العراق: امتناع «قاطع» من الفصائل يسقط مهلة حصر السلاح ويُنذر بمفاجآت قادمة

يرى مراقبون أن مهلة حصر السلاح في العراق قد تتحول إلى مساحة زمنية جديدة مفتوحة، من غير أن يستبعدوا انفجار مفاجآت تصعيدية.

ميدل ايست نيوز: يضع موعد الثلاثين من أيلول رئيس الحكومة علي الزيدي بمواجهة اختبار صعب في تنفيذ تعهّد تفكيك الفصائل الذي قطعه أمام واشنطن، وسط تشكيك بقدرة الحكومة على الوصول إلى تسليم فعلي للسلاح خارج سيطرتها.

وفيما تؤكد مصادر مطلعة، أن الفصائل الرافضة لا تبدي، حتى هذه اللحظة، أي استعداد للتخلي عن قدراتها، يرى مراقبون أن المهلة قد تتحول إلى مساحة زمنية جديدة مفتوحة، من غير أن يستبعدوا انفجار مفاجآت تصعيدية. وفي المقابل، تبرز ضغوط أمريكية متزايدة مع قرب انسحاب القوات الأجنبية، ما يضع الحكومة أمام استحقاق سياسي وأمني يتجاوز حدود الموعد المعلن.

تعنت الفصائل

وتكشف مصادر مقربة من الحوارات مع الفصائل، لـ”العالم الجديد” إن “الرسائل التي تخرج بين حين وآخر، وتتحدث عن وجود تقارب ورغبة في التوصل إلى تفاهمات بشأن السلاح، تأتي في إطار طمأنة الشارع لا أكثر، وربما تمثل في الوقت نفسه رسالة إلى الجانب الأمريكي مفادها أن الحكومة تعمل، من خلال اللجنة الرباعية، بصورة مكثفة على وضع آلية أو منهاج لإنهاء السلاح الموجود خارج سيطرة الدولة”.

وتضيف المصادر، أن “الواقع لا يفضي إلى هذا المسار، فلا توجد، حتى الآن، آلية واضحة لتسليم السلاح، كما أن الفصائل المعنية تحاول فرض وجودها بالقوة، وهي ممتنعة بصورة قاطعة عن تسليم أي قطعة سلاح”.

وتتابع المصادر العليمة، أن “ما يجري في المنطقة وتداعياته يدفع هذه الفصائل أكثر إلى التمسك بسلاحها، ولا سيما ما جرى في اليمن، وما رافقه من تطورات تتعلق بسيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب والجزر المنتشرة فيه، وما أظهره ذلك من سرعة في فرض السيطرة، وهو أمر يمنح هذه الفصائل، دفعة معنوية قوية”.

مهلة زمنية

ووفقاً لهذه المصادر، فإن “الفترة المقبلة قد تمتد من ستة أشهر إلى سنة، وهي مرحلة أقرب إلى منح مساحة زمنية للحوار والاستثمار السياسي، وليس بالضرورة مقدمة لتسليم السلاح، فلا استعداد لدى الفصائل الممتنعة، والمعروفة مواقفها، للتخلي عن سلاحها، ولا عملية التسليم ستجري بالشكل الذي يتحدث عنه البعض”.

وترى المصادر، أن “السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في استمرار الحوارات، إذا ما حصلت هذه الفصائل على تطمينات من الحكومة أو الولايات المتحدة، أو جرى التوصل إلى اتفاقات محددة، قد يقود ذلك إلى هدنة أو ترتيبات مؤقتة، لكن الأمر يختلف تماماً عن تسليم السلاح وإنهاء هذه المؤسسات”.

نهاية غير معلومة

وتخلص المصادر المطلعة إلى القول، إن “هذه الجماعات الفصائلية موجودة منذ نحو عشرين عاماً، وأصبحت كبيرة ومتجذرة في المجتمع العراقي على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، ولذلك فإن القضية، لا يمكن اختزالها في مسألة تسليم السلاح، ولا اعتقاد أن هذا الملف يمكن أن ينتهي بهذه السهولة أو عبر إجراء واحد منفصل”.

ويعد ملف الفصائل المسلحة من أكثر الملفات حساسية أمام الحكومة العراقية، مع اقتراب موعد 30 أيلول سبتمبر الذي حددته القوى السياسية الرئيسية سقفاً لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

وكان ائتلاف إدارة الدولة، أكد خلال اجتماعه في الخامس من آب أغسطس ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، واعتبر الجهات التي تمارس نشاطاً يهدد أمن البلاد خارج إطار المؤسسات الرسمية “خارجة عن القانون ويجب محاربتها”، محذراً من أن أي نشاط مسلح خارج إطار الدولة بعد 30 أيلول سبتمبر سيجري التعامل معه وفق قانون مكافحة الإرهاب.

محاولة التفاف

من جهته، يقول المحلل السياسي غالب الدعمي، إن “لا جديد متوقعاً بعد 30 أيلول، لأن المدد في العراق قابلة للتمديد، فيما يظل المشهد السياسي متغيراً وتبقى الضغوط التي تمارسها الفواعل السياسية على الحكومة كبيرة”.

ويضيف الدعمي أن “هناك محاولات للالتفاف على قضية تسليم السلاح، التي باتت أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، ولذلك فإن الأيام المقبلة لن تخلو من المفاجآت، ولا يمكن التعامل مع الموعد المحدد بوصفه نهاية حاسمة للملف”.

ضغوط إيرانية

ويتابع الدعمي، أن “الحكومة ربما خففت من حدة خطابها تجاه الفصائل، في ظل الضغوط الكبيرة التي تواجهها، ولا سيما على المستوى الاقتصادي، إلى جانب الضغوط الإيرانية المرتبطة بملف مرور النفط عبر مضيق هرمز”.

ويرى، أن “العراق يمر بمرحلة شديدة الخطورة والحرج، ولذلك فإن الوصول إلى حل لملف السلاح يبدو أبعد من الأسبوعين المقبلين، وقد يحتاج إلى تفاهمات أوسع ومسار سياسي أطول من المهلة المعلنة”.

وفيما أبدت بعض القوى استعداداً لإعادة تنظيم علاقتها العسكرية والأمنية مع الدولة، أعلنت فصائل أخرى، من بينها كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، رفض التخلي عن قدراتها العسكرية، وربطت أي نقاش بشأن سلاحها بانتهاء وجود القوات الأجنبية وضمان حماية العراق من الهجمات الخارجية.

وعد الإطار

إلى ذلك، يوضح المحلل السياسي رمضان البدران، أن “ما وعد به رئيس الحكومة علي الزيدي بشأن موعد حصر السلاح بيد الدولة لم يكن وعداً شخصياً منه، وإنما كان وعداً صادراً عن الإطار التنسيقي وائتلاف إدارة الدولة، وقد نقل الزيدي هذا الموقف والتزم به، وهو ما أكده رئيس تحالف قوى الدولة عمار الحكيم عندما قال إن ما طرحه الزيدي في واشنطن كان (رأياً إطارياً بنكهة زيدية)”.

ويضيف البدران أن “الزيدي لم يطلق هذا التعهد من تلقاء نفسه، بل جاء بعد اجتماعه بائتلاف إدارة الدولة وحصوله على الوعود اللازمة، وبالتالي فإن ما نُقل إلى الجانب الأمريكي بلسان رئيس الحكومة هو في جوهره التزام مسجل على الائتلاف، ووعد قُدم إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر الزيدي”.

خيارات واشنطن

وعن موقف واشنطن، يبين البدران، أنه “إذا ما جرى تغيير الموعد أو لم يتحقق ما تم الاتفاق عليه، فإن الولايات المتحدة تمتلك خيارات عدة، خصوصاً أنها تستعد للانسحاب من العراق، وهي ستترك خلفها، وفق رؤيتها، ما قدمته وضحّت به خلال وجودها، لتصبح مسؤولية حماية ذلك وترسيخه على عاتق الحكومة والدولة العراقية”.

ويرجح، أن “هذا الأمر سيجعل الزيدي والحكومة والدولة العراقية أمام مسؤولية مباشرة تجاه التعهدات التي قُدمت، ولا سيما أن ترامب سيجتمع مع الزيدي خلال المرحلة المقبلة، ومن المرجح أن يراجعا ما تحقق، وما الذي ينتظر أن يراه على الأرض، وربما يبلغه بالتداعيات المترتبة على عدم الانسجام بين ما تم الاتفاق عليه وما يجري تنفيذه”.

ويعتقد البدران، أن “الإدارة الأمريكية الحالية تفهم بصورة دقيقة واقع النظام السياسي في العراق، وشخصياته وأحزابه وتوجهاته وما يريده وما يخطط له، ولذلك فإن قرارات مثل منع تمرير قانون الحشد الشعبي، ورفض ترشيح نوري المالكي، والموافقة على تولي علي الزيدي لرئاسة الحكومة، يمكن قراءتها بوصفها مؤشرات على مستوى عالٍ من معرفة واشنطن بتفاصيل المشهد العراقي”.

مساحة محدودة

ويجزم المحلل السياسي المقيم في واشنطن، بأن “معظم رجالات النظام السياسي العراقي لا يحظون بثقة واشنطن ولا يحظون بتوافقها، لكن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة تريد الإضرار بالعراق؛ فهي تتعامل مع العراق بوصفه دولة، وتدرك أن أي ضرر يلحق بها سينعكس على الشعب والدولة نفسها، ولذلك تمنح النظام السياسي مساحة من السماح، إلا أن هذه المساحة ليست مفتوحة بلا حدود”.

ويتابع، أن “حدود هذه المساحة ترتبط، في جزء منها، باستمرار النظام السياسي في تمرير أجندات الفصائل وأجندات قوى خارجية عبر العراق، سواء أحياناً على حساب المصالح العراقية أو في صراعات تتجاوز حدود العراق إلى مواجهة أطراف خارجية أخرى، ولذلك فإن النظام السياسي برمته أصبح موضع تساؤل لدى واشنطن”.

ويؤكد، أن “ما تسمح به الولايات المتحدة في هذه المرحلة يرتبط باعتقادها بأن الدولة العراقية والشعب العراقي لا ينبغي أن يدفعا ثمن خيارات النظام السياسي أو أن يبقيا رهينة لها، لكن هذه السماحات لها حدود، وقد تتغير عندما ترى واشنطن أن مصالح العراق أو استقرار المنطقة باتا مهددين”.

فقدان ثقة

ويميل البدران إلى أن “كل الاحتمالات تبقى واردة في المرحلة المقبلة، ولا يمكن الجزم بمسار واحد قبل اتضاح ما سيجري، لكن الثابت، أن النظام السياسي فقد جزءاً كبيراً من الثقة الدولية به، ولذلك نراه يتمترس خلف شخصيات تتمتع بدرجة أعلى من المقبولية، مثل مصطفى الكاظمي أو محمد شياع السوداني أو علي الزيدي”.

ويخلص المحلل السياسي إلى أن “النظام السياسي فقد، إلى حد كبير، قدرته على تقديم نفسه بوصفه الطرف الموثوق، وأصبح يعتمد على شخصيات تتمتع بقبول أوسع لتمرير المرحلة، وسيحاول استثمار هذه المقبولية والاحتماء خلفها، لكن الاعتقاد بأن هذه الآلية يمكن أن تستمر إلى الأبد ليس واقعياً”.

ومن واشنطن، أعلن الزيدي في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في تموز يوليو الماضي، في حديثه عن الفصائل أنه “تم استلام أسلحة كثيرة من بعض الفصائل، ومن يتحول للعمل السياسي سنتعاون معه”، لافتاً إلى أنه “بعد 30 أيلول لا حاجة لوجود أي فصائل، وقواتنا الأمنية قادرة على حماية أراضينا”.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى