الصحافة الإيرانية: فرص وتهديدات ممر الطاقة السوري للنظام الجديد في الشرق الأوسط

إن مشروع كركوك – بانياس، بصرف النظر عن مآله النهائي، يكشف بحد ذاته عن تحوّل في نموذج الجغرافيا السياسية للطاقة في الشرق الأوسط.

ميدل ايست نيوز: تحوّل خبر إحياء خط أنابيب النفط الواصل بين كركوك وبانياس، خلال الأسابيع الأخيرة، من مشروع إنشائي بسيط إلى أحد المؤشرات الواضحة على التغيّر في هندسة القوة في الشرق الأوسط. فقد اتفقت العراق وسوريا، تحت إشراف أمريكي مباشر، على مدّ أنبوب تبلغ طاقته مليوني برميل يومياً، من شمال العراق إلى سواحل البحر المتوسط، خلال نحو ثلاثين شهراً، وبكلفة تقارب 15 مليار دولار. وبالتزامن مع ذلك، أعادت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي، بشأن تراجع أهمية مضيق هرمز، طرح سؤال أكثر جدية حول ما إذا كان بإمكان ممر بري أن يحل فعلاً محل الشريان البحري الحيوي للطاقة في العالم.

يقول فرهاد قادري، الخبير في العلاقات الدولية، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني: لفهم أبعاد هذا التحوّل، يمكن الاستعانة بنظرية الواقعية الهجومية، التي تؤكد دور «نقاط الاختناق» في معادلات القوة. ومن هذا المنظور، لا يمثّل مضيق هرمز مجرد ممر اقتصادي، بل شكّل رافعة حيوية لإيران في الردع والمساومة الاستراتيجية. وتسعى الولايات المتحدة، عبر نقل جزء من تدفقات النفط إلى البر، عملياً إلى تحييد هذه الرافعة، وكسر اعتماد سلسلة إمدادات الطاقة، للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، على ممر مائي يقع تحت نفوذ دولة معادية. وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى خط الأنابيب المذكور بوصفه مشروعاً اقتصادياً، بل باعتباره «سلاحاً بنيوياً» لتغيير موازين القوى لمصلحة واشنطن وحلفائها.

لكن عند النظر إلى المسألة من زاوية الواقعية الكلاسيكية الجديدة، فإن الضغوط البنيوية للنظام الدولي لا تصنع القرارات وحدها، إذ تؤدي المتغيرات الداخلية أيضاً دوراً تصفيةً وتوجيهاً. ففي سوريا، ترى الحكومة الجديدة، التي تواجه دماراً واسعاً ونقصاً حاداً في الموارد المالية، أن المشروع يمثل «فرصة ذهبية» لتأمين إيرادات سنوية تتراوح بين 8 و12 مليار دولار. أما في العراق، فقد أدّى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بسبب تصاعد التوترات العسكرية، إلى إدخال صادرات النفط في أزمة، ما جعل بغداد مضطرة إلى قبول مسارات بديلة، حتى لو كانت باهظة التكلفة. ويوضح هذا التقارب بين المصالح المعيشية ومتطلبات البقاء في بلدين يواجهان أزمات عميقة، سبب استعدادهما للانخراط في مشروع من هذا النوع تحت مظلة شركات كبرى مثل شيفرون، رغم التهديدات الأمنية الواضحة.

ومع ذلك، لا ينبغي التغاضي عن العقبات الجدية التي تواجه المشروع. وفي مقدمتها مرور خط الأنابيب عبر غرب العراق، وهي منطقة لا تزال خاضعة لنفوذ جماعات قريبة من إيران، إذ يمكن لأي أعمال تخريب أو هجمات حرب عصابات أن توقف تشغيله لأشهر. كما أن سوريا نفسها، رغم التغيّرات السياسية الأخيرة، لم تصل بعد إلى استقرار شامل، فيما تفتقر الطرق والمنشآت التي خلّفتها الحرب الأهلية في كثير من الأحيان إلى المعايير الفنية اللازمة لتنفيذ مشروع بهذا الحجم. وقدّر بعض الخبراء الأتراك أن المدة المطلوبة لإنجاز المشروع قد تمتد، تبعاً للظروف الأمنية، إلى أربع سنوات، في وقت سيواجه فيه سوق النفط صدمة غير مسبوقة إذا أُغلق مضيق هرمز اليوم. ويمثّل هذا الفارق الزمني إحدى أكثر نقاط ضعف المشروع هشاشة.

وعلى مستوى الأطراف الإقليمية، تشكّل الولايات المتحدة وسوريا والعراق الأضلاع الثلاثة الرئيسية المؤيدة للمشروع، لكن دوافع كل طرف تختلف عن الآخر. فتسعى واشنطن إلى تثبيت هيمنتها على نظام الطاقة الجديد، وإقصاء منافسين مثل روسيا وإيران من معادلات البحر المتوسط. أما دمشق، فتنظر إلى المشروع باعتباره شريان حياة اقتصادياً، رغم أن اعتمادها الشديد على الغرب قد يحمّلها تكاليف سياسية في المستقبل. وبغداد، من جهتها، غيّرت عملياً مسارها من الشرق إلى الغرب، وأبدت استعدادها للتوافق مع الولايات المتحدة، بعد إبرامها عقوداً تتجاوز قيمتها 60 مليار دولار مع شركات غربية.

في المقابل، يمكن اعتبار روسيا وإيران أكبر الخاسرين في هذه المعادلة. فموسكو، التي كانت تسيطر خلال عهد بشار الأسد على جزء مهم من البنية التحتية للطاقة في سوريا، تواجه حالياً تهميشاً تدريجياً لدورها. أما طهران، التي استفادت لسنوات من الممر البري عبر سوريا لربط نفسها بالبحر المتوسط ودعم حلفائها، فإنها ستفقد عملياً ممراً استراتيجياً في حال دخول خط الأنابيب مرحلة التشغيل. والمفارقة أن روسيا وإيران، رغم تعاونهما خلال مرحلة الدفاع عن الأسد، ظلّتا متنافستين على موارد الطاقة السورية، وقد يؤدي هذا المشروع إلى تعميق خلافاتهما الخفية.

أما دور تركيا، فيتسم بالازدواجية والتعقيد. فقد دأبت أنقرة منذ سنوات على تقديم نفسها بوصفها «مركزاً لنقل الطاقة» بين الشرق والغرب، وترى في كل ممر جديد تهديداً لمكانتها. غير أن علاقاتها الجديدة مع الحكومة السورية، إلى جانب هواجسها الأمنية المتعلقة بالأكراد، قد تدفعها إلى التفاوض من أجل الحصول على امتيازات في هذا المشروع.

أما أوروبا، التي تحتاج بشدة، من جهة، إلى تنويع مصادر الطاقة، فإنها تؤدي، من جهة أخرى، دور مراقب حذر في الوقت الراهن، بسبب حالة عدم الاستقرار المزمنة في سوريا.

خلاصة القول، إن مشروع كركوك – بانياس، بصرف النظر عن مآله النهائي، يكشف بحد ذاته عن تحوّل في نموذج الجغرافيا السياسية للطاقة في الشرق الأوسط؛ وهو تحوّل تكتسب فيه الدول العابرة، مثل سوريا، وزناً جيوسياسياً يتجاوز قدراتها الاقتصادية. غير أن مصير المشروع لن تحدده هندسة خطوط الأنابيب وحدها، بل عاملان أساسيان هما «الردع العسكري الإيراني» و«الاستقرار الأمني الميداني في العراق وسوريا». وإذا لم تتم السيطرة على هذين التحديين، فقد يتحول ممر الطاقة الجديد، مثل العديد من المشاريع المماثلة، إلى مستنقع مكلف بدلاً من أن يكون ممراً استراتيجياً مختصراً. والمؤكد أن سوريا تسعى اليوم إلى أداء دور جديد، لا باعتبارها ساحة للصراع، بل بوصفها ممراً للطاقة العالمية، وهو ما يعكس عمق التحولات التي أعادت تعريف النظام الإقليمي.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى