الصحافة الإيرانية: الملف النووي لم يعد جوهر الأزمة.. إيران أمام سيناريو حرب جديدة

يحذّر دبلوماسي إيراني سابق من أن تزامن إعادة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن قد يهيئ ظروفاً مشابهة لما سبق عتبة صراعات سابقة.

ميدل ايست نيوز: يحذّر دبلوماسي إيراني سابق من أن تزامن إعادة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، والضغوط الرامية إلى إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة، وتصاعد الضغوط الاقتصادية، قد يهيئ ظروفاً مشابهة لما سبق عتبة صراعات سابقة. ويرى أن القضية لم تعد تقتصر على التخصيب، بل إن التنافس حول مستقبل مكانة إيران في الشرق الأوسط أصبح في صميم الأزمة.

وحسين موسويان، هو باحث في مجال أمن الشرق الأوسط والسياسة النووية، وشغل منصب سفير إيران لدى ألمانيا بين عامي 1990 و1997، وترأس لجنة العلاقات الخارجية في المجلس الأعلى للأمن القومي بين عامي 1997 و2005، كما كان المتحدث باسم الفريق الإيراني المفاوض في الملف النووي بين عامي 2003 و2005. وعمل موسويان منذ عام 2009 ولمدة 15 عاماً في برنامج «العلم والأمن العالمي» بجامعة برينستون، ويتعاون حالياً مع البرنامج بصفته باحثاً زائراً مشاركاً.

وتناول موسويان في أحدث مقالاته المنشورة في مجلة Bulletin of the Atomic Scientists، بعنوان «الهجوم المقبل على إيران؛ كيف تهيئ الضغوط القانونية والاقتصادية والدبلوماسية المنطقة لحرب أخرى؟»، الوضع الجديد للملف النووي الإيراني.

وفي ما يلي، النص الكامل لمقال موسويان:

دخل الملف النووي الإيراني مرحلة جديدة وربما شديدة الخطورة. فالتهديدات المتكررة من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل بشن هجوم جديد على البنية التحتية النووية الإيرانية، ولا سيما مجمع جبل الفأس النووي الجديد تحت الأرض، الذي أعلنت إيران رسمياً عن بنائه عام 2020، تتزامن الآن مع تصاعد الضغوط الدبلوماسية. وقد أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مجدداً أن إيران انتهكت التزاماتها المتعلقة بالضمانات، وأُحيل الملف النووي الإيراني مرة أخرى إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وعلى خلاف الأزمات السابقة، تتقارب هذه المرة مساران قانونيان في الوقت نفسه.

أولاً، مبادرة الدول الأوروبية العام الماضي لتفعيل آلية «سناب باك» بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2231، والتي يمكن أن تؤدي تلقائياً إلى إعادة جميع عقوبات الأمم المتحدة.

ثانياً، إحالة ما تدّعي الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنه «عدم امتثال إيران لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية» إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

ويمكن أن يؤدي الجمع بين هذين المسارين إلى تحويل الملف النووي الإيراني من خلاف فني وقانوني إلى قضية مرتبطة بتهديد السلم والأمن الدوليين، رغم أن روسيا والصين، خلال الاجتماع الأخير لمجلس الأمن، استخدمتا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي، معارضتين بذلك استمرار آلية مراقبة العقوبات وكذلك الادعاء بشرعية تفعيل آلية الزناد.

ومع ذلك، فإن إعادة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن تطرح سؤالاً أساسياً: هل يمكن أن يشكل هذا المسار مرة أخرى مقدمة قانونية وسياسية لشن هجوم عسكري جديد من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران؛ هجوم قد يسمح لدونالد ترامب بإعلان نسخته الخاصة من شعار جورج بوش الشهير «أنجزنا المهمة»؟

ولا يشكل هذا القلق مجرد فرضية. ففي يونيو/حزيران 2025، أصدر مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قراراً ضد إيران، وبعد أقل من 24 ساعة بدأت إسرائيل هجوماً واسعاً، كما هاجمت الولايات المتحدة ثلاثة مواقع نووية رئيسية في إيران. وحمّل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الوكالة ومديرها العام مسؤولية هذا الهجوم.

اليوم، لم يعد الملف النووي الإيراني مجرد قضية فنية أو قانونية، بل أصبح ساحة للتنافس الجيوسياسي حول النظام المستقبلي للمنطقة، وأمن الطاقة، ومستقبل العلاقات بين إيران والغرب. وفي الواقع، لم يعد الخلاف الأساسي يتركز فقط على التخصيب أو التكنولوجيا النووية، وإنما يدور حول المكانة الجيوسياسية لإيران، ومستقبل الجمهورية الإسلامية، وتحقيق الخطة التي أعلن عنها بنيامين نتنياهو مراراً بشأن «شرق أوسط جديد من دون إيران».

ويتطلب منع مواجهة أكثر خطورة التخلي عن سياسة الحرب والضغط وتغيير النظام، واستبدالها باتفاق دبلوماسي شامل؛ اتفاق لا يقتصر على القضية النووية، بل يشمل أيضاً الأمن الإقليمي، وحرية الملاحة في الخليج العربي، وإنهاء التهديدات العسكرية والأمنية المتبادلة بين إيران وإسرائيل. وحده هذا النهج يمكن أن يوفر مساراً واقعياً لإنهاء ما يقرب من خمسة عقود من المواجهة المستمرة.

هل البرنامج النووي الإيراني هو المشكلة الرئيسية فعلاً؟

بالتزامن مع تصاعد الضغوط القانونية والدبلوماسية، عززت تصريحات كبار المسؤولين الأمريكيين أيضاً الانطباع في طهران بأن البرنامج النووي لم يعد الهدف النهائي لواشنطن. فقد أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت صراحة أن الجولة الجديدة من الإجراءات الاقتصادية الأمريكية صُممت بهدف «انهيار الحكومة الإيرانية»، ودعا الدول الأخرى إلى الانضمام إلى هذه الحملة.

كما تكشف التطورات الأخيرة عن تناقض استراتيجي واضح. فالولايات المتحدة تقبل تخصيب اليورانيوم في السعودية في إطار التعاون النووي السلمي؛ وتتسامح مع الترسانة النووية الإسرائيلية؛ وعلى الرغم من انسحاب كوريا الشمالية من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وامتلاكها أسلحة نووية، فإنها تتعامل مع بيونغ يانغ باعتبارها طرفاً تفاوضياً. في المقابل، تواجه إيران، التي هي عضو في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ولا تمتلك قنبلة نووية، واحداً من أوسع أنظمة العقوبات في التاريخ المعاصر، إلى جانب تهديدات عسكرية متكررة ومطالب أمريكية صريحة بتغيير النظام.

ونتيجة لذلك، يقارن كثيرون في إيران الوضع الحالي بما حدث في العراق عام 2003؛ عندما هاجمت الولايات المتحدة العراق بحجة وجود «أسلحة دمار شامل»، قبل أن يتضح بعد سقوط نظام صدام حسين أن مثل هذه الأسلحة لم تكن موجودة أساساً.

«يوم القيامة الاقتصادي»؛ آخر أدوات الضغط

بعدما عجزت الدبلوماسية والعقوبات والعمليات السرية وحتى المواجهة العسكرية عن تحقيق الأهداف الرئيسية لواشنطن، بدأت الولايات المتحدة مرحلة تطلق عليها «يوم القيامة الاقتصادي»؛ وهي حملة غير مسبوقة من الحرب الاقتصادية، تترافق مع نوع من «الحصار البحري والجوي» على إيران. ويبدو أن هدف هذه الاستراتيجية هو الجمع بين الضغط المالي والعزلة الدولية والتهديد بمزيد من العمل العسكري لإضعاف الاقتصاد الإيراني وزعزعة استقرار البلاد، وصولاً في نهاية المطاف إلى تحقيق تغيير النظام.

وتعزز تصريحات دونالد ترامب نفسه هذا الانطباع. فقد قال: «لو كانت إيران تمتلك سلاحاً نووياً، لاتصلت بزعيم إيران وقلت له: “سيدي الزعيم، كيف حالك؟ هل هناك ما يمكننا القيام به؟”؛ بدلاً من أن نذهب ونقصفه». وبالنسبة إلى كثير من النخب السياسية والأمنية في إيران، عززت هذه التصريحات الاستنتاج القائل إن امتلاك سلاح نووي قد يكون وسيلة الردع الفعالة الوحيدة في مواجهة المساعي الخارجية لتغيير النظام.

الكلفة الباهظة للحرب

مع ذلك، فرضت المواجهات العسكرية في عامي 2025 و2026 تكاليف باهظة على جميع الأطراف. فقد تسببت هذه الحروب في اضطراب غير مسبوق في سوق الطاقة العالمية؛ إذ تجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل، وأصبحت سلامة الملاحة الدولية مهددة، وانكشفت هشاشة القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، كما تصاعدت المخاوف بشأن أمن البنية التحتية الحيوية للطاقة في مختلف أنحاء الخليج.

وفي داخل إيران أيضاً، خلّفت الحروب خسائر اقتصادية بمئات مليارات الدولارات؛ وهي خسائر كانت الولايات المتحدة قد تعهدت، بموجب تفاهم يونيو/حزيران، بدعم استثمارات تبلغ مئات مليارات الدولارات في إيران لتعويضها. كما قُتل وجُرح عشرات الآلاف من الإيرانيين، وهو ما كشف مجدداً الكلفة البشرية والاقتصادية لاستمرار هذه المواجهة العسكرية.

إعادة النظر في عضوية إيران في معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية

في الوقت نفسه، بدأ البرلمان الإيراني بحث «مشروع عاجل جداً» يمكن أن يؤدي في نهاية المطاف إلى انسحاب إيران من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.

وفي إيران، تزايدت أكثر من أي وقت مضى وجهة النظر القائلة إن استمرار العضوية في معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، بدلاً من تعزيز الأمن القومي، أصبح عاملاً يزيد من تعرض البلاد للخطر. كما يرى كثيرون أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تحولت عملياً إلى أداة لتسهيل الضغوط العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، ولا سيما أن قرار الوكالة شكّل الأساس السياسي للهجمات الأمريكية والإسرائيلية في يونيو/حزيران 2025.

ونتيجة لذلك، يطالب عدد من أعضاء مجلس الشورى الآن باتباع سياسة نووية أكثر تشدداً تجاه الولايات المتحدة، ويؤكدون أن «منطق القوة وحده هو الفعال» في مواجهة واشنطن.

امتداد الأزمة إلى البحر الأحمر

في غضون ذلك، سيطرت قوات أنصار الله اليمنية (الحوثيون) الأسبوع الماضي على جزيرة بريم، التي تفصل بين مساري الملاحة الرئيسيين في باب المندب، وبذلك أصبحت السيطرة على هذا الممر الاستراتيجي أيضاً في أيدي حلفاء إيران. وإذا وضعنا هذا التطور إلى جانب احتمال إغلاق مضيق هرمز، فإن النتيجة ستكون تعرض نحو ثلث التجارة البحرية العالمية للمخاطر الناجمة عن هذه الأزمة.

طريق الخروج من المأزق

رغم كل هذه التطورات، لا يزال هناك طريق لمنع اندلاع أزمة شاملة؛ إلا أن هذا المسار لا يمر عبر الحرب ولا عبر مزيد من العقوبات.

الخطوة الأولى هي عودة الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهم إسلام آباد واستئناف المفاوضات المباشرة. وقد أظهرت التجربة أن الحوار المباشر على أعلى المستويات أكثر فعالية بكثير من الدبلوماسية غير المباشرة. ويمكن أن يشكل تفاهم إسلام آباد نقطة انطلاق لاتفاق شامل، يتناول ليس فقط الخلافات النووية، بل أيضاً القضايا الأمنية الإقليمية المتبادلة.

والخطوة الثانية هي الانتقال من الاتفاقات المؤقتة إلى معاهدة نووية ثنائية دائمة. وبموجب مثل هذه المعاهدة، تتخلى إيران بشكل دائم عن إنتاج وامتلاك الأسلحة النووية، مع احتفاظها بحقها المعترف به في تخصيب اليورانيوم والاستخدام السلمي للطاقة النووية وفقاً لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. وفي المقابل، تلغي الولايات المتحدة العقوبات النووية بشكل دائم. ويمكن أن يوفر إقرار هذه المعاهدة في الكونغرس الأمريكي ومجلس الشورى الإسلامي الإيراني استقراراً واستمرارية قانونية لم تحظَ بهما الاتفاقات السابقة.

ثالثاً، حان الوقت لإنشاء نظام شامل للتعاون والأمن الجماعي بين إيران ودول الخليج؛ وهو إطار يضمن بصورة مستدامة أمن الملاحة وأمن الطاقة والتعاون الإقليمي.

ويمكن لهذا الإطار أن يشمل أيضاً فكرة إنشاء كونسورتيوم متعدد الأطراف لتخصيب اليورانيوم في الخليج، وهي مقترح سبق أن قدمته في عدة مقالات مشتركة مع علماء نوويين من جامعة برينستون، قبل الهجمات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية. وبموجب هذا المقترح، تستفيد دول المنطقة من مزايا التكنولوجيا النووية السلمية ضمن هيكل مشترك، بملكية جماعية وتحت إشراف دولي. ويمكن لمثل هذا النموذج تحويل التنافس النووي إلى تعاون إقليمي، وتوفير أساس مستدام لتسوية الخلافات النووية على المدى الطويل.

رابعاً، يقع مضيق هرمز في المياه الإقليمية لإيران وعُمان. وقد توصل البلدان حتى الآن إلى تفاهم بشأن آليات ضمان حرية الملاحة وإدارة حركة المرور البحري بأمان في هذا المضيق. ومن الجدير الآن أن تدعم الولايات المتحدة والمجتمعان الإقليمي والدولي هذا الإطار للتعاون والأمن الإقليمي، بدلاً من إضعاف هذه المبادرة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى