الفيتو الصيني في مجلس الأمن.. كيف أعادت بكين رسم قواعد الأزمة الإيرانية؟
بالنسبة إلى إيران، يوفر هذا الوضع دعماً دبلوماسياً مهماً، لكنه لا يعني بالضرورة ضمان دعم صيني غير مشروط. فبكين تلاحق مصالحها الخاصة.

ميدل ايست نيوز: قبل أسبوع واحد فقط من اللقاء المرتقب بين دونالد ترامب وشي جين بينغ في واشنطن، شهد مجلس الأمن الدولي مواجهة لافتة بين الولايات المتحدة واثنين من أبرز منافسيها. فقد استخدمت روسيا والصين حق النقض ضد مشروع قرار أمريكي لتمديد مهمة خبراء الأمم المتحدة المعنيين بمراقبة العقوبات المفروضة على إيران؛ وهو مشروع القرار الذي، رغم حصوله على 11 صوتاً مؤيداً، لم يُعتمد بسبب تصويت موسكو وبكين ضده، فيما امتنعت الصومال وباكستان عن التصويت.
سارعت طهران إلى الترحيب بهذه الخطوة، وشكرت روسيا والصين على ما وصفته بالمواقف المبدئية والثابتة. كما جددت إيران التأكيد على موقفها القائل إن القرار 2231 انتهى في أكتوبر 2025، وبالتالي لا يوجد، من وجهة نظر طهران، أساس قانوني لمواصلة الآليات المرتبطة به. وفي المقابل، لا تزال الولايات المتحدة والدول الأوروبية تؤكد سريان آلية إعادة فرض العقوبات «سناب باك» والعقوبات التي أُعيد تطبيقها في عام 2025. لكن أهمية هذا التصويت تتجاوز مصير لجنة أممية واحدة. فالتوقيت مهم؛ إذ التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي نظيره الصيني وانغ يي في بكين قبل يوم واحد فقط من التصويت، وبعد ساعات، أجرى وزير الخارجية الصيني اتصالاً هاتفياً مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.
وأفادت رويترز بأن وانغ يي شدد خلال الاتصال على ضرورة ضبط النفس من جانب طهران وواشنطن، والعودة إلى الاتفاق المؤقت المبرم في يونيو واستئناف المفاوضات، كما تطرق الجانبان إلى مسألة إعادة فتح مضيق هرمز. وترسم هذه التطورات المتتابعة صورة مختلفة للصين عن مجرد كونها داعماً لإيران. فبكين وقفت في مجلس الأمن في مواجهة الولايات المتحدة، بينما تعمل في الوقت نفسه على تقديم نفسها بوصفها أحد الأطراف الضرورية لإدارة الأزمة. ولا تكتفي الصين، من خلال استخدام حق النقض، بمنع زيادة الضغوط الأممية على طهران، بل تعمل أيضاً، عبر اتصالاتها المباشرة مع واشنطن وحوارها مع طهران، على ترسيخ موقعها في أي جهود وساطة محتملة.
وتكتسب قراءة نشرتها مجلة فورين بوليسي في 17 سبتمبر حول السياسة الصينية خلال الولاية الثانية لترامب أهمية في هذا السياق. ويرى كاتبا المقال أن المشكلة الرئيسية بالنسبة إلى واشنطن لا تتمثل في الحرب مع إيران وحدها، بل في أن الصين عززت خلال الأشهر الـ19 الماضية موقعها في مجالات مختلفة، بدءاً من الاقتصاد والتكنولوجيا وصولاً إلى النفوذ الجيوسياسي. ويكتبان أن الحرب مع إيران ساهمت في إضعاف موقع الولايات المتحدة، لأنها أدت إلى نقل جزء من الموارد العسكرية الأمريكية من آسيا إلى الشرق الأوسط، واستنزاف مخزونات الصواريخ بعيدة المدى، وصواريخ باتريوت وثاد الاعتراضية، وصواريخ توماهوك.
كما ترى فورين بوليسي أن الحرب مع إيران لا تمثل بالنسبة إلى الصين مجرد أزمة إقليمية، بل أوجدت فرصة لبكين لإظهار التكاليف الاستراتيجية لقرارات واشنطن. وبحسب المجلة، فإن نقل الموارد العسكرية الأمريكية إلى الشرق الأوسط، وانخفاض الوجود العسكري الأمريكي في المحيط الهادئ، وتزايد الشكوك حول التزام واشنطن تجاه حلفائها الآسيويين، كلها عوامل تصب في مصلحة الهدف الأوسع للصين المتمثل في زيادة نفوذها في المنطقة.
وعليه يمكن النظر إلى استخدام حق النقض ضد مشروع القرار المتعلق بإيران باعتباره جزءاً من لعبة أكبر. فالصين، من خلال استخدام حق النقض، تظهر أن الولايات المتحدة لا تستطيع بسهولة بناء الإجماع الدولي اللازم لممارسة الضغط على طهران، لكنها في الوقت نفسه، عبر التواصل مع روبيو والتأكيد على المفاوضات، تحرص على ألا تتحول إلى طرف تصعيدي بحت. وهنا تحديداً لا تتطابق مصالح الصين وإيران بالضرورة. فبكين تتحمل أيضاً كلفة استمرار عدم الاستقرار في الخليج واضطراب مسارات الطاقة، ولذلك قد تكون راغبة في احتواء الحرب، وليس بالضرورة في تحقيق انتصار كامل لأي طرف.
وعليه، لا يمكن اعتبار استخدام الصين حق النقض في مجلس الأمن مجرد دعم دبلوماسي لطهران. ولعل الرسالة الأهم هي أن الملف الإيراني لم يعد يُعرّف فقط في إطار العلاقة بين طهران وواشنطن. فقد أصبحت الصين الآن في موقع يمكنها من التأثير في الضغوط داخل الأمم المتحدة، والتفاوض مع إيران، وإجراء اتصالات مباشرة مع الولايات المتحدة، والاستفادة من الأزمة لإعادة تعريف دورها في النظام الدولي.
وبالنسبة إلى إيران، يوفر هذا الوضع دعماً دبلوماسياً مهماً، لكنه لا يعني بالضرورة ضمان دعم صيني غير مشروط. فبكين تلاحق مصالحها الخاصة، بدءاً من استقرار الطاقة والحفاظ على طرق التجارة، وصولاً إلى احتواء التوتر مع الولايات المتحدة وتعزيز وزنها الجيوسياسي. ولهذا، قد لا يكون المعنى الأهم لاستخدام حق النقض الأخير هو وقوف الصين إلى جانب إيران، بقدر ما يتمثل في إظهار حقيقة أن واشنطن لم تعد تواجه، في إدارة الأزمة الإيرانية، مشهداً أحادي القطب.
وقبل أسبوع واحد فقط من لقاء ترامب وشي، بعثت الصين برسالتين في آن واحد، من خلال تصويت «لا» في مجلس الأمن واتصال هاتفي مع روبيو: فبكين ليست مستعدة لقبول الضغوط الأمريكية على طهران من دون تحدٍّ، لكنها في الوقت نفسه تريد أن تكون جزءاً من الحل للأزمة. وإذا كان من المقرر أن تنتهي الحرب على إيران إلى طاولة المفاوضات، فإن الصين ستحاول أن تضمن مقعدها فيها مسبقاً.



