تقرير: نمو التجارة مع تركيا يكشف حدود رهان إيران على الأسواق المجاورة

تُظهر تجربة تركيا خلال النصف الأول من عام 2026 أن هناك قدرة على زيادة التجارة مع الدول المجاورة، وأنه يمكن حتى في الظروف الصعبة رفع الصادرات في بعض الأسواق الإقليمية.

ميدل ايست نيوز: في حين سجلت صادرات إيران إلى تركيا نمواً ملحوظاً خلال ربيع 2026، بل إنها زادت بأكثر من الضعف في يونيو/حزيران، تراجعت صادرات البلاد من إجمالي السلع والخدمات بنسبة 35.7% خلال الفصل نفسه. فهل يمكن لتوسيع التجارة مع الدول المجاورة، من دون استعادة العلاقات مع بقية الأسواق الخارجية والمسارات التجارية، أن يعيد تشغيل محرك الصادرات الإيرانية؟

يُعد تطوير التجارة مع الدول المجاورة أحد المحاور التي ركزت عليها السياسة التجارية للحكومة الإيرانية خلال الأشهر الأخيرة. كما شدد مدني‌زاده، وزير الشؤون الاقتصادية والمالية، في تصريحاته الأخيرة على تنويع الشركاء التجاريين، وتطوير التجارة الإقليمية، وزيادة الصادرات غير النفطية.

إلا أن مراجعة أحدث بيانات النمو الاقتصادي الصادرة عن مركز الإحصاء الإيراني تظهر أن صادرات إيران من السلع والخدمات تراجعت بنسبة 35.7% في ربيع 2026. فبعد أن سجل هذا المؤشر نمواً سلبياً بنسبة 8.8% في ربيع 2025، ارتفع في الصيف والخريف من العام نفسه بنسبة 4% و8.9% على التوالي، قبل أن يعود إلى المنطقة السلبية في الشتاء، مسجلاً نمواً سلبياً بنسبة 13.5%. وفي ربيع هذا العام، بلغ التراجع 35.7%.

لكن أحد أهم الشركاء التجاريين الإقليميين لإيران، أي تركيا، أظهر سلوكاً مختلفاً خلال الفترة نفسها. ووفقاً لبيانات التجارة الخارجية التركية، ارتفعت صادرات إيران إلى تركيا في الأشهر الثلاثة من ربيع 2026 مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، إذ بلغ النمو السنوي لصادرات إيران إلى تركيا 43% في أبريل/نيسان، و55% في مايو/أيار، و110% في يونيو/حزيران. واستمر هذا الاتجاه في يوليو/تموز، حيث زادت صادرات إيران إلى تركيا بنسبة 82% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.

وبعبارة أخرى، في الوقت الذي شهدت فيه صادرات إيران من إجمالي السلع والخدمات أحد أشد التراجعات خلال السنوات الأخيرة في الربيع، لم تنخفض صادراتها إلى تركيا، بل زادت بأكثر من الضعف في أحد الأشهر.

صادرات إيران إلى تركيا تنمو لكنها لم تكن كافية لإنقاذ الصادرات الإيرانية

سجلت إيران عجزاً تجارياً مع تركيا بقيمة 8 ملايين دولار في مارس/آذار 2025، لكنها حققت فائضاً بقيمة 103 ملايين دولار في مارس/آذار 2026. وفي أبريل/نيسان، ارتفع الفائض من 3 ملايين دولار في العام الماضي إلى 63 مليون دولار هذا العام. أما في مايو/أيار، فتراجع العجز البالغ 95 مليون دولار في العام الماضي إلى ما يقارب الصفر.

وحتى خلال الشهرين التاليين، ظل نمو صادرات إيران إلى تركيا مرتفعاً جداً. ففي يونيو/حزيران، زادت الصادرات بنسبة 110%، بينما سجلت في يوليو/تموز نمواً بنسبة 82%. لكن واردات إيران من تركيا ارتفعت خلال الشهرين نفسيهما بنسبة 49% و61% على التوالي، ما أدى إلى عودة الميزان التجاري إلى تسجيل عجز بقيمة 41 مليون دولار في يونيو/حزيران و26 مليون دولار في يوليو/تموز.

وعلى الرغم من هذه الأرقام الإيجابية، ينبغي الانتباه إلى أن زيادة الصادرات إلى سوق محددة لا تعني بالضرورة تحسن وضع التجارة الخارجية للاقتصاد ككل. وحتى في حالة تركيا، فإن النمو الكبير في الصادرات لم يؤد بالضرورة إلى استمرار الفائض التجاري.

أما على مستوى التجارة الخارجية ككل، فالفجوة أكبر بكثير. ففي ربيع 2026، تراجعت صادرات إيران من السلع والخدمات بنسبة 35.7% مقارنة بربيع العام السابق، في حين سجلت صادرات إيران إلى تركيا نمواً إيجابياً خلال الأشهر الثلاثة من الفصل نفسه. وبالتالي، لم يتمكن الأداء الإيجابي لأحد الشركاء التجاريين الرئيسيين من تعويض تراجع الصادرات في الأسواق الأخرى.

ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن هذين المؤشرين لا يُحتسبان بالطريقة نفسها تماماً. فالنسبة السلبية البالغة 35.7% التي أعلنها مركز الإحصاء الإيراني تتعلق بصادرات السلع والخدمات في إطار حسابات الناتج المحلي الإجمالي، بينما يُقاس نمو صادرات إيران إلى تركيا بالدولار، استناداً إلى بيانات التجارة الخارجية التركية. ولذلك لا يمكن مقارنة النسبتين بشكل مباشر. ومع ذلك، فإن اتجاه حركتهما مختلف تماماً، وهو ما يلفت الانتباه إلى مسألة مهمة في التجارة الخارجية الإيرانية.

المسألة لا تقتصر على تطوير التجارة مع الدول المجاورة

تُظهر تجربة تركيا خلال النصف الأول من عام 2026 أن هناك قدرة على زيادة التجارة مع الدول المجاورة، وأنه يمكن حتى في الظروف الصعبة رفع الصادرات في بعض الأسواق الإقليمية. لكن التجربة نفسها تكشف في الوقت ذاته عن أحد القيود، وهو أن النمو في سوق واحدة، حتى لو كان سريعاً جداً، لا يستطيع بالضرورة تعويض تراجع التجارة الخارجية على المستوى الكلي.

ولهذا السبب، لا يمكن اختزال مسألة التجارة الخارجية الإيرانية في عدد الدول المجاورة أو حجم التبادل التجاري معها فقط. فحجم السوق، وتنوع الوجهات التصديرية، ونوعية السلع القابلة للتصدير، وإمكانية الوصول إلى طرق النقل، والقدرة على الاندماج في سلاسل التجارة العالمية، كلها عوامل تؤثر في القدرة التصديرية للبلاد.

وبالتالي، يمكن أن يشكل نمو التجارة مع الدول المجاورة جزءاً من مسار تطوير التجارة الخارجية الإيرانية، لكن بيانات التجارة مع تركيا تطرح سؤالاً أكبر: هل تكفي زيادة التجارة الإقليمية وحدها لإعادة الصادرات الإيرانية إلى مسار النمو، أم أن الاقتصاد الإيراني يحتاج في الوقت نفسه إلى تنويع أكبر في وجهات التصدير واستعادة المسارات التجارية الأبعد، بما فيها المسارات البحرية؟

وتوضح أرقام ربيع هذا العام، على الأقل، نقطة واحدة: يمكن أن تنمو التجارة مع دولة مجاورة، حتى في الوقت الذي تشهد فيه صادرات الاقتصاد ككل تراجعاً حاداً.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنا عشر + 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى