الجمود الإيراني يترك الولايات المتحدة بلا مخرج واضح

ضغطت العقوبات على الاقتصاد الإيراني لعقود، من دون أن تجبر طهران على تقديم تنازلات سياسية، فيما فشلت الضربات العسكرية المتكررة في تحقيق مكاسب دائمة.

ميدل ايست نيوز: دخلت الولايات المتحدة في مأزق استراتيجي في مواجهتها مع إيران، إذ عجزت عن تحقيق تغيير في النظام، أو القضاء على التخصيب النووي، أو تفكيك الصواريخ الباليستية، أو إنهاء دعم طهران للوكلاء الإقليميين. وقد ضغطت العقوبات على الاقتصاد الإيراني لعقود، من دون أن تجبر طهران على تقديم تنازلات سياسية، فيما فشلت الضربات العسكرية المتكررة في تحقيق مكاسب دائمة.

وحسب تقریر لمعهد كوينسي أفاد به موقع ميرو يضع الجمود في الملف الإيراني واشنطن أمام خيارين غير مرضيين: إضفاء الطابع الرسمي على الضغوط العسكرية المتكررة، أو إعلان النصر والانسحاب. ولا يفضي أي من المسارين إلى إعادة فتح مضيق هرمز، لأن طهران تربط حرية الملاحة بتخفيف العقوبات وضبط النفس الإسرائيلي، وهما شرطان قاومت واشنطن تلبيتهما. وقد أدت سيطرة إيران على الممر المائي بالفعل إلى دفع أسعار الديزل إلى مستويات قياسية، ما عرّض المستهلكين الأمريكيين لتكاليف الصراع الممتد.

ويصف دبلوماسيون عملية صنع القرار الأمريكي بأنها رد فعل تفتقر إلى الاتجاه الواضح، في وقت فشلت فيه إدارة ترامب في تأمين السلام في غزة أو أوكرانيا. ويبدو أن المنطقة تتجه نحو مأزق شبيه بالحالة الأوكرانية، فيما يستعد قادة دول الخليج لأشهر أو سنوات من الاضطراب. لذلك، لا يمكن حل المأزق الإيراني عبر الخطابات أو الانسحاب الأحادي، بل يتطلب تقديم تنازلات لم تفكر الولايات المتحدة حتى الآن في قبولها. ومن دون مسار دبلوماسي موثوق، ستواصل الضغوط الاقتصادية والضربات العسكرية فرض تكاليف باهظة من دون تحقيق النصر.

مأزق إيران يتعمق عبر الخليج

بينما تكافح الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها الرئيسية الأربعة في الحرب مع إيران، والمتمثلة في تغيير النظام، وتفكيك الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، والقضاء على التخصيب النووي، ووقف دعم طهران للوكلاء الإقليميين، أطلق المسؤولون الأمريكيون سلسلة من الطروحات التي سبق اختبارها وثبت فشلها بشأن كيفية تحقيق هذه الأهداف.

وخلال الأسابيع الأربعة الماضية، تابع الأمريكيون محاولات حكومتهم فرض نصر اقتصادي على إيران من خلال عملية «المنبوذ الاقتصادي»، التي شددت نظام العقوبات الذي خنق الاقتصاد الإيراني لعقود، من دون أن تنجح في حل النزاع الأساسي.

والآن، مع تراجع هذه الاستراتيجية، عادت إدارة ترامب إلى نهجها القديم المتمثل في توجيه ضربات عسكرية إلى إيران. غير أن هذه الضربات فشلت هي الأخرى في تحقيق الأهداف المرجوة منها.

خياران، لا يبدو أي منهما واعداً

في مواجهة احتمال تكبد هزيمة من صنعها، اقترحت الولايات المتحدة مسارين جديدين للمضي قدماً.

يتمثل الخيار الأول، الذي أوردته صحيفة وول ستريت جورنال، في تمديد الضربات المتقطعة الحالية وإعادة تنظيمها، وهي الضربات التي يطلق عليها المسؤولون الأمريكيون اسم «قص العشب». ويشير المصطلح إلى استراتيجية تقوم على تنفيذ جولات دورية من استخدام القوة غير المتناسبة، على غرار ما فعلته إسرائيل في غزة قبل إطلاق حملتها الشاملة، التي تبدو، بعد هجمات 7 أكتوبر 2023، مفتوحة النهاية.

ولدعم هذا الخيار، مددت وزارة الدفاع الأمريكية نشر قواتها في الشرق الأوسط حتى عام 2027.

أما الخيار الثاني، الذي يُعتقد أن البيت الأبيض يدرسه، فيتمثل في إعلان الولايات المتحدة النصر والانسحاب. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن الرئيس دونالد ترامب يؤيد هذه الفكرة. ومن بين الداعمين لهذا الخيار جو كينت، المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، الذي استقال احتجاجاً على الحرب مع إيران، ودعا في منشور على منصة «إكس» إلى «إعادة ضبط شروط الصفقة» مع طهران عبر «سحب قواتنا وسفننا من المنطقة».

وتزداد شعبية الدعوة إلى انسحاب الولايات المتحدة و«إعلان النصر» حتى داخل الأوساط التقليدية في السياسة الخارجية والأمن القومي.

العقوبات نادراً ما تغيّر السلوك

لكن بالنظر إلى القيود التاريخية التي تواجهها العقوبات في تحقيق نتائج سياسية، إلى جانب المطالب الإيرانية الحالية، يبدو أن هذه الاستراتيجية أيضاً لن تكون كافية لإعادة فتح مضيق هرمز وتجنب العواقب الاقتصادية التي قد تترتب على النفوذ الإيراني في الممر المائي بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي.

لطالما شكك علماء السياسة في قدرة الضغوط الاقتصادية والعقوبات الأمريكية على إحداث تغييرات سياسية، ولا سيما عندما لا تجد الدولة المستهدفة أسباباً كافية للاعتقاد بأن هذه الإجراءات سترفع مقابل تبنيها سلوكاً مرضياً. ويقرّ باحثون، مثل ديفيد سيغل، سريعاً بأن العقوبات «لا تعمل»، فيما اعترفت مسؤولون أمريكيون، مثل وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين، بالنقطة نفسها، مشيرين إلى أن العقوبات المفروضة على إيران تسببت في «أزمة اقتصادية حقيقية»، لكنها أفضت إلى نتائج سياسية «أقل بكثير مما كنا نأمل».

وكما يوضح سيغل، الذي درس مؤخراً فشل العقوبات الأمريكية على روسيا في دفعها إلى تبني سلوك يتوافق مع مصالح الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي «الناتو»، فإن «الدول المستهدفة تمتلك حوافز قوية لعدم الاستسلام، بل إنها تستفيد أحياناً من ارتفاع مستويات الدعم السياسي الداخلي، لأنها تستطيع إلقاء اللوم في مشكلاتها الاقتصادية على قوة إمبريالية أجنبية».

ويشير سيغل إلى أن هذا الأمر «قد يكون أكثر صحة اليوم من أي وقت مضى»، بسبب قدرة الدول الخاضعة للعقوبات على اللجوء إلى الصين.

النفوذ في هرمز يعوق أي اتفاق

إن احتمال إعادة فتح مضيق هرمز تحت الضغط الاقتصادي منخفض للغاية، ويزداد انخفاضاً بسبب اشتراط إيران رفع العقوبات بوصفه أحد الشروط المسبقة لفتح المضيق، وهو ما يتطلب موافقة الكونغرس الأمريكي، حيث ستواجه أي مقترحات بهذا الشأن معركة شاقة.

لكن السبب الرئيسي وراء صعوبة أن يؤدي الانسحاب وإعلان النصر إلى إعادة فتح المضيق وتخفيف الكارثة الاقتصادية الوشيكة، يتمثل في ربط إيران حرية الملاحة في الممر المائي بفرض قيود أمريكية على إسرائيل. وقد أظهرت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة أنها غير مستعدة لاتخاذ مثل هذه الخطوة.

وكان الاتفاق الذي أُبرم في 17 يونيو بين الولايات المتحدة وإيران يتطلب من واشنطن، في جانب منه، إجبار إسرائيل على الانسحاب من لبنان، لكن الولايات المتحدة فشلت في تنفيذ ذلك. والآن، دفعت الاستفزازات اللاحقة من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل إيران إلى توسيع مطالبها المتعلقة بوقف إطلاق النار لتشمل عمليات عسكرية أخرى في العراق واليمن وفلسطين.

تراجع مصداقية ترامب في إبرام الصفقات

يزداد تأمين اتفاق لإعادة فتح المضيق وإنهاء الحرب تعقيداً في ظل تنامي الاعتقاد حول العالم بأن مؤلف كتاب «فن الصفقة» غير قادر ببساطة على إبرام الصفقات.

وأظهرت نتائج استطلاع أجرته صحيفة بوليتيكو عام 2025 وشمل دبلوماسيين من 15 دولة، أن مسؤولين أجانب يصفون عملية إبرام الصفقات في عهد ترامب بأنها «تفاعلية وتفتقر إلى اتجاه واضح». وفي الوقت نفسه، فشل ترامب حتى الآن في إنهاء الحرب بالوكالة في أوكرانيا، رغم أنه تعهد بإنهائها «خلال 24 ساعة» من توليه منصبه. كما فشل البيت الأبيض في التوصل إلى اتفاق سلام في غزة.

وفي ظل هذه الظروف، يبدو أن الحرب الأوسع نطاقاً مع إيران تقترب سريعاً من حالة وصفها رئيس تنفيذي لشركة شحن دنماركية لصحيفة فاينانشال تايمز بأنها «جمود على غرار أوكرانيا».

وفي حديثه إلى الصحيفة في أغسطس، أوضح الرئيس التنفيذي لشركة «تورم» أن «قيادة دول الخليج أدركت أنها بحاجة إلى الاستعداد لوضع طويل الأمد، لا يستمر أياماً أو أسابيع، بل أشهراً أو سنوات». وأضاف: «مع تصرف الولايات المتحدة بالطريقة التي تتصرف بها، أعتقد أنه من الوهم تصور عودة العالم قريباً إلى ما كان عليه قبل عشر سنوات».

الجمود الإيراني يتحدى الخروج السهل

سيشعر المستهلكون الأمريكيون قريباً بمزيد من تبعات هذا «الوضع طويل الأمد»، إذ أدت السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز إلى دفع أسعار الديزل إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق.

وبالتالي، فإن تجنب الكارثة الاقتصادية سيتطلب من الولايات المتحدة تلبية شروط لم تكن مستعدة حتى الآن لقبولها. أما مجرد إعلان النصر والانسحاب، فلن يحل المشكلة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
MERO

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 − خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى