هل تنجح طهران وبغداد في احتواء تداعيات التوتر الإقليمي على العلاقات بينهما؟
أي حادث في البيئة الإقليمية المتوترة حالياً يمكن أن يتحول سريعاً من واقعة أمنية محدودة إلى قضية ذات أبعاد سياسية واقتصادية وإقليمية.

ميدل ايست نيوز: يمكن اعتبار إعادة فتح الحدود بين إيران والعراق تدريجياً، اعتباراً من يوم الأحد، مؤشراً على مساعي طهران وبغداد لاحتواء تداعيات التطورات الجارية في المنطقة وإدارتها على مستوى العلاقات الثنائية، إذ إن استمرار هذه التطورات قد يلقي بظلاله أيضاً على العلاقات الاقتصادية والأمنية والتجارية بين البلدين.
وكانت الحكومة العراقية قد أغلقت مؤقتاً، منذ فجر السبت، المعبرين الحدوديين الشلامجة وجذابة، على خلفية التطورات الأخيرة، كما علّقت الرحلات الجوية بين البصرة وإيران.
ويُعد معبر الشلامجة أحد أهم المعابر البرية والاستراتيجية بين إيران والعراق، ويؤدي دوراً حاسماً في التبادل التجاري وحركة التنقل بين البلدين. وقد يترتب على إغلاقه، ولا سيما بالنسبة إلى المصدّرين الإيرانيين، تداعيات اقتصادية ملحوظة، بدءاً من توقف واضطراب نقل السلع القابلة للتلف، وصولاً إلى انخفاض حجم التجارة الحدودية وتراجع الإيرادات بالعملات الأجنبية.
وجاء إغلاق الحدود بأمر من رئيس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة، علي الزيدي، عقب ادعاء سعودي بشأن تعرض خط أنابيب شرق-غرب في المملكة لهجوم بطائرة مسيّرة، يوم الخميس من الأسبوع الماضي، انطلاقاً من الأراضي العراقية.
خط أنابيب يبعد النفط السعودي عن مضيق هرمز
يُعد خط أنابيب شرق-غرب السعودي، المعروف أيضاً باسم «بترولاين»، أحد أهم البنى التحتية لنقل النفط الخام في المملكة. ويمتد الخط لنحو 1200 كيلومتر، وينقل النفط الخام من المنطقة النفطية الغنية في شرق السعودية إلى ينبع على ساحل البحر الأحمر، بما يتيح للرياض إيصال جزء من نفطها إلى الأسواق الدولية من دون المرور عبر مضيق هرمز.
وفي الظروف الراهنة، يُعد خط أنابيب شرق-غرب إحدى الأدوات التي تعتمد عليها السعودية لتقليل تعرضها للمخاطر الناجمة عن أي اضطراب محتمل في مضيق هرمز. ومن ثم، فإن أي هجوم أو خلل في هذا المسار يمكن أن يؤثر في قدرة الرياض على نقل النفط إلى المصافي ومحطات التصدير الواقعة على الساحل الغربي.
وكانت وزارة الطاقة السعودية قد أعلنت تعليق عمل خط الأنابيب عقب الهجمات بطائرات مسيّرة، كإجراء احترازي، بهدف تنفيذ عمليات التأمين والتحقق من وضعه الأمني.
نفي قاطع للادعاءات بشأن تورط إيران
في طهران، جاء الرد الرسمي على الادعاءات المتعلقة بدور إيران واضحاً وصريحاً. فقد نفى إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، خلال مؤتمره الصحفي يوم الاثنين 14 سبتمبر/أيلول، الادعاء بشأن تنفيذ إيران هجوماً على خط الأنابيب السعودي انطلاقاً من الأراضي العراقية، وقال إن هذه الادعاءات طرحتها الولايات المتحدة، وإن الحديث عن تورط إيران في هذه التطورات «ليس صحيحاً إطلاقاً».
مخاوف التجار من تكاليف جديدة
برزت الأهمية الاقتصادية لإغلاق المعابر الحدودية، ولا سيما في المناطق الجنوبية من إيران. فقد أعلن رئيس غرفة التجارة في خرمشهر أن حركة المسافرين عبر الحدود الإيرانية العراقية عادت إلى طبيعتها، وأن الحكومة العراقية سمحت، منذ صباح الاثنين، باستئناف تصدير الشحنات التجارية عبر معبر الشلامجة.
وفي الوقت نفسه، أوضح مصطفى موسوي، رئيس لجنة السياحة في غرفة التجارة الإيرانية، أن حركة المسافرين في معبر جذابة طبيعية، لكن إعادة فتحه أمام النشاط التجاري مقررة يوم الخميس. أما في معبر خسروي، فتتواصل حركة المسافرين، على أن تبدأ عملية نقل الشحنات التجارية اعتباراً من يوم الثلاثاء.
ورغم ذلك، يرى ناشطون اقتصاديون أن القرار المفاجئ بإغلاق الحدود قد يفرض تكاليف على التجار. وقال موسوي إن العراق كان ينبغي له، في الحد الأدنى، أن يعلن مسبقاً عن قرار إغلاق الحدود، حتى تتاح للأفراد والتجار فرصة إدارة شحناتهم بالشكل المناسب.
وبحسب موسوي، أدى إغلاق معبر الشلامجة إلى اضطرار بعض التجار إلى نقل بضائعهم عبر طرق أخرى، ما رفع تكاليف النقل بنحو 25 في المئة.
أما بالنسبة إلى مواد البناء، فكانت المخاوف أقل بسبب توافر بنية تحتية لوجستية مناسبة في الشلامجة. لكن بالنسبة إلى السلع المحفوظة في المستودعات المبردة، فقد أوصي بنقل الشحنات بواسطة شاحنات مبردة، لضمان قدرتها على الصمود لفترة أطول.
ومع الاستئناف التدريجي للنشاط في المعابر الحدودية، تراجعت إلى حد كبير المخاوف العاجلة بشأن التجارة بين إيران والعراق، لكن جوهر القضية لا يزال قائماً.
فالهجوم على بنية تحتية تؤدي بالنسبة إلى السعودية دور المسار البديل لمضيق هرمز، إلى جانب التناقضات في الروايات المتعلقة بمصدر الهجوم، والإجراءات الأمنية التي اتخذتها بغداد، يوضح أن أي حادث في البيئة الإقليمية المتوترة حالياً يمكن أن يتحول سريعاً من واقعة أمنية محدودة إلى قضية ذات أبعاد سياسية واقتصادية وإقليمية.
وفي هذه الظروف، تكتسب التحقيقات العراقية بشأن مصدر الهجوم والجهات المرتبطة به أهمية مضاعفة. وإلى حين إعلان نتائج هذه التحقيقات، سيظل إسناد المسؤولية عن الهجوم بشكل قاطع إلى دولة أو جماعة محددة موضع خلاف.
والمؤكد في الوقت الراهن هو مساعي طهران وبغداد للحفاظ على التنسيق ومنع تصعيد التوتر، بالتزامن مع مساعي السعودية لحماية أحد أهم مسارات نقل نفطها؛ وهو مسار اكتسب، في الظروف الحالية، أهمية تتجاوز كونه مجرد خط أنابيب لنقل النفط، ليصبح جزءاً من منظومة أمن الطاقة السعودية.


