجمهورية الإسلامية. لكن كلما ارتفعت التكاليف الاقتصادية والعسكرية والسياسية لاستمرار الوضع القائم، يبرز سؤال أكثر أهمية: إذا لم تتراجع طهران، فما الخيارات التي ستبقى أمامها؟

يحظى هذا السؤال بأهمية أساسية من منظور نظرية الإكراه (Coercion). وينجح الإكراه عندما يرى الطرف الواقع تحت الضغط أن قدرته على تحمل الضغوط محدودة، وفي الوقت نفسه يجد أمامه مساراً موثوقاً لتخفيفها. لكن إذا وصل الضغط إلى مرحلة يصبح فيها حتى عدم الرد يعني استمرار استنزاف القدرات الاقتصادية والاستراتيجية، فإن حسابات الكلفة والفائدة تتغير.

وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال مجرد «ما تكلفة شن هجوم؟»، بل يبرز أيضاً سؤال آخر: «كم ستكون تكلفة عدم شن الهجوم؟»

إذا خلص صانعو القرار الإيرانيون إلى أن عدم الرد سيؤدي إلى تشديد العقوبات، وفقدان مصادر الإيرادات، وتقييد أكبر للوصول إلى الشبكة المالية الدولية، وتراجع القدرة الاقتصادية للبلاد على مواصلة المنافسة الاستراتيجية، فقد يتحول العمل العسكري أو الضربة الاستباقية، وفق حساباتهم، وعلى خلاف الظروف العادية، إلى خيار يستحق الدراسة.

وهنا تواجه سياسة الضغط الأقصى مفارقة: فبدلاً من منع دولة ما من تبني سلوك محفوف بالمخاطر، قد تؤدي هذه السياسة إلى خلق ظروف تجعل السلوك المحفوف بالمخاطر أكثر منطقية بالنسبة إليها.

وهنا تحديداً تكتسب التجربة الروسية أهميتها.

ففي السنوات التي سبقت الحرب في أوكرانيا، اعتبرت روسيا أن توسع النفوذ الأمني الغربي في محيطها يمثل تهديداً متزايداً. وفي المقابل، كان الغرب يعتبر السلوك الروسي سبباً لتعزيز حضوره وتماسكه الأمني في أوروبا الشرقية. ونتيجة لذلك، كان كل طرف يتخذ إجراءات لتعزيز أمنه، بينما كان الطرف الآخر ينظر إليها باعتبارها أكثر تهديداً له. وكانت هذه هي الحلقة الكلاسيكية للمعضلة الأمنية.

لكن الخطر المحتمل في حالة إيران يتخذ شكلاً مختلفاً. فالمسألة هنا لا تتعلق بالحصار العسكري وحده، وإنما بمزيج من الضغط العسكري والاقتصادي والعزلة المالية وتهديد الشركاء الاقتصاديين لإيران. وبعبارة أخرى، تجاوز الضغط مستوى الدولة الإيرانية نفسها وامتد إلى بيئتها الاقتصادية المحيطة.

وقد يضع هذا الوضع طهران أمام معضلة صعبة.

فإذا أقدمت إيران على رد عسكري، يمكن لواشنطن أن تقدمه باعتباره دليلاً على ادعائها بأن طهران لاعب مزعزع للاستقرار وتهديد للأمن الإقليمي والدولي؛ ومن ثم ستتوافر الأرضية السياسية اللازمة لتصعيد الضغوط وبناء التحالفات واتخاذ مزيد من الإجراءات العسكرية.

أما إذا لم ترد إيران واستمر الضغط الاقتصادي على هذا النحو، فقد يتفاقم الاستنزاف الاقتصادي وتراجع قدرة الدولة على توفير الموارد اللازمة للحفاظ على قوتها الوطنية. وفي هذا الإطار، قد تجد طهران نفسها في وضع تكون فيه الخيارات كلاهما مكلفاً؛ لكن عدم اتخاذ أي إجراء لم يعد بالضرورة الخيار الأقل كلفة.

وهذا تحديداً هو الخطر الذي ينبغي أخذه في الاعتبار عند تقييم استراتيجية الضغط الأقصى.

لكن لا ينبغي استنتاج أن إيران «مجبرة» على شن هجوم من هذا التحليل. فالدول تمتلك دائماً هامشاً للاختيار، وستؤثر عوامل عديدة، بدءاً من بنية صنع القرار الداخلي ووصولاً إلى الحسابات العسكرية والوضع الاجتماعي وردود فعل القوى الإقليمية، في القرار النهائي لطهران.

لكن القضية الأهم هي أن على صانع السياسة الأميركي التمييز بين القدرة على ممارسة الضغط والقدرة على إدارة تداعياته.

وتظهر العقوبات الجديدة أن واشنطن تعتزم زيادة تكلفة التعاون الاقتصادي مع إيران، ليس على إيران نفسها فحسب، وإنما على الأطراف الأجنبية أيضاً. وقد تؤدي هذه السياسة إلى تقييد وصول طهران إلى الموارد الاقتصادية، لكنها قد تؤدي في الوقت نفسه إلى تضييق ما تبقى من المسارات الدبلوماسية والاقتصادية.

وبالتالي، لم يعد السؤال الرئيسي هو: «هل يستطيع الضغط الأقصى أن يضع إيران تحت الضغط؟» والإجابة عن هذا السؤال واضحة: نعم.

لكن السؤال الأهم هو: هل يستطيع الضغط الأقصى إجبار إيران على تغيير سلوكها، من دون أن يزيد في الوقت نفسه من دوافعها نحو تبني سلوك أكثر خطورة؟

إذا كانت الإجابة بالنفي، فقد تجد واشنطن نفسها أمام معضلة استراتيجية من صنعها: الضغط لمنع التهديد يؤدي إلى زيادة الشعور بالتهديد لدى الطرف المقابل؛ وزيادة الشعور بالتهديد ترفع احتمال السلوك المحفوف بالمخاطر؛ وهذا السلوك بدوره يوفر ذريعة لزيادة الضغط. وقد تتحول هذه الحلقة إلى ما تسميه أدبيات العلاقات الدولية «الدوامة الأمنية».

لذلك، ينبغي ألا تختزل مقارنة إيران اليوم بروسيا قبل الحرب في أوكرانيا في القول إن «أميركا تكرر الخطأ نفسه الذي ارتكبه الناتو». فالتشابه الأعمق يكمن في مكان آخر: عندما تعمل قوة كبرى، بهدف تغيير سلوك منافسها، على تضييق بيئته الأمنية والاقتصادية بشكل متزايد، فقد تؤدي من دون قصد إلى تغيير حسابات منافسها من سؤال «كيف نخرج من الأزمة؟» إلى سؤال «كيف نرد قبل أن نصبح أضعف؟». وإذا حدث هذا التحول في الحسابات، فلن يعود الضغط مجرد أداة دبلوماسية، بل سيصبح بحد ذاته أحد العوامل المنتجة للأزمة. ولعل هذا هو السؤال الأهم الذي ينبغي لصانعي السياسات الأميركيين أن يطرحوه على أنفسهم قبل الانتقال إلى المرحلة التالية من الضغط:

فهل تدفع واشنطن طهران إلى التراجع، أم أنها تبني ظروفاً يصبح فيها شن هجوم استباقي بالنسبة إلى طهران أقل كلفة من الاستسلام لتداعيات عدم التحرك؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى